Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

Share

الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-12 00:54:11

الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

كان صمتُ "يونس" عبر الهاتف أثقل من مياه المضيق في ليلة يغيب فيها القمر. كان أمين يسمع حشرجة تنفس صديقه الممزوجة بصوت هدير أمواج مرسى الفنيدق، وكأن تلك اللقطات القديمة من الغرق والمطاردة تعاد صياغتها على مسرح أوربي جديد.

​"تكلم يا يونس!" قال أمين وهو يضغط الهاتف على أذنه بيدٍ ترتجف غضباً وخوفاً. "أقسَمْتَ لي أن كل شيء انتهى، وأن الدفتر الذي سلّمتُه للشرطة في مدريد هو السجل الأخير! من هذا الرجل الذي يطلق على نفسه 'البارون'؟ وما هي هذه الشريحة الثانية التي يهددني بها وبحياة شمس وعمر؟"

​تنفس يونس ببطء، وتصاعد من سماعة الهاتف صوت قدحة ولاعة خشبية، تلاها زفير سيجارة طويلة.

​"البارون ليس مجرد مهرب عادي يا أمين..." قال يونس بصوت خفيض يقطر بالمرارة. "البارون هو الشريك الخفي لـ 'الريّس المكي' في فرنسا. هو العقل المالي الذي كان يدير أموال شبكة العبور بين طنجة، ومدريد، وباريس. الدفتر الذي سلّمته أنت كان يحتوي على الأسماء والمسارات العملية، لكن المحفظة الرقمية المعقدة التي تحوي ملايين اليوروات المهربة كانت مؤمنة بتشفير ثنائي... نصفه كان في شريحة مدريد، والنصف الآخر..."

​توقف يونس، وانبعث من خلفه صوت صيادي الأسماك وهم يفرغون شباكهم على رصيف الميناء.

​"والنصف الآخر معك أنت؟" سأل أمين بنبرة تخنقها الخيبة.

​"لا يا أمين!" صرخ يونس بنبرة حادة ووجع مكتوم. "النصف الآخر ليس معي! النصف الآخر كان مخفياً داخل بطاقة الذاكرة المثبتة في هاتف 'عثمان دياكيتي'... الشاب السنغالي الذي ضحى بنفسه وقُتل على يد أتباع المكي في حي 'إل برنسيبي' بسبتة ليحميك أنت وشمس!"

​تصلبت ركشات أمين، وتراجع خطوة إلى الخلف ليستند إلى طاولته الخشبية. اتسعت حدقتاه وهو يسترجع تلك الليلة المطيرة في أزقة سبتة؛ ليلة أنجدهم عثمان وسقط تحت ضربات الهراوات، ممكناً إياهم من الفرار نحو الشاطئ.

​"عثمان..." همس أمين، والدموع تتجمع في طرف عينيه. "الهاتف كان في جيب معطفه عندما سقط..."

​"بالضبط،" أكمل يونس. "البارون يعتقد أننا أخذنا هاتف عثمان قبل فرارنا، أو أننا نعلم أين توجد شريحته. هو لا يصدق أن الهاتف ضاع في أزقة سبتة تحت أقدام الشرطة والمهربين. والآن، بعد أن عجز عن الوصول إليّ هنا في المغرب بسبب مراقبة الشرطة الحثيثة لميناء الفنيدق، اتجه إليك أنت في سرقسطة... لأنك الحلقة الأضعف في نظره."

​انفتح باب الورشة بصرير خفيف. دخلت "شمس" وهي تحمل سلة صغيرة فيها بعض الخضار وعلبة حليب للصغير عمر. توقفت في مكانها عندما رأت وجه أمين الأبيض كالقماش الشاحب والهاتف الملتصق بأذنه.

​أسقط أمين الهاتف على الطاولة ببطء، ونظر نحو شمس بعينين تائهتين.

​اقتربت شمس منه فوراً، ووضعت السلة جانباً: "أمين... ما الذي حدث؟ من كان على الهاتف؟ وما هذا الرجل الذي رأيته يخرج من الورشة قبل قليل باستعلاء؟"

​لم يستطع أمين أن يخفي عليها شيئاً. جلس على الكرسي الخشبي، وسرد لها كل كلمة قالها يونس، والتفاصيل المظلمة حول "البارون" وشريحة عثمان المفقودة، والتهديد الصريح الذي أطلقه برسم النهاية لحياتهم الهادئة في سرقسطة.

​كانت شمس تستمع، ولم يتغير لون وجهها بالطريقة التي توقعها أمين؛ لم تصرخ، ولم تبكِ. بدلاً من ذلك، تجمدت ملامحها السورية الناعمة وتحولت إلى صلابة صخرية صقيلتها سنوات الحرب والموت في دمشق والمضيق.

