All Chapters of صدفة غيرت حياتي : Chapter 1 - Chapter 10

64 Chapters

الفصل الاول

في ساعات الصباح الأولى، والأيام تلفظ أنفاسها الأخيرة من فصل الشتاء البارد، كانت تمشي في رصيف الشارع بخطوات وئيدة، يشوبها عرج خفيف تحاول جاهدة أن تخفيه عن أعين المارين كبرياءً وخجلاً. كانت تضم إلى صدرها كتبها الجامعية كمن يتمسك بأمانه الوحيد، بينما يداعب الهواء العليل ذيل فستانها الطويل ويطيره بخفة، لتمسكه بأصابع مرتجفة واستحياء، محاولة السيطرة عليه وسط زحام الشارع وموجات الصباح الباردة. وصلت إلى حافة الرصيف، وكان عليها أن تعبر إلى الطرف الآخر من الطريق؛ تلك اللحظة بالذات هي أكثر ما تخشاه دائماً، حيث تبدو السيارات كوحوش معدنية لا ترحم. وقفت لبرهة، استجمعت شجاعتها المحتبسة في صدرها، وتلت الشهادتين بصوت خافت وقلب ينبض رعباً، ثم بدأت في السير. وفجأة، في منتصف الطريق، انفلت أحد كتبها من يديها ليسقط أرضاً. انحنت بلهفة ومدت يدها المرتجفة لتلتقطه، وفي تلك اللحظة الخاطفة، دَوَّى صوت محرك سيارة يقترب بسرعة جنونية، تبعه صرير حاد وقاسٍ لكبح الفرامل. تزلزل العالم من حولها، وبفعل الصدمة والرعب، لم تحتمل أنفاسها فسقطت مغشياً عليها قبل أن تلامسها السيارة، لتغرق في ظلام دامس. نزل السائق من سيارته
last updateLast Updated : 2026-06-17
Read more

الفصل الثاني

ردت نهاد وهي تشعر ببعض التعب: "روحوا أنتوا هاتو الأكل، وأنا هستناكم هنا في المكان ده مش هتحرك". أمسكت ياسمين بيد نهلة وقالت بحماس: "يلا بينا!". ذهبا مسرعتين وأحضرا الطعام والضحكات لا تفارق وجوههما. وعند عودتهما، لمحتا نهاد على الطرف الآخر من الطريق وهي تشير إليهما بسعادة بالغة حثاً لهما على العبور. أمسكت ياسمين يد نهلة بمرح وطفولية، ونظرت إلى الشارع قائلة: "الطريق فاضي.. يلا بسرعة نعدي!". وفي جزء من الثانية، ومن حيث لا يحتسب أحد، ظهرت سيارة مسرعة جنونية من العدم، شقت صمت الشارع وهي تنطلق بأقصى سرعتها. وقبل أن تستوعبا ما يحدث، صدمتهما السيارة بكل قوة وعنف. وبفعل قوة الارتطام، طارت ياسمين عالياً في الهواء لتسقط على الأرض جثة خامدة والدماء تسيل منها، أما نهلة، فقد دفعتها الصدمة الأولى لتسقط إلى الأمام مباشرة تحت عجلات السيارة، ليقوم السائق بدهسها مرة أخرى بوحشية وهو يهرب مسرعاً بالسيارة دون رحمة. انطلقت صرخات نهاد الممزقة للقلب وهي تنادي عليهما بأعلى صوتها، وركضت نحوهما والدموع تعمي عينيها، اقتربت من جسديهما الغارقين في الدماء وهي تصرخ وتبكي بهستيرية، ولم يتحمل عقلها بشاعة الم
last updateLast Updated : 2026-06-17
Read more

