Masukكان زواج شرين وأمجد زواج مصلحة، ومع صداقتها الطفولية مع بشير كان يمكن أن تقترن به، لكنها تزوجت أمجد. وذاك اليوم ذكرت صديق أمجد على الإنترنت، بدا كلامها مزاحًا، لكنه اهتمام صريح. رفعت شرين جفنيها وقالت: "ما الذي يعجبك فيه؟ أنه أكبر مني سنًا أم قلبه المشغول بأخرى؟" ابتسمت سارة خفيفًا، إنكارها العنيد كان أبلغ جواب. قالت سارة: "بالمناسبة، عندي خدمة أريدها منك"، وغيّرت الموضوع. رمقتها شرين بنظرة "تفضلي قولي"، فأخرجت سارة من هاتفها صورة قلادة: "هل رأيتِ هذه؟" قصدتها سارة لأن هذه المدللة تبدو شارِدة، لكنها خبيرة مجوهرات حقيقية، لا تصمم ولا تصنع، بل تجمع. خزائن النساء الأخريات مليئة بالملابس والأحذية والحقائب، لكن خزائنها كلها مجوهرات، يُقال إن مجوهراتها وحدها تساوي نصف قيمة العاصمة. تأملت شرين الصورة وقالت: "لم أرَ مثلها، وتبدو عادية جدًا." وتقييمها على هذا القدر مفهوم، وسارة لا يعنيها الثمن بل المعلومة: "هل لها نظير أو شبيه؟" قالت شرين وهي تقطّب: "الدلاية مميزة قليلًا، كأنها شكل شيء بعينه، دعيني أفكر." ساد الصمت نحو دقيقة، ثم أومأت: "تشبه هيئة حبة تيانية من السبحة قليلًا." والاسم
في جناح فندق فاخر فتحت شرين الباب وهي ملفوفة بملاءة حرير؛ حركة لا يفعلها سواها. نظرت سارة إليها وقالت: "أصار فستان البارحة لا يستر؟" قالت شرين وهي تتفحصها: "يستر، لكنه متسخ ولا أريده." ثم مازحت: "مزاجك مرتاح؛ أضعفتك قوة بشيرالجنسية؟" ردّت سارة بالمثل: "إن شككتِ فجربي وستعرفين." ضحكت شرين وقالت وهي تسحب الملاءة للداخل كأنها على منصة: "تمام يا سارة، الرِّجال يَدَعونني أُجرِّبهم كلهم؛ إن لم نعد سلفتين فنحن أختان." تجمدت سارة ثانيتين، وفهمت أن قربهما في الأيام الأخيرة ازداد فعلًا. قالت سارة وهي تدفع لها ثيابًا: "بدّلي هذه." قالت شرين وجلست بالملاءة على الأريكة: "لن أخرج؛ لماذا أبدّل؟ أعدّي قهوة يا أختي، أحتاج طاقة." بدت منهكة إلى حد الاستنزاف؛ ولم تعرف سارة تفاصيل "معركتها"، لكن صور ليلتها مع بشير ومضت في خاطرها… وهذه الأمور تتشابه غالبًا. قالت سارة وهي تحضّر القهوة: "يبدو أن ذلك الرجل قويّ التحمّل." أومأت شرين: "جيد جدًا؛ ولولا ذلك فهل يرضيني؟" لا يعجزها لسان؛ فابتسمت سارة وقالت: "الآنسة شرين جبّارة من كل وجه." قالت شرين وهي تغتاب مازحة: "لستُ مثلكِ؛ تملكين رجلاً كاملاً ولا ت
شعرت سارة بصداع؛ لم تتوقع إصرار أمجد هكذا، "بماذا أجبته؟" أفلتها بشير وجلس على المقعد الهزاز، ومد ساقيه الطويلتين، "وما رأيك أنتِ؟" "لو أردته أن يعرف من أنا لما اختفيت بتلك القسوة"، قالت سارة بصراحة. "لا عجب فنحن زوجان، قلوبنا على موجة واحدة"، ومن كلام بشير فهمت سارة أنه رفض أمجد. ولهذا بدا وجهه متجهمًا. "وبقاؤه هنا، هل سببه هذا أيضًا؟" سألت سارة. "نعم، سيحفر الأرض ليجدك"، رفع بشير جفنه قليلًا، "يا سيدة راشد، ورّطتِ نفسك." كان الأمر صداعًا حقًا! قطبت سارة، "رجال عائلة راشد لماذا هم عنيدون هكذا؟" قال بشير وهو يتأملها: "لعلها جذور الحب العميقة." لم تعبأ سارة بمزاحه وفكرت ثوانٍ، "أفضل حل أن أصارحه بنفسي." كانت تدرك أن الهرب لا يحل شيئًا قط. قال بشير مسندًا ذقنه: "ثم ماذا؟" "وضعنا وعلاقته واضحان، وسيقطع أمله"، فضحك بشير ساخرًا. "أترين العاطفة تجارة أو صفقة؟" وقد زالت غفوته من عينيه، "عشر سنين استنزفتِه، أتظنينه يقطعها بكلمة؟ لو استطاع، أكان بهذه الحال؟" كان صوته هادئًا، وفيه غصة لا تخفى. قالت سارة ببرود: "لم أعدّه إلا صديقًا، ومشاعره هي التي انحرفت." أومأ بشير: "وتلومينه إ
