Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء السادس عشر: صدى من الماضي

Share

الجزء السادس عشر: صدى من الماضي

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-12 00:52:28

الجزء السادس عشر: صدى من الماضي

كانت شمسُ سرقسطة في أواخر الربيع تشيع دفئاً يمسحُ بقايا جفاف الشتاء الطويل. لكن هذا الهدوء الظاهري الذي عاشه "أمين" في ورشته الصغيرة لم يكن سوى السكون الذي يسبق العاصفة.

​كان أمين يجلس عند طاولته الخشبية، يفكك التروس الدقيقة لساعة جيب سويسرية قديمة، حينما توقفت سيارة سوداء ذات نوافذ معتمة أمام باب الورشة. نزل منها رجلٌ أربعيني ذو بنيان ضخم، يرتدي معطفاً جل دافقاً، يحمل في ملامحه قسوة أزقة مارسيليا وشمال أفريقيا.

​دخل الرجل إلى الورشة دون أن يلقي تحية الصباح. جال بحدقتيه في أرجاء المكان، متأففاً من رائحة الزيوت والمطهرات الطبية العالقة بملابس أمين.

​"أنت أمين... صاحب ورشة الزمن؟" قال الرجل بفرنسية مغاربية حادة، ونبرة تخلو من أي ود.

​رفع أمين رأس مكبره، ونظر بثبات يحاول أن يدس خلفه رعدته الداخلية: "نعم، أنا أمين. كيف أستطيع مساعدتك؟"

​اقترب الرجل خطوتين، ووضع يده الثقيلة فوق الطاولة الزجاجية، مرسلاً نظرة حادة نحو صورة "عمر" المرفوعة بجانب صندوق الساعات: "الريّس المكي وسانتياغو قد يكونان خلف القضبان بفضلك وبفضل ذاك المفتاح اللعين في مدريد... لكن الشبكة لا تموت بموت رؤوسها يا فتى."

​انقبض قلب أمين، وتصلبت الملاقط الطبية بين أصابعه. "أنا سلمتُ الوثائق للشرطة، والقضية أُغلقت منذ أشهر."

​ابتسم الرجل ابتسامة صفراء باردة، أظهرت شقاً غائراً في خده الأيسر: "القضية أُغلقت في المحاكم الإسبانية فقط... لكن في سوق المهربين الكبرى بين مدريد وباريس، هناك حسابات لم تُصفَّ بعد. الدفتر الذي سلمتموه كان يحتوي على شريحة تشفير ثانية تخص الحسابات النمساوية للمنظمة... ويونس، صديقك الوفي، لا يزال يحتفظ بالنصف الثاني من التشفير في الفنيدق!"

​تجمد أمين في مكانه. تذكر الرسالة التي وصلته من يونس قبل أسابيع؛ هل كان يونس يخفي عنه شيئاً كعادتهم دائماً لحمايته؟

​"أنا لا أعلم شيئاً عن أي شريحة ثانية،" قال أمين بصوتٍ محاولاً إبقاءه متزناً. "ويونس خرج من السجن ليبدأ حياة جديدة بعيدة عن البحر."

​انحنى الرجل نحو أذن أمين، وهمس بنبرة تقطر تهديداً: "أمامك أسبوع واحد يا أمين. إما أن تتصل بصديقك في الفنيدق ويحضر القسيمة السريّة إلى هنا، أو أن الشمعة التي أضاءت حياتك أنت وشمس والصغير في سرقسطة... ستنطفئ بأسلوب لا تتوقعه أدبيات منظمة الكاريناس."

​استدار الرجل وسار بخطوات ثقيلة نحو الباب، ثم التفت قبل أن يخرج: "اسمي 'البارون'... تذكر هذا الاسم جيداً."