الفصل الثالث

ضغطت بأصابع مرتجفة على زر الجرس، ونبضات قلبها تتسارع مع كل ثانية تمر. وبعد برهة قصيرة، فُتح الباب لتطل منه والدتها، وما إن رأتها حتى بادرتها بلهفة وعتاب خفيف: "إيه ده؟ جيتي بدري يعني؟ مش كنتِ قلتي لي الصبح إنك هتتأخري في الجامعة؟". لم تكد الأم تُنهي جملتها حتى وقعت عيناها على الشاب الطويل الواقف بجوار ابنتها في الممر، فتبدلت ملامحها وتوجست ريبة، وسألت بنبرة حائرة: "مين ده يا ياسمين؟". أجابتها ياسمين بتوتر واضح محاولةً مداراة الموقف: "عدّيني بس يا ماما ندخل جوه وهفهمك كل حاجة..". وما إن بدأت تخطو أولى خطواتها نحو الداخل، حتى انزاح ذيل فستانها الطويل كاشفاً عن قدمها المغطاة بالجبس الأبيض. تيبست الأم في مكانها، وشخصت عيناها بصدمة، ثم أطلقت شهقة فزع مزقت سكون الشقة: "يا لهوي! إيه اللي حصل لرجلك؟! إيه ده يا بنتي!". أمسكت بيديها بلهفة وجنون، وأجلستها على أول مقعد في الصالون، وعلى وقع صرخات الأم المذعورة، هرع الأب من غرفته وعلامات القلق تكسو وجهه. في تلك الأثناء، قالت ياسمين بصوت مهتز ومتحشرج تحاول طمأنتهما: "اتفضل يا دكتور إسلام، ادخل جوه لو سمحت.. اهدي بس يا ماما أرجوكي، أنا كويسة
last updateLast Updated : 2026-06-18
Read more

الفصل الرابع

نهض إسلام من مقعده مستجمعاً بقايا قوته وقال: "طب يلا يا ملك، اجهزي بسرعة علشان أوصلك في طريقي". نظرت إليه ملك بدهشة وإشفاق على حاله وقالت: "هتنزل تاني دلوقتي يا أبيه وأنت لسه راجع حالا من بره وما ارتحتش؟! ارتاح أنت وأنا هروح مع مروة صاحبتي، هي مستنياني بره". رد إسلام بنبرة صارمة لا تقبل النقاش، لكنها مغلفة بالخوف الأبوي عليها: "ملك.. يلا قلت، اجهزي فوراً، أنا هروح أغسل وشي وجاي وراكِ على طول". أذعنت ملك لطلب شقيقها وقالت باحترام: "حاضر يا أبيه". فعلت ملك مثلما طلب منها ونزلت بصحبته، وبعد نصف ساعة من القيادة وسط شوارع المدينة، وصلا أخيراً وتوقفت السيارة أمام مركز الدروس (السنتر). التفت إسلام إلى شقيقته، وتلاشت صرامته لتحل محلها نبرة دافئة وقال: "ملوكة.. متزعليش مني ومن تحكماتي، بس أنتِ عارفة أنا بخاف عليكي قد إيه يا حبيبتي الدنيا مبقتش أمان.. أول ما تخلصي كلميني فوراً وهجيلك في ثواني، أوعي ترجعي لوحدك، ماشي؟". ابتسمت له ملك بامتنان ودفء وقالت: "حاضر يا أبيه، متقلقش". ترجلت من السيارة، وظل إسلام يتابعها بنظراته القلقة والمليئة بالمسؤولية إلى أن اختفت تماماً بالداخل ودخلت مبن
last updateLast Updated : 2026-06-18
Read more

الفصل الخامس

غلبها النعاس أخيراً بعد ليلة شاقة، لينتشلها من بحر ذكرياتها المظلمة وتستسلم لراحة قصيرة يفتقدها جسدها المتعب... بعد العصر بساعه، استيقظ إسلام من نومه بنشاط، توجه نحو الحمام حيث توضأ وصلى فرضه بيقين وهدوء. بعد ذلك، دلف إلى المطبخ وبدأ في تحضير الغداء؛ صنع المعكرونة والدجاج المقرمش (البانيه)، فهي الوجبة الأسهل والأسرع التي أتقن طهوها منذ وفاة والدته -رحمها الله-. فمنذ ذلك اليوم الحزين، وجد نفسه فجأة المسؤول الأول والأخير عن شقيقته الصغيرة "ملك". نسى إسلام تماماً طعم الوجبات البيئية الدافئة؛ إلا في حالات نادرة عندما تزورهم إحدى خالاته، أو تحن عليه شقيقته الكبرى وتعود إلى مصر في إجازة. لكنها منذ أن تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج، أصبحت زياراتها نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة كل عام، وها هو العام الثاني يمر دون أن تأتي، متحججة بالظروف وصعوبة السفر. كثيراً ما كان يكلمه عمه في أمر الزواج، يلح عليه لكي يجد زوجة صالحة تؤنس وحدته وتساعده في حمل مسؤولية البيت، لكنه كان يرفض دائماً وبشدة؛ فهو لا يريد الزواج لمجرد الهروب من المسؤولية أو للبحث عن طاهية وخادمة، بل كان يؤمن أنه لابد أن يجد شريكة حيا
last updateLast Updated : 2026-06-18
Read more

