Home / الرومانسية / ظلال مدينة ايلمار / الفصل الثامن: باب الضوء

Share

الفصل الثامن: باب الضوء

last update publish date: 2026-07-03 08:26:17

انفتح باب الضوء أمامهم كجرح في قلب الجبل، لا يلتئم ولا يهدأ. لم يكن يشبه أي بوابة رأوها من قبل؛ لم يكن له إطار، ولا بداية واضحة، فقط امتداد أبيض نابض كأنه يتنفس.

الصوت تلاشى.

الحارس الذي خرج من البوابة الحجرية تراجع خطوة أخرى، ثم توقف، كأنه لم يعد يملك الحق في الاقتراب أكثر.

"لقد اختارها الختم بالفعل…" قال بصوت أخف من السابق.

ريان لم ينظر إليه. كانت كل حواسه مركزة على ليان.

"لا تدخلي."

لكنها لم تجبه.

كانت واقفة أمام الباب الضوئي، ويديها ترتجفان بشكل غير طبيعي. المفتاح في جيبها لم يعد مجرد معدن… كان كأنه قلب إضافي ينبض خارج جسدها.

سيرا اقتربت بحذر.

"إذا دخلتِ… لن تعودي كما خرجتِ."

ليان همست، دون أن تلتفت:

"أنا أصلًا لم أعد كما كنت."

وفي لحظة واحدة، تقدمت.

مدّت يدها نحو الضوء.

قبل أن تلمسه، أمسك ريان معصمها بقوة.

"ليان، اسمعيني… هذا ليس مكانًا للدخول وحدك."

نظرت إليه أخيرًا.

وكان في عينيها شيء لم يره من قبل.

ليس خوفًا.

بل يقينًا مؤلمًا.

"أنا لم أختر هذا يا ريان… هو الذي يختارني."

ثم أزالت يده ببطء.

ودخلت.

انفجر الضوء حولها فورًا، وابتلعها بالكامل.

ريان اندفع خطوة للأمام:

"ليان!"

لكن الباب لم يسمح له بالاقتراب.

اصطدم بجدار غير مرئي، ارتدّ للخلف بقوة.

"لا!" صرخ.

مالك تحرك بسرعة وأمسكه قبل أن يسقط.

"لا فائدة… البوابة مغلقة عليه الآن."

نظر ريان إليه بغضب مشتعل.

"أنت تعرف ماذا يحدث هناك، أليس كذلك؟"

لم يجب مالك مباشرة.

لكن صمته كان إجابة كاملة.

داخل الضوء…

لم يكن هناك أرض.

ولا سماء.

ولا زمن.

ليان كانت تسقط… لكن دون سقوط.

كل شيء حولها كان يتحرك مثل موجات ذاكرة، تتشكل ثم تنكسر ثم تعود من جديد.

ثم بدأت ترى.

طفلة صغيرة تركض في ممر حجري.

رجل يضع قلادة حول عنقها.

صوت والدها يقول:

"إذا نسيتِ نفسك… سيستيقظ الختم وحده."

ليان حاولت أن تتكلم، لكن صوتها لم يخرج.

المشهد تغيّر بسرعة.

مدينة إيلمار كما لم ترها من قبل. ليست المدينة الهادئة… بل نسخة قديمة منها، مليئة بأبراج سوداء ونقوش زرقاء على كل جدار.

أشخاص يرتدون أزياء تشبه ريان ومالك وسيرا… لكنهم مختلفون، أقدم.

ثم ظهر الختم.

ليس بابًا.

بل شيء حيّ.

يتحرك داخل الأرض مثل كائن نائم.

وصوت والدها تكرر:

"الختم ليس مكانًا… إنه عهد."

فجأة، توقفت كل الصور.

وصمت كل شيء.

وظهر رجل.

والدها.

لكن ليس كما تتذكره.

كان يرتدي عباءة الحراس الرماديين، ووجهه يحمل تعبًا أعمق من الزمن.

نظر إليها مباشرة.

"ليان… أخيرًا وصلتِ."

ارتجفت.

"أبي؟"

اقترب منها خطوة.

"ليس الآن… ليس هنا."

"أين أنا؟"

أجاب:

"في الذاكرة الأولى."

ثم رفع يده، وأشار خلفها.

عندما التفتت، رأت الباب الضوئي نفسه… لكنه الآن من الداخل.

ومقابله… ثلاث نسخ من الختم.

ليس واحدًا.

بل طبقات.

