مشاركة

أول خساره حقيقية

last update تاريخ النشر: 2026-07-09 23:22:53

الفصل الثالث 

يهبط بنا المصعد الزجاجي ببطء لزج، كأنه تابوت شفاف يُنزلنا إلى مثوانا الأخير، بينما تُعرض جثثنا بملابس زاهية أمام مئات الأعين الجائعة التي تنتظر في بهو الفندق. كنت أقف بجوارها، أطوق خصرها النحيل بذراعي في حركة تملك مدروسة بعناية، حركة صُممت خصيصًا لعدسات المصورين ولعيون شركائي المتشككين الذين احتشدوا في الأسفل. تحت قماش الفستان الوردي الحريري الذي أجبرتها على ارتدائه، كان جسدها متخشبًا، باردًا وقاسيًا كلوح من الرخام الشتوي، لكن وجهها... وجهها هو ما كان يبعث القشعريرة في أوصالي ويجفف لعابي. كانت تبتسم. ابتسامة مثالية، هندسية دقيقة، لا تشوبها شائبة. الشفاه تفتر عن أسنان بيضاء لامعة، والعينان تتسعان بنظرة مشرقة، لكنها إشراقة اصطناعية مرعبة، كإضاءة ثلاجة الموتى في مشرحة باردة. لقد ارتدت القناع الذي أجبرتها عليه، لكنها ارتدته ببراعة جعلتني أشعر بالغثيان من نفسي. هذه ليست استسلامًا كما توهمت، هذه عملية تخدير موضعي قبل بتر طرف من الأطراف الحيوية.

انفتحت أبواب المصعد، وانفجر في وجوهنا طوفان من وميض الكاميرات وأصوات الصحفيين المتداخلة. الهواء امتلأ فجأة برائحة العطور الثقيلة، وعرق التوتر، وأنفاس المتطفلين. "سيد طارق، مبروك!"، "السيدة سلمى، كلمة للجمهور!"، "كيف تصفان ليلتكما الأولى بعد هذا الزفاف الأسطوري؟". ابتلعتني دوامة من الزيف الذي صنعته بيدي. ضغطتُ على خصرها قليلاً بأصابعي، إشارة متفق عليها سلفًا لتبدأ عرضها. ولم تخيب ظني أبدًا. مالت برأسها نحوي برقة مفتعلة، وضعت يدها الرقيقة فوق يدي التي تطوقها، ونظرت إليّ بنظرة عاشقة لو التقطتها الكاميرات لحصدت ملايين المشاهدات وأخرست كل الشائعات. لكنني، وأنا أنظر في عمق بؤبؤ عينيها المظلمتين عن قرب، لم أرَ سوى حفرة عميقة من العدم المطلق. كانت تؤدي دورها كما أمرت، لأن ثمن التمرد كان حرية وحياة شقيقها، لكنها كانت تعاقبني بطاعتها المطلقة. كانت تجردني من متعة الترويض والانتصار، لأنها سلمتني قشرة خارجية فارغة، واحتفظت بروحها في مكان عميق ومظلم لا أستطيع الوصول إليه مهما امتلكت من نفوذ.

كنا نشق طريقنا بصعوبة عبر الحشد نحو قاعة الاستقبال الخاصة، محاطين بحراس شخصيين يدفعون المتطفلين، حين توقف كل شيء فجأة. تعثرت خطى الحراس، وانشقت صفوف الصحفيين بحدة أمام جسد شاب يندفع كقذيفة طائشة يتدافع بتهور. كان عمر. شقيقها الأصغر. نقطة ضعفها الوحيدة، والورقة الرابحة القذرة التي استخدمتها لسحق إرادتها قبل دقائق معدودة في الأعلى. كان يلهث، رابطة عنقه مائلة بإهمال، وسترته الكحلية مجعدة وكأنه لم ينم أو يغير ثيابه منذ أيام. عيناه كانتا محمرتين، مليئتين بالذعر والارتباك الممزوج بغضب يغلي. توقف على بعد خطوات منا، يتنفس بصوت مسموع يطغى على همهمات الحضور، وعيناه تتنقلان بين وجهي الهادئ ببرود مصطنع، وابتسامة شقيقته البلاستيكية.

