تسجيل الدخولالفصل الرابع
جدران المكتب المكسوة بخشب البلوط الداكن في قصري كانت تبتلع الضوء الشحيح المتسرب من المصابيح الجانبية، تماماً كما كانت تبتلع أنفاسنا المتقطعة. عدنا من بهو الفندق إلى هذا السجن الفاخر بعد أن انتهت المسرحية. جلست سلمى على حافة الأريكة الجلدية السوداء، لا تزال ترتدي ذلك الفستان الوردي الذي بدا الآن ككفن مزين بسخرية. كانت تحدق في الفراغ، يداها مطويتان في حجرها بسكون ميت، والمسافة بيننا لا تتجاوز بضعة أمتار، لكنها كانت مسافة تقاس بالسنوات الضوئية من الخراب.
وقفتُ خلف مكتبتي الضخمة، أصب لنفسي كأساً من الخمر بيدي التي اكتشفتُ فجأة أنها ترتجف قليلاً. كان طعم الانتصار الذي حققته في الأسفل قد تحول في فمي إلى رماد. لقد هشمتُ صورتها أمام شقيقها، قطعتُ آخر شريان يربطها بالعالم الخارجي، ظناً مني أن هذا سيكسر كبرياءها ويجعلها ترضخ لي. لكنها لم ترضخ، بل انسحبت إلى مكان أعمق داخل نفسها، مكان لا تصله يدي ولا أموالي ولا تهديداتي.
"لقد فزتَ."
كان صوتها خافتاً، أجشاً، وكأنه يخرج من حنجرة شخص لم يتحدث منذ عقود. التفتُّ إليها ببطء، الكأس معلقة في يدي. لم تكن تنظر إليّ، بل كانت عيناها مثبتتين على تمثال برونزي صغير على الطاولة.
"أخذتَ كل شيء." تابعت بنبرة رتيبة، خالية من الغضب، خالية من أي انفعال، وهذا ما كان يرعبني. "دمرتَ أخي. لوثتَ اسمي. جعلتني أبدو كعاهرة تلهث خلف المال في عين العائلة الوحيدة التي أملكها. هل أنت راضٍ الآن يا طارق؟ هل اكتملت مجموعتك؟"
"أنا لم أجبركِ على قول ما قلتيه لعمر." دافعتُ عن نفسي بصوت حاولْتُ أن أجعله حازماً، لكنه خرج دفاعياً بشكل مقيت. "أنتِ من اختار الكلمات."
"لأنك وضعت المسدس في رأسي!" رفعت عينيها إليّ فجأة، والتمعت فيهما شرارة من غضب محتضر. "لأنك هددتني بسجنه! لا تلعب دور البريء، أنت قذر يا طارق. قذر حتى النخاع. أنت تعتقد أنك قادر على شراء كل شيء وتدمير ما لا يمكنك شراؤه. لكنك واهم. واهم ومثير للشفقة."
اقتربتُ من المكتب، وضربت الكأس على سطحه الزجاجي بعنف كاد أن يهشمها. "أنا مثير للشفقة؟ أنا من يملك حياتكِ وحياة شقيقكِ المعتوه بتوقيع واحد! أنا من يقف هنا حياً، أتنفس، وأملك الأرض التي تمشين عليها!"
"نعم، أنت." وقفت ببطء، وتوجهت نحوي، خطوة بخطوة، حتى فصلت بيننا حافة المكتب. عيناها كانتا تحدقان في عيني بشراسة امرأة لم يعد لديها ما تخسره. "لأنك مهما فعلت، مهما دمرت، مهما لبست من أقنعة القوة... ستظل دائماً الرجل الثاني. ستظل في ظله. يمكنك أن تسجن أخي، يمكنك أن تغتصب جسدي، يمكنك أن تقتلني كما قتلته... لكن زياد سيظل دائماً أنقى، وأشجع، وأرجل منك. لقد مات وهو يحبني، ومات وهو يرفض التنازل عني. دمه الذي سفكته سيظل يطاردك، وحبي له سيظل الحصن الذي لن تخترقه أبداً. أنت تملك جسداً مفرغاً يا طارق، لكن زياد... زياد يملك روحي."