"كل ختم هو جزء من الحقيقة." قال والدها. "وكل مرة يُفتح فيها جزء… يُعاد تشكيل العالم."

اقتربت منه بسرعة.

"أنت حي؟ طوال هذه السنوات… كنت هنا؟"

هز رأسه ببطء.

"أنا لم أختفِ… أنا عُلِّقت."

صمت لحظة.

ثم قال بصوت أخف:

"والآن، أنتِ على وشك أن تعلقي مكاني."

في الخارج…

ريان كان لا يزال يضرب الجدار غير المرئي بيده.

"أعيدوها!"

مالك أمسكه بقوة.

"لو حاولنا الدخول الآن… سنضيع جميعًا."

ريان التفت إليه بعنف.

"ومن قال إنني سأدعها تدخل وحدها؟"

لكن قبل أن يتحرك مرة أخرى…

اهتز الجبل كله.

والحارس رفع رأسه فجأة.

"بدأ الختم ينهار من الداخل…"

سيرا همست:

"هذا مستحيل… إذا انهار، لن يبقى شيء من القارة كما هي."

وفجأة…

بدأ الضوء يتسرب من البوابة.

كأنه ينزف.

داخل الذاكرة…

والد ليان نظر إليها للمرة الأخيرة.

"هناك شيء يجب أن تختاريه الآن."

"ماذا؟"

"إما أن تعودي ومعك الحقيقة…"

صمت.

"أو تبقين هنا، ويحيا العالم كما هو."

ارتجفت.

"وماذا عنك؟"

ابتسم ابتسامة حزينة.

"أنا جزء من الختم… ولست خيارًا."

ثم أشار نحو الباب.

"لكن هناك شيء واحد لم يتغير منذ البداية…"

اقتربت.

"ما هو؟"

نظر في عينيها.

"أنتِ لستِ المفتاح فقط… أنتِ البدء."

وفجأة…

انفجر الضوء مرة أخرى.

في الخارج…

البوابة فتحت نصف فتحة من جديد.

وخرجت ليان.

لكنها لم تعد كما دخلت.

عيناها كانتا أهدأ… أعمق… وكأنها رأت شيئًا أكبر من قدرتها على الشرح.

ريان ركض نحوها فورًا.

"ليان!"

لكنها رفعت يدها فقط.

وتوقفت كل الاهتزازات.

توقف الجبل.

توقف الهواء.

حتى الحارس انحنى قليلًا دون إرادة.

ثم قالت بصوت منخفض:

"الختم… لم يُفتح بعد."

نظرت نحو الباب الضوئي.

"بل بدأ فقط يفهم من أنا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل الرابع عشر: الختم الأخير

    تشققت الأرض البيضاء بالكامل، وكأن الفضاء نفسه لم يعد قادرًا على حمل ما يحدث داخله. لم تكن الشقوق مجرد كسور… بل كانت خطوطًا تفصل بين احتمالات متعددة لشيء واحد اسمه ليان.النسخة الأخرى تراجعت خطوة، وملامحها بدأت تفقد ثباتها."هذا لا يجب أن يحدث…" همست.ريان وقف أمام ليان، سيفه مرفوع، لكن يده كانت ترتجف للمرة الأولى.ليان نظرت إليه، ثم إلى النسخة، ثم إلى الفراغ الذي يتفكك حولهم."إذا كان أحدنا يجب أن يختفي… فلماذا لا يكون النظام نفسه؟"ساد صمت قصير.ثم ارتفع الصوت القديم من كل الجهات، لكن هذه المرة لم يكن حادًا ولا غامضًا… كان متعبًا."لأن النظام ليس عدوك… أنتِ جزء منه."ليان أغمضت عينيها للحظة.ثم فتحتها."لا."اقتربت خطوة واحدة."إذا كنتُ جزءًا منه… فأنا أيضًا أستطيع إنهاءه."في تلك اللحظة، بدأت القلادات في جسدها تتوهج بعنف غير مسبوق. المفتاح لم يعد قطعة منفصلة، بل تحول إلى شكل ضوئي كامل يطفو بين يديها.ريان صرخ:"ليان، لا تفعلي أي شيء بدون تفكير!"لكنها لم تعد تسمعه كما كان.كانت تسمع شيئًا آخر الآن.الصوت داخلها لم يعد متعددًا.بل أصبح واحدًا."القرار لكِ… للمرة الأولى."النسخة اقترب