​انطلقت السيارة السوداء مخلفة غباراً خفيفاً، بينما كان أمين يقف مسنداً يديه المرتجفتين إلى الطاولة. كانت الأسيجة التي ظن أنه قفز فوقها للأبد تتجسد مجدداً... ولكن هذه المرة في قلب أوربا الهادئة.

​أخرج أمين هاتفه بحركة سرعية، وضغط على رقم يونس المباشر في الفنيدق.

​رن... رن... رن...

​أتاه الصوت القادم من الطرف الآخر للمحيط عبر ضوضاء مرسى الصيد بالفنيدق: "أهلاً أخي أمين... كيف حال سرقسطة؟"

​"يونس!" صرخ أمين بلهفة وحرقة. "أخبرني بالحقيقة فوراً... ماذا تركتَ خلفك قبل أن تخرج من السجن؟ من هو البارون؟ وما هي الشريحة الثانية؟"

​صمت يونس في الطرف الآخر. انقطعت الضوضاء البحرية، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسه الثقيلة المليئة بالحسرة والتعب.

​"يا أمين..." همس يونس بصوتٍ شاحب. "كنتُ أظن أنني دفنتُ ذلك الكابوس في قاع الميناء... يبدو أن أشباح المكي لن تتركنا نعيش في سلام أبداً."

إلى جميع القراء الأعزاء والقلوب الشغوفة التي رافقتنا في هذه الرحلة الممتعة،

​كلمات الشكر والامتنان تقف عاجزة أمام روعة متابعتكم ودعمكم المستمر الذي يمنحنا الشغف لنستمر في العطاء والكتابة. إن كل قراءة، وكل تعليق، وكل دقيقة تمنحونها لسطورنا تشكل لدينا دافعاً كبيراً لتقديم الأفضل دوماً وصناعة محتوى يليق بآرائكم الرفيعة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطع

    ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطعساد الصمت الغرفة الصغيرة في الطابق الرابع من مجمع "سان دوني". لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس مريم المتسارعة وهي تترقب رد المهرب عبر الهاتف، وحشرجة المطر الخفيف وهو يضرب الإفريز الخارجي للنافذة.​على الطرف الآخر من الخط، ساد وجومٌ مفاجئ. لم يكن "المالكي" يتوقع أن يسمع هذا الاسم تحديداً؛ اسم "أمين الفنيدقي" الذي صار في أوساط شبكات التهريب بين المغرب وإسبانيا رمزاً للكابوس الذي هدم إمبراطورية "البارون" الممتدة وسرّب وثائقها الحساسة لقوات الأمن الوطني في مدريد.​تلا هذا الصمت زفيرٌ حاد ونبرة تهكمية ممتلئة بالغل والتهديد: "أمين؟ الشاب الأعرج الذي نجا من السلك المشوك في سبتة؟ هل تظن أن أوراق إقامتك الإسبانية الجديدة تمنحك أجنحة تطير بها في ضواحي باريس؟ أنت هنا في أرضي يا فتى... في 'سان دوني'، القانون لا يحميك، والشرطة الفرنسية لا تجرؤ على دخول أنفاقنا بعد الغروب!"​لم ترف عين أمين، ولم تهتز بنية صوته الصلبة التي اكتسبت نبرة العزم من صخور المضيق: "المالكي... وفر كبرياءك الفارغ لنفسك. البارون قال الكلام نفسه قبلك في سرقسطة، وهو الآن يمسح أرضية زن