اسم "زياد" كان كشفرة سكين تُغرس في صدري وتُدار ببطء. القديس زياد. الشهيد زياد. العاشق الذي لا يُقهر. وقفتُ أراقب وجهها المشتعل بتقديس أعمى لذكرى رجل ظنت أنه مات فداءً لها. رأيت في عينيها ذلك الحب الطاهر، العذري، الذي طالما تمنيت أن أحظى بكسرة منه. أردت أن أصفعها، أن أكسر هذا اليقين في عينيها. الغيرة، تلك الآفة البشعة التي تآكلت جدران روحي، لم تكن من رجل حي أستطيع تدميره، بل من جثة... جثة تُعبد في محراب قلبها.
فجأة، تبدد غضبي. حل محله هدوء بارد، سام، ومظلم. هدوء الرجل الذي يدرك أنه يحمل القنبلة النووية التي ستنهي الحرب، لكنه كان متردداً في إطلاقها لأن الإشعاع سيقتله هو أيضاً. لكنها الآن لم تترك لي خياراً. لقد أرادت الحقيقة، فلتشربها إذن حتى الثمالة.
"القديس زياد..." همستُ بابتسامة ملتوية، وأنا أستدير نحو الخزنة الفولاذية المدمجة في الجدار خلف لوحة زيتية. "الرجل الذي فداكِ بروحه. العاشق الذي لم يتنازل."
"لا تنطق اسمه على لسانك القذر!" صرخت، وصوتها يرتجف لأول مرة منذ ساعات.
أدرتُ قرص الخزنة ببطء، أستمع إلى نقرات الأرقام وهي تسقط في مكانها كحكم إعدام يُتلى في غرفة فارغة. انفتح الباب المعدني الثقيل. مددت يدي وسحبت ملفاً جلدياً بنياً. التفتُّ إليها، وألقيت الملف على سطح المكتب بيننا. انزلق الملف وتوقف عند حافة المكتب، قريباً من أصابعها المرتجفة.
"افتحيه." أمرتُها بصوت خالٍ من المشاعر.
"ما هذا؟ كذبة جديدة؟ تزوير آخر كما فعلت مع أخي؟" تراجعت خطوة للوراء، وكأن الملف يشع حرارة قاتلة.
"افتحيه يا سلمى. ألستِ تبحثين عن الحقيقة المطلقة لحبيبكِ الشهيد؟ انظري إليها إذن."
مدت يدها ببطء شديد، وترددت أصابعها قبل أن تلامس الجلد البارد. فتحت الغلاف. كانت هناك بضع أوراق رسمية تحمل أختاماً بنكية وأمنية. تابعتُ عينيها وهي تنتقل بين السطور، ورأيت اللحظة الدقيقة التي توقف فيها قلبها عن النبض لثانية كاملة.
الورقة الأولى كانت تحويلاً بنكياً. خمسة ملايين جنيه. من حسابي الشخصي، إلى حساب باسم زياد عبد الرحمن. التاريخ... قبل يومين من الحادث.
الورقة الثانية كانت عقداً غير مسجل، لكنه يحمل توقيعاً تعرفه هي جيداً أكثر من أي شخص آخر. توقيع زياد. عقد يتنازل فيه عن أي ارتباط بها، ويتعهد بمغادرة البلاد وعدم التعرض لها أو لعائلتها، مقابل المبلغ المذكور.
"هذا... هذا مزور." همست، وصوتها يتكسر كزجاج يُطحن تحت الأقدام. التقطت الورقة بيديها اللتين بدأتا ترتعدان بعنف. "أنت زورته... أنت دفعت لأحد ليقلد توقيعه... زياد لم يكن ليفعل هذا. كان يحبني!"
"قلبي الصفحة، يا زوجتي العزيزة." قلتها وأنا أتكئ بيدي على الطاولة، أقترب من وجهها لأراقب الانهيار عن قرب.
قلبت الورقة ببطء مرعب. كانت النسخة الأصلية من تقرير الطب الشرعي لحادث السيارة. التقرير الذي دفعْتُ ثروة لإخفائه عن الصحافة وعنها.
قرأت السطور بصوت غير مسموع، ثم اتسعت عيناها برعب خالص.
"نسبة الكحول في الدم تتجاوز الحد المميت... آثار مخدرات... سرعة تتجاوز 180 كيلومتراً في الساعة... السيارة رياضية فارهة..."
رفعت رأسها إليّ، وجهها مسحوب من كل قطرة دم، شفتيها ترتجفان ولا تقويان على النطق.
