LOGINبين الظلال، وُلد قدر لم يكن أحد يتوقعه... ليان هالسين، ممرضة شابة تحمل على كتفيها عبء الليالي الطويلة، تكافح وحيدة لتوفير علاج المرأة الوحيدة التي منحتها الحب دون مقابل.وكانت تظن أن السعادة أخيرًا في متناولها، حتى انهار كل شيء في ليلة واحدة، حين اكتشفت أن الخيانة لا تأتي دائمًا من الغرباء... بل من أقرب القلوب إليها. وفي إحدى ليالي الطوارئ الباردة، حيث الظلال تتكاثف والأسرار لا تُقال، دخل إلى حياتها رجل لا يشبه أحدًا ممن عرفتهم من قبل، كايل ديمور، غامضٌ كالليل الذي أحضره إليها، جراحه ظاهرة، لكن أسراره أعمق من أي جرح. كان لقاؤهما مجرد صدفة عابرة... أو هكذا ظنت. لكن القدر، الذي يحيك خيوطه في الظلام، كان قد بدأ بالفعل يشد الخناق حول مصيريهما، ليجمعهما داخل عالم مثقل بالظلمة، حيث الجدران تحفظ أسرارًا أثقل من أن تُقال، والأبواب المغلقة تخبئ خلفها ما لا يُغتفر، وماضٍ مدفون يرفض أن يبقى ميتًا. فبينما تتشابك خيوط الخيانة، والانتقام، وأسرار لا يُفترض أن تُروى، يجد قلب ليان نفسه أسيرًا لجاذبية رجل يحمل الخطر في نظراته، والحب... في أشد صوره قسوة وجمالًا. لأن هناك حبًا لا يُنقذ الروح... بل يعيد كتابة مصيرها من جديد.
View Moreالفصل الأول
لم تكن مدينة فيلاريس تعرف النوم حقًا. فحتى بعد حلول التاسعة مساءً، ظلت أضواء السيارات تتراقص على الطرقات المبتلة بعد أمطار خفيفة، منعكسة على الإسفلت اللامع وكأن المدينة نفسها ترتدي ثوبًا من الضوء المتكسر،وكانت رائحة المطر الأولى ما زالت عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة العادم ودخان السجائر المتناثر من أبواب المقاهي، وسط هذا كله، كانت سيارات الإسعاف تعبر الشوارع بصافراتها المعتادة، تشق طريقها بين الزحام، وكأنها تذكّر الجميع بأن الألم لا يختار وقتًا ولا مكانًا. داخل مستشفى سانت أوريون، كانت الحركة لا تهدأ، وأضواء الممرات البيضاء الباردة تنعكس على الأرضيات اللامعة، وأصوات الأجهزة الطبية تتداخل مع خطى الممرضين المسرعة، ورائحة المطهرات تملأ كل ركن، ثقيلة، حادة، لا تترك مجالًا للنسيان بأن هذا المكان حيث تتقاطع الحياة والموت في كل لحظة. وقفت ليان هالسين، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، أمام مكتب التمريض وهي ترتب ملفات المرضى بهدوء، حركاتها دقيقة رغم الإرهاق الذي أثقل كتفيها بعد ساعات طويلة من المناوبة،وكانت ترتدي الزي الأبيض الذي أبرز قوامها الرشيق، بينما انسدل شعرها البني الداكن الطويل على كتفيها بعد أن انفلتت بعض خصلاته من ربطة شعرها المتعبة،وأما عيناها الرماديتان المائلتان إلى الأزرق، فكانتا تحملان إرهاقًا واضحًا يصعب إخفاؤه، رغم ابتسامتها الهادئة التي بدت وكأنها جزء ثابت من ملامحها، درعٌ اعتادت ارتداءه أمام الجميع. اقترب أحد المرضى المسنين مبتسمًا، خطواته بطيئة ومتعبة، لكن عينيه كانتا تحملان امتنانًا صادقًا،وقال بصوت خافت يرتجف قليلًا: "شكرًا يا ابنتي... لو لم تكوني هنا لما تحملت هذا الألم." ابتسمت ليان بلطف، وانحنت قليلًا نحوه في إيماءة تقدير، وردت قائلة: "هذا واجبي يا عم." ثم غادر الرجل وهو يدعو لها بالسعادة، وخطواته أخف مما كانت عليه قبل قليل، وكأن كلمات ليان وحدها قد سرّت عنه بعض الألم. لكن تلك اللحظة الهادئة لم تدم طويلًا. حيث صفقت يدان بقوة خلفها، فجأة، مكسّرة الهدوء الذي التف حولها للحظات.