  • على سياج سبتة   الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولى

    الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولىكانت النوافذُ المزدوجة لقطار "TGV" السريع تعكسُ وجهاً جاداً لأمين، تداخلت فيه ملامح الشاب الأعرج الهارب من قهر الفنيدق مع صلابة رجلٍ استعاد كرامته وأوراقه في أزقة سرقسطة.​كان القطار ينهبُ الأرض نهباً عبر السهول الفرنسية الخضراء الممتدة، ينطلق بسرعة تجاوزت ثلاثمائة كيلومتر في الساعة متجهاً نحو محطة "غار دي نور" (Gare du Nord) في قلب العاصمة باريس. كان أمين يتحسس جيب معطفه الداخلي كل بضع دقائق؛ حيث ترابض بطاقة إقامته الإسبانية القانونية، وبجوارها المفتاح القديم لصندوق مدريد الذي تحتفظ الشرطة بناسخة منه، والورقة التي كُتب عليها العنوان الدقيق لـ "مريم دياكيتي" في حي "سان دوني" (Saint-Denis).​لم تكن باريس في مخيلة أمين مدينة الأنوار أو بطاقات البريد السياحية؛ بل كانت في ذهن أي مهاجر خبر الدروب الخفية عبارة عن غابة خرسانية تضم أضخم المجمعات السكنية المكتظة، والضواحي الهامشية التي تتدفق فيها أعتى عصابات التهريب وتبييض الأموال العابرة للقارات.​وصل القطار عند الساعة الرابعة عصراً. ساد المحطة صخبٌ مروع؛ آلاف المسافرين يركضون نحو خطوط الم

  • على سياج سبتة   الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيط

    الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيطكانت ليالي سرقسطة في خريف عام 2026 قد بدأت تستعيد برودتها الجافة، متوشحة بغطاء خفيف من الضباب الذي ينتشر فوق جسور نهر "إبرو". لكن الدفء الذي كان ينبعث من ورشة "أمين" الصغيرة لم يكن مجرد حرارة موقد كهربائي؛ بل كان شعوراً بالنصر والاستقرار الثمين الذي خُلق من رحم أهوال المضيق ودموع الرحيل.​كان أمين يجلس عند طاولته الخشبية، يفكك مسننات ساعة ميكانيكية ذات طراز كلاسيكي. كانت حركاته دقيقة، وأصابعه تثبت التروس ببراعة اكتسبها من الصبر الطويل على نوائب الدهر. إلى جواره، كانت "شمس" تستعد لمغادرة الورشة متجهة نحو مقر مكتب الإغاثة، حيث تنتظرها مجموعة جديدة من اللاجئين والمهاجرين الجدد الذين يحتاجون إلى الترجمة والتوجيه القانوني.​"أمين..." قالت شمس وهي تلف وشاحها الصوفي حول عنقها، وتنظر إليه بحنان، "لا تتأخر الليلة. عمر يتطلع لقصة المساء، وقد وعدته أن تحكي له عن بوابات طنجة القديمة."​ابتسم أمين ورفع عينيه عن العدسة المكبرة: "لن أتأخر يا شمس. سأغلق الورشة بعد أن أنهي تركيب هذه الساعة... اصحبي معك المفاتيح الإضافية."​خرجت شمس، وخلّفت وراءها صمت الورشة الهادئ الذي

  • على سياج سبتة   الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسى

    الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسىمرّت ستةُ أشهرٍ على تلك الليلة المطيرة التي تحطمت فيها ظلالُ "البارون" تحت أضواء الشرطة الوطنية في أزقة "دليسياس" الصناعية. ستة أشهرٍ كانت كفيلةً بأن تُعيد ترتيب إيقاع الحياة، وتغسل مرارة الملح والأسلاك الشائكة التي ظلت عالقةً بأرواحٍ عاشت سنواتها الخوالي في رعبٍ مكتوم.​في صبيحة يوم صيفي دافئ من أغسطس 2026، كانت شوارع مدينة "سرقسطة" تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية. انقشع ضباب نهر "إبرو" القديم ليحل محله هواءٌ جافٌ يُنعش الأنفاس، ومياهه تتدفق بهدوءٍ تحت الجسر الحجري، حاملةً حكاية العابرين نحو ضفاف الأمان.​داخل ورشة صيانة الساعات في حي "أكتور"، لم يعد المظهر هو ذلك المكان المكتظ بالمجهول والخوف. أصبحت الورشة متسعاً أنيقاً يرتاده أهالي الحي من الإسبان والمهاجرين؛ جدرانها المكسوة بالخشب الفاتح تتزين بساعات جدارية قديمة تعمل بإيقاعٍ منتظم، وعلى الطاولة الرئيسية كانت ترابيزات العمل الدقيقة مصفوفةً بعناية.​كان "أمين" يقف خلف طاولته، يرتدي قميصاً أزرق ناصعاً، ويعلو وجهه ارتياحٌ لم يَعرفه منذ أيام الفنيدق. كانت قدمه قد تعافت تماماً بعد مرحلة الت