"سيارة رياضية فارهة، اشتراها في نفس يوم التحويل البنكي." قلتها بصوت هادئ، يمزق سكون الغرفة كمنشار عظم. "زياد لم يمت لأنه كان يقاتل من أجلك يا سلمى. زياد لم يمت لأنني قطعت فرامل سيارته كما كنتِ تتوهمين. زياد مات لأنه باعكِ بخمسة ملايين جنيه، واحتفل بصفقته القذرة حتى فقد وعيه، وقاد سيارته الجديدة المخمور فاصطدم بشاحنة على الطريق السريع."
"كاذب!" صرخت صرخة مزقت حنجرتها، وألقت الأوراق في وجهي. تناثرت الأوراق في الهواء كأشلاء طائر ميت. "أنت كاذب! لماذا إذن تركْتَني أعتقد طوال هذه الأشهر أنك قتلته؟ لماذا تحملت نظرات الاحتقار مني؟ لماذا تركتني أعيش في هذا الجحيم وأنا أظن أنك مجرم؟"
انحنيت نحوها، حتى شعرت بأنفاسها الباردة المتقطعة على وجهي. لم يكن هناك فائز في هذه الغرفة، بل خاسران ينزفان حتى الموت.
"لأن كراهيتكِ لي كانت الرابط الوحيد بيننا." اعترفتُ بصوت مثقل بالهزيمة، السر الذي أخفيته حتى عن نفسي. "عندما مات، رأيت كيف تحطمْتِ. رأيت كيف صنعتِ منه إلهاً. لو أخبرتكِ الحقيقة وقتها، لانتحرتِ أو فقدتِ عقلكِ. كان يجب أن أوجه غضبكِ وألمكِ نحوي أنا لكي تبقي على قيد الحياة. فضّلتُ أن أكون في عينيكِ قاتلاً كاسراً، وحشاً تنتقمين منه يوماً ما، على أن أكون مجرد 'التاجر' الذي اشتراكِ من حبيبكِ الذي رماكِ كخرقة بالية. فضّلتُ أن تكرهيني بشغف... على ألا تشعري بوجودي على الإطلاق."
انهارت ركبتاها فجأة، وكأن العظام قد ذابت تحت لحمها. سقطت على ركبتيها وسط الأوراق المتناثرة. لم تبكِ. لم تصرخ. أصدرت صوتاً خافتاً، صوتاً يشبه حشرجة الاحتضار، كحيوان جريح يدرك أن الفخ لم يكسر ساقه فقط، بل التهم روحه.
نظرتُ إليها وهي كومة محطمة على سجاد مكتبي. لقد دمرتُ إلهها. سلبتها كذبتها النبيلة. لم يعد هناك قديس تبكي عليه، ولا قاتل تقاومه. لقد جردتها من مبرر حزنها، ومن مبرر تضحيتها بشقيقها. لم يتبقَ لها سوى حقيقة واحدة قبيحة، عارية، ومقززة: لقد بيعت كالعبيد من قبل الرجل الذي أحبته، واشتريت بالدم والابتزاز من قبل الرجل الذي تزوجته. والآن، لم يعد هناك سوى أنا وهي، وعالمنا المظلم الذي لا يرحم أحداً.