صوت قائلأ: "يا لها من قديسة!" التفتت ليان بسرعة، وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة. كانت لورا فينت، زميلتها في العمل، تقف وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بثقة استفزازية، وكان شعرها الأحمر القصير مصففًا بعناية فائقة، لا خصلة فيه في غير مكانها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة توحي بأنها كانت تراقب المشهد منذ البداية، تنتظر لحظة السخرية المناسبة. وقالت بنبرة لاذعة، عيناها تلمعان بشيء أقرب إلى الاستياء المقنّع بالمزاح: "لو أن الابتسام يجلب المال، لكنتِ أغنى امرأة في فيلاريس." خفضت ليان نظرها قليلًا، لا استسلامًا بل تجنبًا لمواجهة لا طائل منها، وقالت بهدوء: "صباح الخير يا لورا." ضحكت لورا باستهزاء، ضحكة قصيرة جافة لا دفء فيها، ثم قالت: "حتى بعد المناوبة الليلية ما زلتِ مؤدبة... هذا يثير شفقتي." وبعدها، مرّ الطبيب أدريان مور، رئيس قسم الطوارئ، بخطواته الواثقة التي عرفها الجميع في المستشفى، فتوقفت لورا عن الكلام فورًا، وتغيرت ملامح وجهها في لمح البصر من السخرية إلى التصنع. وقال الطبيب بصوته الحازم الذي لا يحتمل التردد: "ليان، هل انتهيتِ من تجهيز ملفات المرضى؟" ردت ليان بسرعة، وقد استقام ظهرها قليلًا: "نعم، دكتور." ثم أخذ الملفات منها، وألقى عليها نظرة سريعة، وأومأ برأسه قائلًا: "عمل ممتاز." اختفت ابتسامتها الخجولة للحظة وهي تتلقى الإطراء، بينما تغير وجه لورا للحظة، ظلٌّ عابر من الانزعاج لم يستطع أن يخفيه تمامًا. وما إن ابتعد الطبيب حتى همست لورا، صوتها منخفضًا لكنه يحمل حدة واضحة: "لا أعرف ماذا يرى فيك." لكن ليان لم تجب، واكتفت بالعودة إلى ملفاتها، وكأن كلمات لورا لم تكن سوى ضجيج عابر لا يستحق التوقف عنده. ... انتهت مناوبتها بعد ساعة من ذلك، ساعة طويلة أنهكت ما تبقى من طاقتها. وخرجت من المستشفى وهي تتنفس الهواء البارد بعمق، محاولة أن تطرد عنها رائحة المطهرات التي التصقت بملابسها وشعرها طوال ساعات العمل،حيث كانت السماء لا تزال ملبدة قليلًا، وبقايا المطر تلمع تحت أضواء الشارع. ثم فتحت هاتفها، وظهرت رسالة. إيثان: "لا تنسي موعد العشاء الليلة." ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها،ابتسامة صادقة هذه المرة، لا علاقة لها بالتعب ولا بالمجاملة، بل نابعة من مكان دافئ بداخلها،وتتذكر انه مر عامان منذ تقدم إيثان فالير، المهندس البالغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، لخطبتها. كانت تؤمن أن كل التعب الذي تعيشه، كل ساعات المناوبة الطويلة وكل كلمة لاذعة من لورا، سيختفي عندما يتزوجان، وكأن ذلك اليوم المرتقب كان الضوء الذي تسير نحوه في نهاية نفق طويل،لكن هناك شيء كان أهم من الزواج، مربيتها. ... دخلت منزلها الصغير في أحد الأحياء الهادئة، حيث الشوارع ضيقة والأضواء خافتة، وحيث السكون يخيم على كل شيء في هذه الساعة المتأخرة من الليل. كانت رائحة الدواء تملأ المكان، رائحة أصبحت جزءًا من تفاصيل بيتها اليومية، لا تكاد تفارق أنفها حتى في أحلامها.