الفصل السادس

تابع إسلام حديثه بلهجة قاطعة تحمل كل حرص الأخ الأكبر: "لا يا حبيبتي، مش هبقى مطمن أبداً وأنتِ لوحدك في البيت، بالي هيبقى مشغول بيكِ ومش هعرف أركز في شغلي ولا في الحالات اللي معايا.. وبرضه خلي بالك من الفون وجنبك على طول عشان لما أرن عليكي تردي، واقعدي ذاكري يا حبيبتي.. عاوزين مجموع كويس يرفع الراس السنة دي". ابتسمت ملك بامتنان، واقتربت منه تطبع قبلة خفيفة على خده قائلة: "حاضر يا أبيه، متقلقش عليا أبداً.. ترجع بالسلامة". قضى إسلام الليل بطوله في عمله، يتنقل بين غرف العمليات والحالات الحرجة. إن عمله كطبيب تخدير يجعله دائماً في حالة من التوتر واليقظة التامة، وخوف مستمر على حيوات المرضى وأنفاسهم إلى أن يستيقظوا بأمان ويعودوا إلى وعيهم. يرى في مشفاه من الحالات الكثير والكثير، وجميعهم يؤلمه حالهم وتعتصر روحه لأجلهم. كثيراً ما قالوا له زملائه الأقدم: "ستعتاد على هذا الأمر بعد ممارسة المهنة لفترة، ستصبح مشاعرك أكثر جموداً"، وها هو يعمل بها منذ سنوات ولم يعتد يوماً، بل ما زال يتألم لألم كل مريض يمر تحت يديه وكأنه أول حالة يراها. انتهت آخر عملية جراحية منذ ساعة كاملة، واطمأن على استيق
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more

الفصل السابع

أتت ملك من الداخل بخطواتها السريعة المرحة، والابتسامة تزين وجهها الطفولي قائلة بلهفة: "حمد الله على السلامة يا أبيه! نورت بيتك.. أحضرلك الفطار بسرعة؟ أنا جهزت كل حاجة". هز إسلام رأسه نفيًا وهو يجلس على المقعد بتعب: "لا ياحبيبتي تسلم إيدك، أنا فطرت بره خلاص.. قولي لي، أنتِ ميعاد درسك إمتى النهاردة؟". أجابت ملك وهي تنظر إلى الساعة: "على الساعة اتناشر الظهر كده تقريباً". أرجع إسلام رأسه للخلف وأغلق عينيه قائلاً: "خلاص تمام، أنا هدخل أنام شوية عشان مش قادر أفتح عيني، وابقي صحيني قبل ميعادك عشان ألحق أوصلك.. أمّال سمر فين؟ مش باينة يعني؟". ردت ملك وهي تضع يدها في خصرها بتعجب: "سمر نزلت من شوية صغيرة راحت مشوار.. بس استنى هنا! من إمتى وأنت بتفطر بره يا أبيه؟ ده أنت مبتحبش تاكل لقمة من بره البيت أبداً، وبترجع تموت من الجوع!". ابتسم إسلام بتعب وعفوية وهو يتذكر تفاصيل الصباح: "ياسمين.. هي اللي أصرت عليا أخد الساندوتشات والقهوة ومستسلمتش غير لما وافقت". برقت عينا ملك بانتباه شديد وفضول أنثوي واضح، واقتربت منه قائلة: "ياسمين؟! ياسمين مين دي بقى يا دكتور؟". تنهد إسلام بابتسامة غامضة وقال و
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more