"سلمى..." نطق اسمها بصوت مكسور، متجاهلاً عشرات الكاميرات التي التفتت نحوه فجأة لتسجل هذا الخروج المثير عن النص المكتوب. "سلمى، هل أنتِ بخير؟ لقد حاولت الاتصال بكِ طوال الليل. هاتفكِ مغلق. حراسه منعوني من الصعود. لماذا تبدين هكذا؟"

شعرت بعضلات ظهرها تتقلص بعنف تحت يدي وكأن تياراً كهربائياً ضربها. اختفت الابتسامة عن وجهها لجزء من الثانية، ووميض من الألم الخالص، ألم حقيقي وحي ونازف، اخترق قناعها الجليدي. تقدم عمر خطوة أخرى، متجاهلاً نظرتي التحذيرية الصامتة التي كان يجب أن تجمده في مكانه لو كان يمتلك ذرة من العقل. "قالوا لي إنكِ سعيدة، لكنني أعرفكِ أكثر منهم. أعرف أنكِ لم تتجاوزي موت..."

"عمر!" قاطعته بصوت حاد، قاطع، كالرصاصة التي تخترق الصمت. لم يكن صوتي، بل صوتها. نظرتُ إليها بذهول خفي حاولت جاهداً ألا يظهر على ملامحي. كانت تقف منتصبة القامة، وابتسامتها قد عادت بقوة أكبر، لكنها الآن ابتسامة سامة، قاسية، تنضح بالتعالي. عرفتُ فورًا ماذا تفعل. كانت تسبقني. كانت تمنعه من نطق اسم خطيبها الميت أمام الصحافة، وتمنعه من ارتكاب حماقة قد تدفعني لتنفيذ تهديدي بتقديم أوراق الاختلاس وسجنه. كانت تتلقى الرصاصة في صدرها لتفديه.

"ما هذا المظهر يا عمر؟" قالتها بنبرة متعالية، باردة، لم أسمعها تستخدمها قط من قبل. نبرة تشبه نبرتي تماماً عندما أتحدث إلى موظف فاشل ومطرود. "نحن في مناسبة اجتماعية راقية، أمام عدسات كبرى الصحف، وأنت تقتحم المكان كمتشرد فاقد للأهلية؟"

تجمد الشاب في مكانه. اتسعت عيناه بصدمة حقيقية وكأنه تلقى صفعة مادية مدوية على وجهه أمام الجميع. "سلمى؟ ماذا تقولين؟ أنا... أنا كنت قلقًا عليكِ. هذا الرجل..." أشار إليّ بإصبع يرتجف من الانفعال. "أنتِ لا تحبينه. أنتِ كنتِ تبكين كل ليلة منذ الحادث المشئوم! لماذا تفعلين هذا؟ لماذا تتزوجين من رجل يمثل كل ما نكرهه؟"

همستُ في أذنها، بصوت خفيض لا يسمعه غيرها، وأنا لا أزال أوزع ابتساماتي الهادئة للكاميرات المحيطة: "أنهي هذه المهزلة الآن فوراً، أو أقسم لكِ أن غداً سيشهد أول أيام سجنه بين المجرمين."

لم تلتفت إليّ ولم تبدِ أي رد فعل على همسي. نظرت مباشرة في عيني شقيقها، الشاب الذي قامت بتربيته كابن لها، الذي كان يمثل بالنسبة لها العائلة المتبقية، الملاذ الأخير والوحيد لقلبها المحطم. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، رأيت تفاحة آدم في عنقها الرقيق تتحرك، ورأيت روحها تُذبح من الوريد إلى الوريد في تلك اللحظة القاسية.