ثم سمعت سعالًا خافتًا يتردد من الغرفة الداخلية، سعالًا متقطعًا أثار في صدرها قلقًا فوريًا. وأسرعت إلى الغرفة، قلبها ينبض بسرعة أكبر مع كل خطوة، حيث كانت جلسة إيلينا أوريس، ذات السبعة والأربعين عامًا، على السرير، ظهرها مستند إلى الوسائد المكدسة خلفها، وبدا وجهها شاحبًا تحت ضوء المصباح الخافت، بينما أخفت ابتسامتها ألمًا لم تستطع إخفاءه طويلًا، ألمًا كان يتسلل من بين تجاعيد وجهها رغم كل محاولاتها. قالت ليان وهي تجلس بجانبها على حافة السرير، ممسكة بيدها فورًا: "كيف تشعرين اليوم؟" ابتسمت إيلينا ابتسامة تعب حانية،وقالت: "أفضل... عندما أراك." أمسكت ليان يدها بقوة أكبر، وكأنها تحاول أن تنقل إليها بعضًا من دفئها، وقالت بصوت يحمل عتابًا لطيفًا: "لا تكذبي علي." تنهدت إيلينا تنهيدة طويلة، وقالت: "الطبيب قال إن العلاج سيستمر... لا تقلقي." لكن ليان كانت تعرف الحقيقة، الحقيقة التي لم تجرؤ إيلينا على قولها صراحة. تكاليف العلاج أصبحت أكبر من راتبها بأضعاف،كل مرة رقمٌ كان يزداد ثقلًا في ذهنها كل مرة تفتح فيها فاتورة جديدة. وضعت ليان رأسها على كتف مربيتها، لتشعر بدفء جسدها الهش، وقالت بصوت يخنقه شيء من العزم المكتوم: "سأوفر المال... أعدك." بعدهاربتت إيلينا على شعرها بيد مرتجفة قليلًا، وقالت: "لا أريد أن أراك تتعبين بسببي." همست ليان، صوتها هادئ لكنه صادق تمامًا: "أنتِ كل ما أملك." ... في الجهة الأخرى من المدينة، حيث الأبراج الزجاجية تناطح السماء وأضواؤها تتلألأ كأنها نجوم اصطناعية... توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام مبنى زجاجي شاهق، انعكست عليه أضواء المدينة من كل جانب حتى بدا وكأنه قطعة من الليل نفسه. نزل منها رجل طويل القامة، خطواته هادئة لكنها تحمل ثقلًا يفرض احترامًا صامتًا على من حوله. كان كايل ديمور، البالغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا. وكان يرتدي بدلة سوداء أنيقة تحيط بجسده بدقة، وشعره الأسود القصير مرتب بعناية فائقة، وبرزت ندبة صغيرة فوق حاجبه الأيسر، أثر قديم لم يفصح يومًا عن قصته، بينما كانت عيناه السوداوان تحملان نظرة باردة، حادة، أربكت كل من مرّ بجانبه دون أن ينبس بكلمة. انحنى أحد الحراس عند مدخل المبنى، وقال بصوت مليء بالاحترام: "مساء الخير، سيدي." أجاب كايل دون أن ينظر إليه، عيناه ثابتتان على المدخل أمامه: "هل وصل التقرير؟" رد الحارس بسرعة: "نعم." ودخل المبنى بخطوات ثابتة، لا تتردد ولا تتباطأ، وكأن كل زاوية فيه ملك له. وداخل المصعد، بينما كانت الأرقام تتصاعد بصمت فوق الباب المعدني، أعطاه مساعده ملفًا بيد مرتجفة قليلًا. وقال المساعد بتوتر واضح في نبرته: "هناك من يحاول شراء أسهم الشركة بأسماء وهمية." وساد الصمت للحظات، صمت ثقيل ملأ المصعد الضيق. ثم قال كايل بهدوء، هدوء أخطر من أي انفعال: "راقب