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل الثالث عشر: انكسار الاسم

    لم يكن الظلام الذي تلا الانطفاء ظلامًا حقيقيًا.كان أقرب إلى فراغ بلا تعريف… لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يسحب الإحساس من الداخل ببطء.ليان لم تعد تقف.ولم تعد تسقط.كانت موجودة فقط.ثم بدأ الصوت يعود تدريجيًا، كأنه يتسلل من شق صغير في الوجود."لا تخافي…"لكنها لم تكن متأكدة إن كان الصوت لها أم من حولها.فتحت عينيها ببطء.كانت في مكان مختلف تمامًا.لا قاعة.لا بوابة.لا جدران.فقط مساحة بيضاء تمتد بلا نهاية، وكأن كل شيء آخر تم محوه عمدًا.وأمامها…النسخة الأخرى منها.ما زالت واقفة.لكن هذه المرة لم تعد تبدو منفصلة تمامًا.كأن الحدود بينهما بدأت تذوب."أنتِ تتشققين…" قالت النسخة بهدوء.ليان شدّت قبضتها."أنا لستِ أنتِ."ابتسمت النسخة."هذه الجملة تتكرر كثيرًا… قبل أن تنتهي دائمًا بنفس النتيجة."تقدمت خطوة."كل مرة كان الختم ينهار، كانوا يصنعونك من جديد. نسخة أقوى، أكثر استقرارًا… لكن دائمًا هناك شيء لا يمكن إصلاحه."ليان شعرت بشيء في صدرها.ليس ألمًا… بل فراغًا صغيرًا يتمدد."كذّابة."لكن الصوت داخلها بدأ يتغير.ليس صوتها وحده.بل صوت آخر يندمج معه ببطء."لماذا تعتقدين أن والدك اختفى؟"تجمد

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل الثاني عشر: النصف الآخر

    ما إن خطت ليان داخل الممر الأحمر حتى تغيّر كل شيء خلفها.لم يعد هناك جبل بالمعنى الذي تعرفه.لم يعد هناك أرض ثابتة.حتى صوت ريان اختفى فجأة، وكأن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بالمكان بل بشيء أعمق… كأنه تم سحبها من طبقة الواقع نفسها.الضوء الأحمر كان يتحرك حولها كأنه يقرأها.ليس يضيء الطريق… بل يفحصها."أنا لست خائفة…" همست لنفسها، لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تصدّق ذلك.ثم سمعته مرة أخرى.الصوت."أهلاً بكِ… يا ما تبقّى مني."توقفت ليان فجأة."أنا لست جزءًا من أحد."ضحكة خفيفة جاءت من داخل الممر."كل من يدخل هنا يقول ذلك أولًا."ثم بدأ الممر ينفتح أمامها إلى قاعة ضخمة لا نهاية واضحة لها.كانت القاعة مبنية من نفس المادة التي رأتها في البوابات السابقة، لكن هذه المرة لم تكن جامدة.كانت تتنفس.الجدران تتحرك ببطء، كأنها ذاكرة تحاول أن تتذكر شكلها الصحيح.وفي منتصف القاعة…كان هناك شخص واقف.لكن هذه المرة لم يكن ظلًا غامضًا أو كيانًا مشوهًا.كان واضحًا.امرأة.تشبه ليان.لكن ليس تشابهًا عاديًا… بل انعكاسًا غير طبيعي، كأن الزمن أخطأ في نسخها.نفس الملامح تقريبًا، نفس العينين، لكن ببرود مختلف، ب

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل الحادي عشر: تفتّح الختم الثاني

    انقطعت الرؤية كما لو أن أحدهم أغلق عين العالم.الضوء الذي كان يحيط بليان لم يختفِ تدريجيًا… بل انطفأ دفعة واحدة، تاركًا فراغًا ثقيلًا يضغط على الصدر قبل الوعي.ثم عادت الإحساسات.باردة. حادة. غير مستقرة.فتحت ليان عينيها بصعوبة.لم تكن في نفس المكان.أول ما رأته كان أرضًا حجرية مبللة بضوء أحمر خافت، يتسلل من الشقوق العميقة الممتدة في الجبل. السماء لم تعد سماءً كاملة، بل طبقة مظلمة مشققة، كأن شيئًا خلفها يحاول الخروج.ريان كان قريبًا منها، ينهض بسرعة، سيفه في يده."ليان… هل أنتِ معي؟"لم تجب فورًا.وضعت يدها على رأسها."أنا… لا أعرف أين أنا تمامًا."سيرا كانت على مسافة قصيرة، تراقب الجبل بوجه متوتر بشكل غير معتاد."نُقلنا… ليس بالكامل، بل تم تفكيك الموقع."مالك وقف بجانبها، عينيه لا تفارقان الشقوق الحمراء."هذا ليس انتقالًا… هذا انزلاق بين الأختام."ريان التفت بسرعة."ماذا؟"لكن الأرض أجابت بدلًا منهم.اهتزت بقوة عنيفة.ومن الشقوق الحمراء بدأ يظهر ضوء أكثر كثافة، كأنه يضغط من الداخل ليكسر ما تبقى من الجبل.ثم جاء الصوت.لكن ليس الصوت الأول.هذه المرة كان مختلفًا.أعمق. أثقل. أقرب إلى ا