"اصمت يا عمر. اصمت ولا تفضح نفسك وتفضحنا بتفاهتك." ارتفع صوتها قليلاً، بما يكفي ليسمعه الصحفيون القريبون وتلتقطه مسجلاتهم. "أنت طفل ساذج ومثير للشفقة. تتحدث عن الحب والبكاء والمثاليات المريضة؟ الحب لا يبني إمبراطوريات. الحب لا يضمن لك حياة الرفاهية والسيارات الفارهة التي تعيشها الآن وتدمرها باستهتارك الدائم. لقد اخترت طارق، نعم. وبكامل إرادتي. اخترت القوة، والنفوذ، والمستقبل المضمون الذي لا يمكن لشاب عادي أن يوفره لي. هل كنت تظن أنني سأدفن نفسي في ذكريات الماضي وألعب دور الأرملة الباكية للأبد؟ أنا امرأة تعرف ما تريد جيداً، وما أريده، وما أستحقه، يقف بجواري الآن."

الكلمات كانت تخرج من فمها كقطع زجاج مكسور تمزق حنجرتها قبل أن تصل إليه. كل كلمة كانت تقطع حبلًا سريًا متيناً يربطها بشقيقها. كانت تحرقه حياً لتنقذه من نيراني.

تراجع عمر خطوة للوراء، وكأن الأرض الرخامية تحت قدميه قد تحولت إلى جمر مستعر. الشحوب الذي كسا وجهه الشاب كان مميتًا، ساحباً منه كل ألوان الحياة. نظر إليها باشمئزاز عميق، بخيبة أمل لا قعر لها، وكأنه يرى كائناً غريباً ومشويهاً لا يمت لأخته بصلة. سقطت يده التي كانت ممتدة نحوها ببطء شديد، وتهاوت معها كل ذرة احترام، كل ذكرى دافئة، وكل قطرة حب كان يحملها لها في قلبه.

"لقد بعتِ نفسكِ." همس بصوت مبحوح ومختنق، لكنه مزق الصمت النسبي الذي خيم على المربع المحيط بنا، ووصل إلى مسامعي كدوي الرعد. "بعتِ نفسكِ، وبعتِ دمه الذي لم يجف بعد. أنتِ تثيرين اشمئزازي المفرط. لا تبحثي عني بعد اليوم، ليس لدي أخت تحمل اسمك."

استدار الشاب وركض مبتعدًا بعنف، يشق طريقه عائداً عبر الحشود التي أفسحت له المجال مذهولة، هاربًا من الوحش الذي ظن لسنوات أنه شقيقته الحنونة. لم تحاول مناداته. لم ترمش جفونها حتى. بقيت واقفة كالتمثال، تبتسم لعدسات الكاميرات التي عادت تومض بجنون لتلتقط تفاصيل "الدراما العائلية" الدسمة.

شعرت بثقل جسدها يميل قليلاً نحوي. لم تكن تستند إليّ بحثاً عن الأمان، بل لأن عظامها الدقيقة فقدت قدرتها المطلقة على حمل جسدها المنهك. في تلك اللحظة الدقيقة، وأنا أراقب ظهر عمر يختفي خلف أبواب الفندق الدوارة، أدركت للمرة الأولى حجم الكارثة التي اقترفتها يداي.

لقد أردت كسر تمردها وإخضاعها لسطوتي. لكنني لم أكسرها فقط؛ لقد دمرت آخر جسر كان يربطها بإنسانيتها. هذه لم تكن خسارتها هي وحدها. كانت خسارتي أنا الأكبر والأكثر فداحة. لقد أجبرتها على ارتداء ثوبي الملوث، ثوب القسوة والخيانة والمصلحة، وجعلتها تتذوق أبشع شعور في الوجود: طعم تدمير من تحب لحمايته. المرأة التي أحببتها بشغف مريض لأنها كانت بريئة وصادقة وتمثل النقيض لكل قذارتي، ماتت للتو أمام عيني وإلى الأبد، والذي يقف بجواري الآن، يبتسم للصحافة بدم بارد، هو وحش صغير، وحش كاسر صنعته أنا بيدي، وصقلته بابتزازي الدنيء.