الجميع... حتى المقربين." وخرج من المصعد دون أن يلتفت إلى الخلف. كانت تلك الكلمات كافية ليعرف مساعده أن العاصفة قد بدأت، وأن الأيام القادمة لن تكون هادئة على الإطلاق. ... وفي مكان آخر من المدينة، حيث أضواء المقاهي الفاخرة تتراقص خلف نوافذ زجاجية مبللة بالمطر... جلست ميلا سورين في مقهى فاخر، تتأمل الشارع من خلف الزجاج بينما تدور بين أصابعها فنجان قهوتها الذي بدأ يبرد. ونظرت إلى ساعة يدها بضيق واضح. بعد دقائق، جلس أمامها رجل أنيق، معطفه لا يزال يحمل رائحة الهواء البارد بالخارج،كان إيثان،بعدهاابتسمت ميلا ابتسامة خفيفة، ابتسامة محسوبة بعناية،وقالت: "تأخرت." أجاب وهو ينظر حوله بحذر، وكأنه يتأكد من أن لا أحد يعرفه في هذا المكان: "كنت في العمل." اقتربت منه قليلًا، وقالت بنبرة فيها الكثير من التحدي المستتر: "وهل ستبقى تخفي علاقتنا طويلًا؟" ثم ساد الصمت بينهما، صمت مشحون بما لم يُقل. بعدهاخفض إيثان رأسه، وكأن السؤال أثقل عليه أكثر مما توقع. ثم قال بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع: "ليس الآن." ابتسمت ميلا بثقة، ثقة من تعرف أنها تملك الوقت في صفها: "ستفعل... عاجلًا أم آجلًا." وخارج المقهى، مرت سيارة مسرعة وسط المطر، أضواؤها تنعكس للحظة على الزجاج قبل أن تختفي في الظلام. ولم يكن أحد يعلم أن ليلة واحدة فقط تفصل الجميع عن بداية سلسلة أحداث ستغير حياتهم إلى الأبد.الفصل السادس والثمانون لتحدق ليان في الفراغ بدون أن تحدّث نفسها بشيء، بعد فترة تنهض هي الأخرى من مكانها وتتجه للجهة الأخرى، وهي تتمتم بالشيء الذي هي واثقة فيه: — لم يكن موتاً طبيعياً... وأياً كان السبب في ذلك، فسوف يدفع الثمن على ذلك. ثم أشارَت لخادم ليلبي النداء فينحني قائلاً: — ماذا تريدين يا سيدتي؟ تقول ببرود وعينين شاحبتين: — أحضر البندقية. وبعد مدة أمسكت البندقية وقالت محدثةً نفسها: — لا أعرف نوايا تلك الـ"أورفاكس"... ثم صوبت على الهدف وبعدها أطلقت، وأكملت: — الذي أعرفه... هم أعداء فقط... أعداء. لتضغط على شفتيها وتطلق الرصاصة الثانية وتقول: — سوف يدفعون الثمن... وحتى كل شخص تورط معهم! وهمست: — كرهتُ نفسي... ثم تمتمت تسأل روحها: — هل يجب أن أكون الشخص الذي يحتاج أن يفقد كل شيء... أو أن ينتظر من ينقذه؟ وأطلقت طلقة أخرى وقالت بحدّة وثبات محدثة نفسها: — لن أنتظر أن يشعر بي أيٌّ كان... وكايل، حتى هو لن أنتظره أن يواسينِي أو يحميني! وبعدها أطلقت طلقة أخرى وهي ترمق الهدف بجمود، وقالت محدثةنفسها: — إيلينا... مهما مرّ الوقت، شتاءً، خريفاً، صيفاً، أو
الفصل الخامس والثمانونوانطلقت الدراجة بعيداً، قاطعةً صمت الصباح بصوت محركها الهادر.وأما أليستر، فقد بقي في مكانه يحدق في شروق الشمس بصمت مطبق.ليقطع ذلك الموقف هتافُ هاتفه برنين متواصل. بعدها رفعه وأجاب بجفاف، ليرده صوت ماكيل المباشر من الطرف الآخر:— أنا لا أتصل لإثارة المشاكل، وأعلم جيداً أنك في "فيلاريس". لذا، بدلاً من التسكع هناك، اذهب لمقابلة ديمور وأنهِ الإجراءات النهائية للاتفاق.ليتنهد أليستر بضيق وقاطع بكبرياء حاد:— أفهمك... ولا تكرر أقوالك. أنا ذاهبٌ إليه بالفعل.