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل العاشر: ما قبل الاسم الأول

    اشتد الضوء حول ليان حتى لم يعد أحد يراها بوضوح، كأنها اختفت داخل طبقة بين الواقع والعدم. لم يكن هناك صراخ، ولا حركة واضحة… فقط ذلك التوهج الأزرق الذي بدأ يتصرف ككائن حي يلتف حولها ببطء.ريان حاول التقدم مرة أخرى، لكن الحاجز غير المرئي أعاده بعنف."ليان!" صرخ هذه المرة بصوت مختلف، ليس فيه أمر بل خوف.لم تجبه.لكن داخل الضوء… كانت تسمع.الصوت الثالث لم يعد يأتي من الخارج فقط، بل أصبح داخلها أيضًا."اقتربي… لا تقاومي."ليان رفعت يدها ببطء، رغم أنها لم تكن متأكدة إن كانت هي من تحركها فعلاً. المفتاح والقلادتان اندمجا في إحساس واحد، كأنهم لم يعودوا أشياء منفصلة، بل جزء من نظام واحد يستيقظ بالكامل.سيرا تراجعت خطوة للخلف، وجهها شاحب لأول مرة منذ بدء الرحلة."إذا اكتمل الاندماج… لن نستطيع إيقافه."مالك لم يرد فورًا. كان ينظر إلى الجبل، لكن عينيه لم تعودا ترى المكان فقط، بل ما تحته."لم يكن الهدف إيقافه منذ البداية…" قال أخيرًا.ريان التفت إليه بعنف."ماذا تقصد؟"لكن مالك لم يجب. بدلًا من ذلك، رفع يده نحو البوابة."كان الهدف دائمًا معرفة ما إذا كان سيختارها من جديد."في تلك اللحظة، انفتح الضوء

  • ظلال مدينة ايلمار   الفصل التاسع: عندما يختار الختم

    ساد صمت ثقيل فوق سفح الجبل، ليس صمت غياب الأصوات فقط، بل صمت كأن العالم نفسه توقف عن محاولة التفسير. الهواء لم يعد يتحرك كما يجب، والضوء الأزرق المتسرب من البوابة صار نابضًا بإيقاع بطيء، يشبه تنفس كائن ضخم يستيقظ لأول مرة منذ قرون.ليان كانت واقفة في المنتصف.لكنها لم تعد تبدو كمن خرج للتو من تجربة صادمة.كان فيها شيء مختلف، لا يمكن تحديده بسهولة… كأن جزءًا منها لم يعد ينتمي بالكامل لهذا المكان.ريان اقترب خطوة واحدة فقط، ثم توقف."ليان… هل أنتِ بخير؟"لم تجبه مباشرة. كانت عيناها مثبتتين على البوابة الضوئية، وكأنها تقرأ شيئًا لا يراه أحد غيرها."هو لم يكذب…" قالت بصوت منخفض.سيرا شدّت قبضتها."من؟ والدك؟"هزت ليان رأسها ببطء."لم يقل كل شيء."مالك رفع نظره نحو البوابة."لا أحد يقول كل شيء داخل الختم… الختم نفسه يقرر ما يُسمح لك أن تعرفه."تقدمت ليان خطوة نحو الضوء.ريان تحرك فورًا."توقفي."لكنها لم تتوقف."أنا لا أختار الدخول… أنا أختار الفهم."وفجأة، ارتجف الهواء حولها.المفتاح داخل يدها ارتفع مرة أخرى دون لمس، لكن هذه المرة لم يكن يسحبها فقط… بل كان يتجاوب مع البوابة.بدأ الضوء الأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status