أدركت والومضات تعمي بصري، أن الخسارة الحقيقية لا تكمن في فقدان الأشياء المادية، بل في اللحظة الملعونة التي نضطر فيها لقتل أجمل وأنقى ما فينا لنحيا. سلمى فقدت أخاها للأبد لتبقيه حرًا وخارج السجن، وأنا... أنا فقدت أي أمل ضئيل، أي وهم ساذج في أن تنظر إليّ يومًا كإنسان يستحق الشفقة أو الحب. بيننا الآن جثة جديدة، ليس تحت التراب هذه المرة لتُنسى، بل تسير على قدمين وتحمل اسم شقيقها. وهذه الدماء الخفية التي نزفت من روحها اليوم، لن يغسلها أي اعتذار أو مال في هذا العالم الموحش. لم تعد ضحيتي، بل أصبحت شريكتي في الجحيم، والشريك المطعون لا ينسى ثأره أبداً.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   حراس الهاوية وميراث الخطيئة

    الفصل الثاني بعد المئة ​زمجرت محركات الطائرة الشبحية كوحش جريح يرفض الموت، ممزقةً عتمة العاصفة الثلجية العمياء التي ابتلعت سماء القطب الجنوبي. خلفهم، كانت القارة البيضاء تتصدع بانهيارات تكتونية هائلة؛ الجليد الذي صمد لملايين السنين كان ينهار ليطوي أسطورة "المشرّع" في مقبرة من النسيان البارد. كان "صقر الجارحي" يقبض على مقود القيادة بيدين ترتجفان من فرط الإرهاق والصقيع، يوجه الطائرة النفاثة نحو طبقات الجو العليا، هرباً من موجات الجاذبية الارتدادية التي خلّفها موت الكيان الأخير.​في المقصورة الخلفية المضاءة بوهج أحمر خافت، أسندت "سلمى" رأسها إلى الجدار المعدني البارد. كانت أنفاسها تخرج في سحب بيضاء صغيرة، وجسدها مغطى بكدمات وجروح تنزف بصمت. سقطت شفرة (الكرمبيت) من يدها لترن على الأرضية، لم تعد تقطر دماً، بل كان يغطيها رماد برونزي لا ينتمي لهذا العالم. لقد انتصرت. حطمت "الملك الأبيض"، وسحقت "كهنة الفراغ"، وأغلقت الشقوق التي كادت تبتلع إرادة البشرية. لكن غريزة "القيصر" في أعماقها كانت تهمس لها بأن الهدوء الذي يعقب العواصف الكونية ليس سوى فخ جديد.​انبعث طنين حاد من لوحة الاتصالات المركزية

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   صرخة الثقب الأسود وتمزق الفراغ

    الفصل الواحد بعد المئهلم يكن هناك مجال للتردد. بمجرد أن أنهى "المشرّع" كلماته التي زلزلت القاعة الجليدية، ضغط "صقر الجارحي" على زناد بندقيته المعدلة. لم ينطلق الرصاص بصوته المعتاد، بل انبعث صراخ ميكانيكي حاد، موجات فوق صوتية عالية التردد (Ultrasonic) شقت الهواء البارد كشفرات غير مرئية. اصطدمت الطلقات بالمجال المكاني المحيط بالكيان الضخم، وبدلاً من أن تتوقف في الهواء كما حدث مع الكاهن الأعمى في بني سويف، تفاعلت الموجات الصوتية مع نسيج الفراغ، محدثة تخلخلات وتصدعات مرئية في الهواء، كأنها شقوق في زجاج يعكس الواقع.ارتجف جسد "المشرّع" البرونزي، وتراجع خطوة ثقيلة للخلف. الثقب الأسود الذي يتوسط قناعه المعدني بدأ ينبض باضطراب، والمجال الجاذبي الذي كان يحميه تمزق لثوانٍ معدودة.كانت هذه الثواني هي كل ما تحتاجه "سلمى".انطلقت كطيف أسود وسط العاصفة الصوتية، متجاهلة الطنين الممزق الذي كاد يفجر طبلتي أذنيها. كان جليد القاعة ينزلق تحت قدميها، لكن حذاءها التكتيكي وفر لها ثباتاً مثالياً. سحبت شفرتها (الكرمبيت) في يدها اليمنى، بينما استلت مسدسها الكاتم للصوت في اليد اليسرى.لكن "المشرّع" لم يكن مجرد