الفصل الثامن

نظرت ياسمين إلى منى بامتنان عميق تخنقه العبرات؛ فعلى الرغم من أن معرفتهما ببعضهما لم تتجاوز العام الواحد، وصداقتهما لم تكن من تلك العلاقات القديمة المتجذرة، إلا أن مواقف منى كانت دائماً تثبت نبل أصلها. كانت تحبها بصدق وتدافع عنها بضراوة في كل موقف، والأهم من ذلك كله، أنها لم تسألها ولو لمرة واحدة عن سبب عرجتها ، بل كانت تتعامل معها طوال الوقت وكأنها لا ترى فيها أي اختلاف. لم تحكِ لها ياسمين تفاصيل الماضي الأسود، واحترمت منى تلك الخصوصية ولم تحاول النبش في جراحها؛ فكانت هذه الحدود هي السر في جعل علاقتهما مريحة جداً لكلا الطرفين. تحكي ياسمين ما تريد بلا تردد، وما لا تريد الاحتفاظ به لنفسها، لا تحاسبها عليه الأخرى ولا تلومها. كانت صداقة نقية في زمن شحّت فيه المواساة الحقيقية. وفي غضون ذلك، كانت ملك تقف بجوار سرير شقيقها، وتحرك يدها بقوة وهي تهتف بنبرة مسرحية ضاحكة: "يلا يا أبيه! كفاية نوم بقى.. اتأخرنا يا أبيه، الشمس طلعت وأنت غرقان في النوم!". تمتم إسلام بنعاس وثقل وهو يتقلب في فراشه: "امممم.. سيبيني شوية يا ملك". لم تستسلم بل هزت كتفه قائلة: "اصحى يلا، هتأخر على الدرس والوقت بيجري ب
last updateLast Updated : 2026-07-03
Read more

الفصل التاسع

ابتسمت ياسمين برقة وخجل وقد مسّتها حفاوة الاستقبال، وردت بنبرة هادئة وهي تحاول التراجع خطوة: "تسلمي لي يا حبيبتي، لا خليكِ مرتاحة في مكانك.. أنا هركب ورا عشان مسببلكمش أي قلق أو زحمة". رفضت ملك بإصرار قاطع وهي تمسك يد ياسمين بلطف لمساعدتها: "لا لا أبداً، والله ما يحصل! لازم تركبي قدام عشان تكوني مرتاحة ورجلك المجبرة تمدديها براحتك من غير ما تتبهدل ورا.. ولا إيه رأيك يا أبيه؟ مش أنا صح؟". التفت إسلام إليهما وعيناه تلمعان بالرضا عن تصرف شقيقته الشهم، وقال مؤيداً: "ملك معاها حق يا آنسة ياسمين، الكرسي الأمامي هيكون مريح أكتر لقدمك.. صحيح أنا نسيت أعرفكم ببعض رسمياً؛ دي ملك أختي الصغيرة وشقوتي في الدنيا، ودي الآنسة ياسمين". ضحكت ملك بمرح وعقبت بنبرة مسرحية: "أختي أنا الكبيرة قصدك يا أبيه! أنا العقل المدبر هنا". نظرت إليها ياسمين بـود حقيقي وشعرت براحة نفسية مفاجئة لم تختبرها منذ فترة طويلة، وقالت: "يشرفني طبعاً يا ملك.. أنتِ عارفة، أنا معنديش إخوات وبقالي سنين عايشة لوحدي". قطعت ملك كلامها بلهفة طفولية حانية: "كان.. فعلًا كااان معندكيش! لكن من أول النهاردة اعتبريني أختك الصغيرة وموجود
last updateLast Updated : 2026-07-03
Read more

الفصل العاشر

تابع إسلام تحذيراته المعتادة وخوفه الأبوي يسيطر عليه: "ملوكة.. أوعي تمشي مع حد تاني خالص مهما حصل، ولو حد من زمايلك ضايقك أو ضايق مروة بلغي المستر فوراً، وخلي بالك من نفسك كويس يا حبيبتي". ابتسمت ملك بحنان وقالت: "حاضر يا أبيه، في عيني.. مع السلامة". رد بنبرة دافئة: "سلام يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك". انطلق إسلام بسيارته بسرعة نحو المستشفى؛ فاليوم يبدو صعباً للغاية ومشحوناً بالتوتر. كانت هناك تجهيزات استثنائية في المشفى لوجود حالة مرضية شديدة الخطورة والأهمية السياسية في البلد. استعدادات طاقم الأطباء والإدارة نفسها كانت مختلفة تماماً ومشددة، ويسود المكان حالة من الصمت والوجوم والترقب. دلف إسلام إلى قسم الطوارئ وهو يشعر بـانقباضة غريبة وشيء غير مريح في صدره. التقى بالطبيب المعالج المسؤول عن الحالة، وبدأ يستمع منه بتركيز شديد إلى التقارير الطبية والمعلومات الصحية الدقيقة للمريض المنتظر؛ فرغم الهالة السياسية والضجة المحيطة بالشخصية، إلا أن إسلام كطبيب تخدير مخلص، كان يضع دائماً نصب عينيه قاعدة واحدة لا تتغير: لا يهمه اسم المريض، ولا نفوذه، ولا وضعه الاجتماعي، بقدر ما يهمه أنها "حياة
last updateLast Updated : 2026-07-04
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status