الفصل الثلاثون وقفت سلمى أمام الجثة الملقاة على الأسفلت البارد، وعيناها تدوران في الظلام المحيط كذئبة محاصرة. لم تصرخ ولم تنهار؛ فالرعب حين يتجاوز كل الحدود، يتحول في العقول المدربة إلى جليد خالص. أدركت في تلك اللحظة أن سادة الهاوية الجدد لا يريدون قتلهما فوراً، بل يتلذذون بمشاهدتهما يركضان في المتاهة كفئران تجارب، يوجهونهما نحو حتفهما بخطوات محسوبة.أعادت الورقة السوداء إلى جيب معطفها الممزق، واستدارت نحو طارق الذي كان يئن بخفوت تحت وطأة النزيف."يجب أن نتحرك الآن، لن ننتظر حتى يقرروا دهسنا في خطوتهم القادمة." قالتها بصوت جاف لا رجعة فيه، وسحبته من ذراعه السليمة بقوة جعلته يكز على أسنانه ألماً.لم تمر سوى عشر دقائق من السير المتعثر على حافة الطريق الزراعي، حتى شقت أضواء صفراء باهتة عتمة الفجر. كانت سيارة نصف نقل (بيك أب) قديمة ومتهالكة، محملة بصناديق خشبية فارغة، تتهادى على الطريق ببطء. لم تفكر سلمى مرتين. انتزعت نفسها من طارق، ووقفت في منتصف الطريق الأسفلتي تماماً، رافعة مسدسها الفضي لتصوب مباشرة نحو الزجاج الأمامي للسيارة.صرخت فرامل السيارة العتيقة واحتكت الإطارات بالأسفلت بقسوة،
الفصل التاسع والعشرون كانت الرياح الشتوية القارسة تصفع وجه سلمى الملطخ بالطين والرماد، بينما وقفت تتأمل تلك الورقة السوداء المشؤومة في يدها المرتجفة. "حصان أسود".. رمز اللعبة الجديدة التي لم تختر رقعتها ولم تضع قوانينها. انهارت الإمبراطورية التي بنتها بالدماء والابتزاز في ليلة واحدة، لتجد نفسها الآن مجرد طريدة في العراء، بلا حراس، بلا هواتف مشفرة، وبلا حسابات بنكية تحميها من غضب العالم.نظرت سلمى إلى طارق الذي كان يئن بخفوت وهو يسند جسده الضخم إلى الصخرة الباردة. النزيف في كتفه لم يتوقف بالكامل، ووجهه الشاحب كان ينذر بغيبوبة قريبة. لم يكن هناك وقت للانهيار أو البكاء على أطلال الماضي المحترق. الملكة التي فقدت عرشها يجب أن تتحول إلى ذئبة شرسة إذا أرادت النجاة في هذه الغابة المظلمة. لم تكن هذه مجرد هزيمة مالية، بل كانت عملية تجريد قاسية لكل ما يربطها بإنسانيتها المزيفة، لتعود إلى نقطة الصفر المطلقة."يجب أن نتحرك يا طارق، النيران ستجلب سيارات الإطفاء والشرطة إلى المكان خلال دقائق، وإذا وجدونا هنا، فالسجن سيكون أرحم مصير ننتظره." قالت سلمى بصوت حازم، وهي تلف ذراعها حول خصره لتسنده، وتج
الفصل الثامن والعشرون دوى صوت الرصاصة ليشق جدار الدخان والنيران، لكن الجسد الذي سقط لم يكن طارق الحديدي.في الكسر الأخير من الثانية، وبحركة لا واعية تُسيرها غريزة البقاء النقية التي صقلها الرعب، انحرفت فوهة المسدس في يد سلمى مليمترات قليلة نحو اليسار. لم تكن الرصاصة تستهدف قلب عمر، ولا رأس طارق. اخترقت الرصاصة الفضية كف عمر الأيسر بدقة وحشية، محطمة عظام أصابعه، لتخترق جهاز التفجير البلاستيكي وتفجره إلى شظايا غير ضارة قبل أن يكمل ضغطته الأخيرة التي كانت ستحيل القصر إلى مقبرة جماعية.أطلق عمر صرخة مدوية، صرخة ألم وحيوانية شقت سكون الموت في القبو. تراجع للخلف وهو يمسك بيده الممزقة التي تنزف بغزارة، وعيناه متسعتان بصدمة لم يتوقعها. لقد كسرته سلمى في لعبته الخاصة؛ لم تقتل أياً منهما، بل قتلت سلاحه."تحركي!" زأر طارق بصوت أجش، متجاهلاً ألمه، واندفع رغم نزيف كتفه ليمسك بذراع سلمى ويسحبها بقوة نحو الجدار الخلفي للجناح الطبي.كانت النيران قد بدأت تلتهم الأنابيب البلاستيكية للأكسجين، مما ينذر بانفجار ثانوي وشيك لا يحتاج إلى متفجرات عمر. ضغط طارق بكفه الملطخ بالدماء على لوحة معدنية خفية خلف