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   جحيم الجليد

    الفصل المائه شقت الطائرة الشبحية السوداء عنان السماء فوق القارة القطبية الجنوبية، كشفرة مسننة تمزق لوحة بيضاء لا نهائية. في الخارج، كانت العواصف الثلجية تعوي بغضب وحشي، ودرجات الحرارة تنحدر إلى مستويات قادرة على تجميد الدم في العروق خلال ثوانٍ. لكن البرودة الحقيقية لم تكن في المناخ القاسي؛ بل كانت تنبعث من تلك الإشارات الغرائبية التي كانت أجهزة الطائرة تلتقطها من أعماق الجليد السحيق.داخل المقصورة المضاءة باللون الأحمر التكتيكي، كان "صقر الجارحي" يعكف على تركيب أسطوانات معدنية غريبة الشكل على فوهة بندقيته الآلية الثقيلة."لقد انتهيت من دمج المولدات يا سلمى،" تردد صوت "عمر" عبر مكبرات الصوت في المقصورة، وكان التعب يثقل نبرته. "أسلحة صقر الآن مجهزة ببواعث موجات فوق صوتية (Ultrasonic Emitters). بمجرد إطلاق النار، ستولد الرصاصات اهتزازات وتخلخلات مكانية مركزة. لن تقتلهم، لكنها ستمزق المجال الجاذبي الذي يحيط بهم لثوانٍ معدودة. إنها نافذتكِ الوحيدة للاقتراب."أومأت "سلمى" برأسها في صمت. كانت ترتدي حلة قتالية حرارية سوداء، مصممة خصيصاً لمقاومة الصقيع القطبي، وتلف حول وجهها قناعاً تكتيكياً ل

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   صقيع العدم ومزامير النهاية

    الفصل التاسع والتسعونسفت رياح الصحراء الباردة رمال بني سويف فوق أجسادهم المنهكة، وكأن الطبيعة تحاول جاهدة دفن الأسرار التي كُشفت للتو. وقفت "سلمى" ببطء، تنفض التراب عن ملابسها الممزقة، وعيناها مثبتتان على الأنقاض الهائلة التي ابتلعت "كهنة الفراغ" وسردابهم العتيق. لم تكن تشعر بأي نشوة للانتصار؛ فكلمات "عمر" كانت تتردد في ذهنها كأجراس جنائزية ثقيلة تعلن نهاية العالم الذي تعرفه، وبداية كابوس يتجاوز حدود العقل البشري.إلى جوارها، وقف "صقر الجارحي"، يضغط بيده الخشنة على جرح كتفه النازف، وعينه السليمة تتأمل السماء المظلمة الخالية من النجوم."أربعة مواقع أخرى... في أربع قارات مختلفة،" بصق صقر دماً امتزج بتراب الصحراء، وصوته يحمل ثقلاً لم يعهده من قبل. "الرصاص لا يمسهم، والمتفجرات دفنتهم هنا بأعجوبة لن تتكرر. كيف سنقاتل أشباحاً تتلاعب بنسيج الواقع والجاذبية يا سلمى؟ نحن لسنا جيشاً... نحن مجرد شخصين يقفان على حافة الهاوية.""نحن لسنا شخصين يا صقر، نحن الجدار الأخير الذي يقف بين البشرية والفناء المطلق." استدارت سلمى نحو الطائرة الشبحية التي كانت تنتظرهم كظل عملاق رابض في العتمة. "هؤلاء الكهنة

