لم تكن مدينة إيلمار تشبه المدن التي تُرسم في الخرائط.كان القادم إليها يشعر، منذ اللحظة الأولى، أن حجارتها تخفي ذاكرة لا يريد أحد أن يتحدث عنها. شوارعها الضيقة المبللة بالمطر تتشابك كالمتاهة، والمصابيح الزرقاء المعلقة بين المباني القديمة كانت تلقي ضوءًا خافتًا يجعل الوجوه تبدو غريبة حتى على أصحابها. أما برج الساعة، الذي ينتصب في قلب المدينة منذ مئات السنين، فلم يدق جرسه منذ أكثر من نصف قرن، ومع ذلك كان سكان إيلمار يقسمون أنهم يسمعون صوته كلما اقترب خطر كبير.في أحد الأزقة القديمة، حيث البيوت الحجرية ذات النوافذ الخشبية، كانت ليان تقف أمام نافذتها، تراقب المطر وهو ينهمر على الأسطح بصمت.كانت تمسك كوبًا من الشاي الساخن، لكن دفء الكوب لم ينجح في تبديد البرودة التي تسللت إلى قلبها منذ سنوات.اثنتا عشرة سنة مرت على اختفاء والدها.اثنتا عشرة سنة وهي تستيقظ كل صباح على أمل أن تسمع طرقًا على الباب، أو تجد رسالة تخبرها أنه ما زال حيًا.لكن الصمت كان دائمًا أسرع.تنهدت وهي تتجه نحو المكتبة القديمة في زاوية الغرفة. مدت يدها إلى صورة يتوسطها رجل يبتسم بثقة، واضعًا يده على كتف طفلة صغيرة لم تتجاوز
Last Updated : 2026-07-03 Read more