آه!" ما إن دخلت آمنة الحديقة حتى أطلقت تنهيدة. وهذا ليس من طباعها، فشعرت سارة أن هناك خطبًا، وقالت: "لماذا تتنهدين يا أمي؟" قالت آمنة: "أليس بسبب أمجد؟ يبدو هادئًا من الخارج، لكنه يتألم في الداخل، ولا يفصح مثل بشير." ثم نظرت مع سارة نحو الأخوين في الداخل. سارة آثرت الصمت؛ فهي تعرف أمجد أكثر من أي أحد، ففي عالم الشبكة كشف نفسه لها. إن كان يخفي عنها شيئًا، فهو الزواج فقط، وسبب ذلك تعرفه سارة. لقد أحبّها ومال إليها. قالت سارة: "أمي، هو رجل راشد، وسيعالج أموره بطريقته." قالت آمنة وهي تهز رأسها: "جسده رجل، وقلبه طفل، وبشير عكسه، جسده طفل، وقلبه خبير." حقًّا، أمّ تعرف أبناءها عن ظهر قلب. قالت سارة: "هل قال أمجد شيئًا في عودته هذه؟" فقد رأت قلقًا في آمنة المعتادة على التساهل، فلا بد أن أمجد قال لها أمرًا. ثم إن أمجد قال إنه لن يغادر. هو خارج البلاد منذ سنين، والتوقف عن السفر لا بد له من سبب. قالت آمنة متحسرة: "لا، لا يقول شيئًا خوفًا عليّ، لكنني أفهمه." خطر ببال سارة كلام كمال عن تتبع عنوان "واتساب" لها، فاضطرب قلبها؛ أيمكن أن يكون أمجد بقي ليبحث عنها؟ قالت سارة وفي نفسها مقصد:
هذه طريقة إعلان السيادة، متسلطة وطفولية. وفوقها مليئة بالغيرة. ضاقت سارة، لكنها كتمت نفسها. ضغط بشير على أصابع سارة كأنه يلهو بلعبة تفريغ توتر: "لماذا عاد أمجد فجأة؟" "هو قال إنه سيعود، وتأخر كثيرًا." وقد تطرقا لهذا في دولة القرن، وسارة تتذكر، وسؤال بشير الآن يُظهر قلّة اهتمامه بأخيه أمجد. قال بشير بلا مبالاة: "ظننتك لن تعود." سكت أمجد، فقال بشير: "لو جئت متأخرًا يومين، لكانت زوجتك رحلت." شرين من الذين يملّون المكان بعد ثلاثة أيام، بقاؤها هذه المدة رقم قياسي لها. بذكرها، تذكرت سارة ما دُبّر لها الليلة الماضية، ولا تعرف كيف خرجت منه. نظرت سارة إلى أمجد، لكن آمنة قالت إنه عاد صباحًا، فإن كانت شرين قد واصلت "الحل"، فلن يكون هو. علاقة زواجهما محرجة، وكلام بشير كان جارحًا قليلًا، فسارة سكتت. بدت على أمجد هدوءٌ تام، وهمس "نعم"، ثم قال: "هذه المرة عدت ولن أغادر." اختنق نَفَس سارة؛ أليس هذا يعني أنها ستراه كثيرًا؟ ولو أن ما بينهما نقيّ، مجرد رفقة دردشة، يظلّ الأمر غير مريح لها. قال بشير قرب أذن سارة بنبرة ثقيلة: "هناك من سيفرح." فتيبّست أصابعها في قبضته. ثم مازح آمنة: "أليس كذلك
ضيف غامض؟ لم تعرف سارة من هو، لكن وجب النهوض فورًا. وبشير ما زال نائمًا، وذراعه تطوقها بسطوة. قالت سارة: "أمي جاءت بضيف، انهض." قال بشير: "دعيها تعود، مزعجة." وظهر طبعه الطفولي. لم تعبأ به سارة؛ هي أمّه، يفعل ما يشاء معها، أما هي فلا. أزاحت ذراعه ونهضت ترتدي ثيابها. وقبل خروجها التفتت تنبّهه، فإذا به ينقلب ويسحب اللحاف. خصره النحيل رسم خطوطًا مثيرة، فذكّرها بقوة خصره ليلة الأمس. احمرّ خدّها فجأة، وابتلعت كلماتها وغادرت الغرفة سريعًا. وصلت سارة الفناء، وفتحت الباب بسرعة، فتجمد أنفاسُها. قالت: "أمي!" ثم همست: "يا أمجد!" الضيف الغامض عند آمنة كان أمجد فعلًا؛ لم تتوقعه سارة وشعرت بالحرج. قالت آمنة وهي تدخل: "أمجد جاء صباحًا؛ علم بإصابة أخيه بشير وأصرّ أن يزوره." تبعتْها سارة، وتجنبت عيني أمجد: "جراحه لم تعد خطِرة." قال أمجد بعد وقفة: "هو يخاف الأطباء والحقن، ولم يُصب من قبل. وهذه محنته الكبرى، ولأجلكِ." قالت آمنة ولمّا وصلا القاعة: "طبعًا، زوجته يجب أن يصونها ويَحميها. أليس مستيقظًا بعد؟" احمرّ خد سارة: "ليس بعد..." قالت آمنة بلهجةِ تذمرٍ محبّة: "منذ صغره يحب التمطي في الف