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   مقبرة الرماد وسقوط الأعمدة

    الفصل الثامن والتسعون تحطم الزجاج السميك في نغمة واحدة متزامنة، ليدوي كأجراس جحيمية في القاعة الصخرية المغلقة. تدفق السائل العنبري اللزج ليغرق الأرضية الحجرية بالكامل، وتصاعدت منه أبخرة سامة حوّلت هواء السرداب إلى ضباب خانق. من بين الأبخرة، خطت عشرة أطياف رمادية متطابقة بخطوات لا تلامس الأرض تقريباً. عشرة من "كهنة الفراغ"، عيونهم المجوفة تشتعل بظلام ينبض كقلب ميت، ورؤوسهم تلتفت نحو "سلمى" و"صقر" بانسجام مرعب كأنهم يتحركون بعقل واحد.أدركت سلمى في كسر من الثانية أن الاشتباك المباشر مع عشرة كيانات تتلاعب بالجاذبية والفراغ هو انتحار مطلق. الرصاص لا يمسهم، والشفرات تتطلب اقتراباً مميتاً."قنابل الشظايا يا صقر! ليس لقتلهم، بل لتشتيت مجالهم التخاطري!" زأرت سلمى، وتدحرجت خلف القاعدة البرونزية لإحدى الكبسولات المحطمة لتفادي موجة اهتزازية سحقت الصخرة التي كانت تقف عليها قبل ثانية.نزع صقر صمامات الأمان عن ثلاث قنابل يدوية وألقاها بشكل متتابع نحو مركز الكهنة. لم تخترق القنابل مجالهم، لكن الانفجارات المتتالية والضغط الحراري أحدثا خللاً مؤقتاً في طاقة الفراغ المحيطة بهم. تراجع الكهنة بضع خطوات،

  • بعد انكشاف الحقيقه أصبحت أقسى منتقمه   دماء على مذبح العدم

    الفصل السابع والتسعون دوى أزيز الرصاص في القاعة الصخرية المغلقة كزئير وحش جريح. لم ينتظر "صقر الجارحي" أن يكمل الكاهن الأعمى وعيده التخاطري، بل ضغط على الزناد مفرغاً سيلًا من الطلقات الخارقة للدروع نحو الطيف الرمادي. لكن ما حدث تالياً تحدى كل قوانين الفيزياء التي عرفها المارشال العام طوال سنوات قتاله في العالم السفلي.لم تخترق الرصاصات جسد الكاهن، ولم ترتد عنه. قبل أن تلامس العباءة الرمادية بمليمترات قليلة، تباطأت الطلقات وكأنها تغوص في هلام غير مرئي، ثم توقفت تماماً في الهواء، لتسقط على الأرضية الحجرية محدثة رنيناً معدنياً محبطاً."الأسلحة التي تعتمد على النار والبارود لا تجدي نفعاً في حضرة الفراغ،" تردد الصوت المشوه داخل جمجمتي سلمى وصقر، مصحوباً بموجة ضغط هائلة أسقطت صقر على ركبتيه وهو يمسك برأسه من الألم.تقدم الكاهن بخطوات ثابتة، ورفع عصاه الخشبية الملتوية. انبعثت من شفرتها المعدنية موجة اهتزازية غير مرئية ضربت سلمى بقوة سيارة مسرعة، لتطيح بها عبر القاعة وتصطدم بقاعدة إحدى الأسطوانات البرونزية العملاقة. سقط مسدسها الفضي من يدها، وشعرت بطعم الدماء الساخنة يملأ فمها، بينما الرؤية

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status