​جثت شمس أمام أمين، وأمسكت بيده الثقيلة بين يديها: "أمين... استمع إليّ جيداً. نحن لم ننجُ من القصف في سوريا، ولم نعبر السلك المشوك في سبتة، ولم نبلل أجسادنا بملح الموت في المضيق لنسمح لمجرمٍ آخر أن يسرق منا هذه الحياة التي بنيناها بالدم."

​"لكن البارون لا يرحم يا شمس!" قال أمين بصوت متهدج. "هو يعتقد أن الشريحة بحوزتنا! وإذا اكتشف أنها ضاعت في سبتة، فلن يصدقنا وسينتقم منا جميعاً!"

​مسحت شمس على خده بنعومة وثبات: "البارون يبحث عن شريحة يعتقد أنها تفتح خزائن أمواله... لكنه لا يعلم أننا لسنا الضحايا الخائفين الذين كان يبتزهم المكي وسانتياغو في الماضي. نحن الآن في إسبانيا، ولدينا الحماية القانونية، وأهم من ذلك... لدينا اتصالاتنا مع الشرطة والمؤسسات الإنسانية."

​وقفت شمس وسحبت هاتفها الخاص: "أنا سأتصل فوراً بالمحامي المتطوع بمركز اللاجئين والمشرفة 'فاطمة'. وسنبلغ الأمن الوطني بصفات البارون وسيارتهم. أما أنت... فعليك أن تطلب من يونس شيئاً واحداً."

​نظر أمين إليها بذهول: "ما هو؟"

​"أن يعود بالذاكرة إلى ليلة سبتة،" قالت شمس وعيناها تلمعان بذكاء حاد. "عثمان لم يمت فوراً عندما سقط... وقبل أن يغطينا بجسده، دفع بيده نحو جدار الأزقة المظلمة. إن كان هاتف عثمان موجوداً في مكان ما هناك، فيجب أن نعرف من صادر ممتلكات الشاب السنغالي بعد وفاته... الشرطة الإسبانية في سبتة أم الجمعيات الإغاثية؟"

​لمع أملٌ جديد وبارد في عيني أمين. سحب الهاتف مجدداً وضغط على زر إعادة الاتصال بيونس.

​"يونس..." قال أمين بنبرة حازمة لم يعهدها يونس من قبل. "توقف عن التدخين واستمع إليّ. البارون لن يحصل على يورو واحد، ولن يدمر حياتنا. الليلة... سنعيد فتح ملف سبتة، ولكن هذه المرة بأسلحتهم هم: القانون، والشرطة، والحقيقة التي تركها عثمان!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطع

    ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطعساد الصمت الغرفة الصغيرة في الطابق الرابع من مجمع "سان دوني". لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس مريم المتسارعة وهي تترقب رد المهرب عبر الهاتف، وحشرجة المطر الخفيف وهو يضرب الإفريز الخارجي للنافذة.​على الطرف الآخر من الخط، ساد وجومٌ مفاجئ. لم يكن "المالكي" يتوقع أن يسمع هذا الاسم تحديداً؛ اسم "أمين الفنيدقي" الذي صار في أوساط شبكات التهريب بين المغرب وإسبانيا رمزاً للكابوس الذي هدم إمبراطورية "البارون" الممتدة وسرّب وثائقها الحساسة لقوات الأمن الوطني في مدريد.​تلا هذا الصمت زفيرٌ حاد ونبرة تهكمية ممتلئة بالغل والتهديد: "أمين؟ الشاب الأعرج الذي نجا من السلك المشوك في سبتة؟ هل تظن أن أوراق إقامتك الإسبانية الجديدة تمنحك أجنحة تطير بها في ضواحي باريس؟ أنت هنا في أرضي يا فتى... في 'سان دوني'، القانون لا يحميك، والشرطة الفرنسية لا تجرؤ على دخول أنفاقنا بعد الغروب!"​لم ترف عين أمين، ولم تهتز بنية صوته الصلبة التي اكتسبت نبرة العزم من صخور المضيق: "المالكي... وفر كبرياءك الفارغ لنفسك. البارون قال الكلام نفسه قبلك في سرقسطة، وهو الآن يمسح أرضية زن