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"

    الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"كان الليلُ يخيمُ وثيقاً على مدينة سرقسطة، وتتساقطُ قطرات المطر الشتوي الخفيف متألقةً تحت أضواء مصابيح الشوارع الصفراء في حي "دليسياس" الشعبي.​في الشقة الصغيرة المتاخمة لنهر "إبرو"، لم يكن هناك مكانٌ للنوم. كانت الطاولة الخشبية مستغلة بالكامل؛ خرائط تفصيلية لمدينة سبتة المحتلة، صور قديمة لأزقة حي "إل برنسيبي" المظلمة، وأوراق رسمية صادرة عن الشرطة الوطنية الإسبانية ومكتب اللجوء والهجرة.​كان "أمين" يجلس قبالة المحامي الإسباني "ألبرتو غوميز"—المتطوع الدائم لدى منظمة الإنسان والحريات—وبصحبتهما المشرفة الاجتماعية "فاطمة" والضابط "كارلوس مورا" من وحدة مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر بمدريد، والذي حضر خصيصاً إلى سرقسطة بعد البلاغ العاجل الذي قدمته "شمس".​"استمع إليّ جيداً يا أمين،" قال الضابط كارلوس بفرنسية متقنة وهو ينشر تقريراً أمنياً على الطاولة. "اتصلنا بالسلطات الأمنية في المحافظة السامية بمدينة سبتة، وقاموا بمراجعة أرشيف المقتنيات الشخصية للضحايا والمحتجزين في ليلة الأحداث التراجيدية التي قُتل فيها الشاب السنغالي 'عثمان دياكيتي'."​حب

  • على سياج سبتة   الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

    الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدقكان صمتُ "يونس" عبر الهاتف أثقل من مياه المضيق في ليلة يغيب فيها القمر. كان أمين يسمع حشرجة تنفس صديقه الممزوجة بصوت هدير أمواج مرسى الفنيدق، وكأن تلك اللقطات القديمة من الغرق والمطاردة تعاد صياغتها على مسرح أوربي جديد.​"تكلم يا يونس!" قال أمين وهو يضغط الهاتف على أذنه بيدٍ ترتجف غضباً وخوفاً. "أقسَمْتَ لي أن كل شيء انتهى، وأن الدفتر الذي سلّمتُه للشرطة في مدريد هو السجل الأخير! من هذا الرجل الذي يطلق على نفسه 'البارون'؟ وما هي هذه الشريحة الثانية التي يهددني بها وبحياة شمس وعمر؟"​تنفس يونس ببطء، وتصاعد من سماعة الهاتف صوت قدحة ولاعة خشبية، تلاها زفير سيجارة طويلة.​"البارون ليس مجرد مهرب عادي يا أمين..." قال يونس بصوت خفيض يقطر بالمرارة. "البارون هو الشريك الخفي لـ 'الريّس المكي' في فرنسا. هو العقل المالي الذي كان يدير أموال شبكة العبور بين طنجة، ومدريد، وباريس. الدفتر الذي سلّمته أنت كان يحتوي على الأسماء والمسارات العملية، لكن المحفظة الرقمية المعقدة التي تحوي ملايين اليوروات المهربة كانت مؤمنة بتشفير ثنائي... نصفه كان في شريحة مدريد،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status