الفصل السابع والعشرون كانت ألسنة اللهب تلتهم ما تبقى من هيبة قصر "الحديدي"، والدخان الأسود الكثيف يزحف كأفاعي سامة داخل الجناح الطبي السفلي. رائحة البارود والأسلاك المحترقة اختلطت برائحة الدماء الصدئة لتخلق جواً خانقاً يسحب الأكسجين من الرئات المنهكة.على الأرضية المغطاة بالزجاج المهشم، نهض عمر ببطء مرعب. لم يصرخ، ولم يطلب الرحمة. مد يده السليمة، وبحركة وحشية خالية من أي تردد، انتزع المشرط الجراحي المغروس في كتفه. تدفق الدم بغزارة ليبلل سترته السوداء، لكنه فقط ألقى المشرط جانباً، وابتسم. ابتسامة مريضة، متشنجة، تعكس عقلاً احترق بالكامل قبل أن تحترق جدران القصر."هل ظننتما حقاً أن طعنة صغيرة ستوقفني؟" بصق عمر الدماء من فمه، وصوته يتردد كفحيح شيطاني وسط فرقعة النيران. "لقد طُعنت في ظهري منكما بخنجر الخيانة قبل خمس سنوات، وما زلت واقفاً! النار التي في صدري أقوى من نيرانكم اللعينة!"تراجعت سلمى خطوتين للخلف، تلهث بقوة، وعيناها تبحثان بجنون عن البندقية التي طارت من يدها، لكنها كانت محاصرة بين ألسنة اللهب التي بدأت تأكل الإطار الخشبي للباب الرئيسي. نظرت إلى طارق الذي كان يسند ظهره العاري
الفصل السادس والعشرون لم تكن أربع وعشرون ساعة لتنقضي قبل أن تبدأ الحرب الفعلية. في تمام الساعة الثانية فجراً، تحول قصر "الحديدي" المحصن إلى قلعة عسكرية وسط عاصفة من النيران والحديد.في الجناح الطبي السفلي، فتح طارق عينيه ببطء، محاولاً تجاهل الألم الحاد في كتفه الأيسر. رصد بعينيه الحادتين انعكاس ألسنة اللهب التي بدأت تتسرب من النوافذ الخارجية، وصوت انفجار مكتوم هز أركان القبو. على الشاشات المعلقة أمام غرفة المراقبة الطبية، كان المشهد كفيلاً بشرح الموقف؛ أربع سيارات دفع رباعي سوداء اخترقت البوابات الرئيسية الفولاذية، وترجل منها رجال مدججون بأسلحة آلية ثقيلة وقنابل دخانية، يرتدون أقنعة سوداء ويمطرون حراس سلمى بوابل كثيف من الرصاص.عمر لم يكن ينتظر انتهاء المهلة؛ لقد نفذ تهديده وجاء بنفسه ليحرق القصر ومن فيه.في تلك الأثناء، كانت سلمى تقف في غرفة العمليات الرئيسية بالطابق الأرضي، ترتدي سترة واقية للرصاص، وتقبض على بندقية هجومية (M4) بمهارة قتالية محترفة. وجهها كان شاحباً لكنه يحمل هالة من الجليد القاتل. كان رائد ينزف بغزارة من جرح قطعي في جبينه، ويحاول تشغيل جهاز الاتصال المركزي وسط ص
الفصل الخامس والعشرون نظرت سلمى إلى الدماء القاتمة التي تزحف ببطء على الأرضية الأسمنتية الباردة لزنزانة "طارق". كلماته الأخيرة كانت كشفرة مسمومة تُغرس في كبريائها؛ لقد ترددت. في اللحظة الحاسمة التي كان يجب أن تضغط فيها على الزناد وتنهي حياة شقيقها، استيقظت تلك البقية الباقية من إنسانيتها لتخونها، وتلك اللحظة كادت تكلفها كل شيء."رائد! احمله فوراً!" صرخت سلمى بصوت أجش، قاطعاً الصمت المروع الذي خلفه الدخان الأبيض. "استدعِ الفريق الطبي الخاص إلى القصر! طارق لن يموت الليلة، ولن يبقى في هذا السجن دقيقة واحدة أخرى. إنه بعهدتي الآن!"حمل الحراس طارق الذي غاب عن الوعي جزئياً، بينما كانت ابتسامته الساخرة لا تفارق شفتيه الشاحبتين. في طريق العودة، جلست سلمى في سيارتها المصفحة، تحدق في الفراغ. لقد تحولت اللعبة. عمر لم يعد مجرد شبح يرسل وروداً ذابلة أو رسائل تهديد، لقد أصبح قاتلاً محترفاً يتلاعب بنقاط ضعفها. أدركت سلمى في تلك الليلة الماطرة أن المعركة لم تعد على إمبراطورية "الحديدي"، بل أصبحت معركة على من يمتلك القدرة على التخلص من قلبه أولاً.بعد ثلاث ساعات، في جناح طبي سري أعدته سلمى مسبقاً