  • على سياج سبتة   الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولى

    الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولىكانت النوافذُ المزدوجة لقطار "TGV" السريع تعكسُ وجهاً جاداً لأمين، تداخلت فيه ملامح الشاب الأعرج الهارب من قهر الفنيدق مع صلابة رجلٍ استعاد كرامته وأوراقه في أزقة سرقسطة.​كان القطار ينهبُ الأرض نهباً عبر السهول الفرنسية الخضراء الممتدة، ينطلق بسرعة تجاوزت ثلاثمائة كيلومتر في الساعة متجهاً نحو محطة "غار دي نور" (Gare du Nord) في قلب العاصمة باريس. كان أمين يتحسس جيب معطفه الداخلي كل بضع دقائق؛ حيث ترابض بطاقة إقامته الإسبانية القانونية، وبجوارها المفتاح القديم لصندوق مدريد الذي تحتفظ الشرطة بناسخة منه، والورقة التي كُتب عليها العنوان الدقيق لـ "مريم دياكيتي" في حي "سان دوني" (Saint-Denis).​لم تكن باريس في مخيلة أمين مدينة الأنوار أو بطاقات البريد السياحية؛ بل كانت في ذهن أي مهاجر خبر الدروب الخفية عبارة عن غابة خرسانية تضم أضخم المجمعات السكنية المكتظة، والضواحي الهامشية التي تتدفق فيها أعتى عصابات التهريب وتبييض الأموال العابرة للقارات.​وصل القطار عند الساعة الرابعة عصراً. ساد المحطة صخبٌ مروع؛ آلاف المسافرين يركضون نحو خطوط الم

  • على سياج سبتة   الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيط

    الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيطكانت ليالي سرقسطة في خريف عام 2026 قد بدأت تستعيد برودتها الجافة، متوشحة بغطاء خفيف من الضباب الذي ينتشر فوق جسور نهر "إبرو". لكن الدفء الذي كان ينبعث من ورشة "أمين" الصغيرة لم يكن مجرد حرارة موقد كهربائي؛ بل كان شعوراً بالنصر والاستقرار الثمين الذي خُلق من رحم أهوال المضيق ودموع الرحيل.​كان أمين يجلس عند طاولته الخشبية، يفكك مسننات ساعة ميكانيكية ذات طراز كلاسيكي. كانت حركاته دقيقة، وأصابعه تثبت التروس ببراعة اكتسبها من الصبر الطويل على نوائب الدهر. إلى جواره، كانت "شمس" تستعد لمغادرة الورشة متجهة نحو مقر مكتب الإغاثة، حيث تنتظرها مجموعة جديدة من اللاجئين والمهاجرين الجدد الذين يحتاجون إلى الترجمة والتوجيه القانوني.​"أمين..." قالت شمس وهي تلف وشاحها الصوفي حول عنقها، وتنظر إليه بحنان، "لا تتأخر الليلة. عمر يتطلع لقصة المساء، وقد وعدته أن تحكي له عن بوابات طنجة القديمة."​ابتسم أمين ورفع عينيه عن العدسة المكبرة: "لن أتأخر يا شمس. سأغلق الورشة بعد أن أنهي تركيب هذه الساعة... اصحبي معك المفاتيح الإضافية."​خرجت شمس، وخلّفت وراءها صمت الورشة الهادئ الذي

  • على سياج سبتة   الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسى

    الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسىمرّت ستةُ أشهرٍ على تلك الليلة المطيرة التي تحطمت فيها ظلالُ "البارون" تحت أضواء الشرطة الوطنية في أزقة "دليسياس" الصناعية. ستة أشهرٍ كانت كفيلةً بأن تُعيد ترتيب إيقاع الحياة، وتغسل مرارة الملح والأسلاك الشائكة التي ظلت عالقةً بأرواحٍ عاشت سنواتها الخوالي في رعبٍ مكتوم.​في صبيحة يوم صيفي دافئ من أغسطس 2026، كانت شوارع مدينة "سرقسطة" تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية. انقشع ضباب نهر "إبرو" القديم ليحل محله هواءٌ جافٌ يُنعش الأنفاس، ومياهه تتدفق بهدوءٍ تحت الجسر الحجري، حاملةً حكاية العابرين نحو ضفاف الأمان.​داخل ورشة صيانة الساعات في حي "أكتور"، لم يعد المظهر هو ذلك المكان المكتظ بالمجهول والخوف. أصبحت الورشة متسعاً أنيقاً يرتاده أهالي الحي من الإسبان والمهاجرين؛ جدرانها المكسوة بالخشب الفاتح تتزين بساعات جدارية قديمة تعمل بإيقاعٍ منتظم، وعلى الطاولة الرئيسية كانت ترابيزات العمل الدقيقة مصفوفةً بعناية.​كان "أمين" يقف خلف طاولته، يرتدي قميصاً أزرق ناصعاً، ويعلو وجهه ارتياحