الجزء الأول: ليلة الضباب الأبيضتنفس البحرُ في تلك الليلة بصوتٍ يشبه حشرجة احتضارٍ طويل. كان الضباب الأبيض اللزج يزحف ككائنٍ حيّ فوق مياه خليج "الفنيدق"، يبتلع معالم الشاطئ حجراً بحجر، حتى أضحت أضواء مدينة "سبتة" المحتلة في الأفق مجرد هالاتٍ زرقاء وبرتقالية باهتة، تتراقص خلف السواد كأشباحٍ تنادي على الغرقى.في الأسفل، تحت إفريز صخري مطلّ على البحر، كان "أمِين" يجلس مقرفصاً، يضغظ ركبتيه إلى صدره لمحاولة العثور على بؤرة دفء مستحيلة. كانت حرارة جسده تتسرب عبر ملابسه المبتلة برذاذ الملح، بينما كان صدره يعلو ويخفق في إيقاعٍ متسارع لا علاقة له بالبرد، بل بالخوف العاري.كان ابن الثانية والعشرين، بوجهٍ نحيل سمح أكلت منه الشمس في أسواق الفنيدق، وعينين سوداوين لمعت فيهما بريق الرغبة في النجاة، أو الفناء في سبيلها. لم يكن يملك في جيبه سوى بطاقة تعريفه الوطنية المبتلة، وصورة قديمة لكتفي أمه وهي تخبز الرغيف في قريتهما الجبلية بأقاصي الريف، ومبلغ زهيد جداً من الدرهم لا يكفي لشراء وجبة دافئة."هل أنت متأكد من الموعد يا يونس؟"همس أمين بصوتٍ خفيض، تخطّفته الريح القادمة من عرض البحر.على بعد سنتي
Last Updated : 2026-08-02 Read more