وأغلق الخط دون انتظار رد، ثم زفر أنفاساً حارة في الهواء البارد. ليتقدم حارسٌ بخطوات رزينة اتجاهه وقال بوقار:— هل نتحرك يا سيدي؟ السيارة جاهزة بالفعل.ثم أشار أليستر بيده موضحاً أنه فهم الأمر، وصعد إلى المقعد الخلفي بصمت هادئ. وأُغلق الباب، وانطلقت المركبة لتقطع السكون المتجمد متجهة نحو وجهتها الجديدة.في جهة أخرى، شقت الشمس أشعتها الدافئة لتتسلل إلى جناح ليان، واستقرت نظراتها على الضوء الساطع بعد أن استيقظت من نومها الثقيل بهدوء، وأعينها ما زالت شاحبة ينخرها التعب والأسى. ورفعت يدها لتمسح وجهها، وتمتمت محدثةً نفس
الفصل الرابع والثمانوننظرت إليه بصمت ثقيل، ليردف هو قائلًا ببرود قاسٍ وحزم بارد:— إذا أردتِ أن يحدث لكِ مثل اليوم طبعاً...وابتلعت غصتها وردت بصوت مكتوم ونبرة متقطعة ينخرها الحزن:— أجل... لن أحضر.ثم سحبت يدها ببطء من قبضته، وأكملت بتماسك هش وهي تلتفت نحو باب القصر:— يمكنني المشي وحدي.وأمسكت بيده لتعدّل وقفتها المتعثرة، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى عينيه مباشرة وقالت بنبرة مكتومة:— شكراً...واستدارت ودخلت إلى القصر في صمت مطبق. بينما بقي واقفاً في مكانه، يتابع بجمود موضع اختفائها خلف الأبواب الثقيلة.ورفع نظره بعدها نحو السماء؛ وفي تلك اللحظة بالذات، انقشرت السحب الحلكاء عن القمر، ليكشف عن ضوئه الفضي الباهت الذي أضاء ملامحه الجامدة.ليدخل هو الآخر إلى القصر، مكملاً طريقه بنظرات حازمة نحو مكتبه.بعد فترة من الوقت، دُقّ الباب بسكتة هادئة، ليدخل ريان بعد أن أذن له كايل بالدخول. حيث كان يحمل في يده بعض الملفات وقرصاً مدمجاً، تقدم وسلّمه لكايل القابع وراء مكتبه الضخم، وقال:— هذه التسجيلات يا سيدي.ليفتح كايل حاسوبه المحمول ويقول بنبرة فاترة:— ألقِ بها هنا.ثم تناول القرص وشغّل مقاطع الف
الفصل الثالث والثمانونفي الجهة الأخرى، بعيداً عن أروقة المستشفى وفي هدوء المكتب،وبعد أن أنهى كايل المكالمة، ظل يحدق في شاشة الهاتف الداكنة لبرهة، قبل أن يزيح عينيه نحو الملف المفتوح أمامه على المكتب. ليتوقف قلمه عن الكتابة تماماً، وزفر أنفاساً ثقيلة يحاول بها استيعاب التغير المفاجئ في مجريات الواقع الذي سمعه منذ دقائق. ثم رفع رأسه ليثبت نظرته الصارمة على ريان الجالس أمامه. ليدرك ريان الانقباض المفاجئ في ملامح كايل واضطراب صمته الحذر، ليتساءل بنبرة متوجسة:— هل طرأ أمر جديد يا سيدي؟بعدها تمتم كايل بصوت خفيض دون أن يحرف نظره عنه:— ليان...وأزاح عينيه نحو أفق المكتب، محدثاً نفسه في سرّه بتردد خافت:"هل هذا مجرد تدبير من القدر... أم أن هناك خيوطاً خفية لعبت بالمسألة لتصل إلى هذه النتيجة؟"والتفت مجدداً نحو ريان، ورد على تساؤله بصوت متهدج:— إيلينا أوريس... قضت نحبها قبل قليل.ليسود الصمت المطبق أرجاء المكان؛ ويتيبس ريان في مكانه إثر تلقيه الخبر، ولم يتجرأ على طرح أي سؤال آخر إدراكاً منه لخطورة الموقف وتعقيده.ليشبّك كايل أصابع يديه فوق المكتب بثبات، وأردف بصوت حاسم لا يقبل النقاش:— ج






Ratings
reviewsMore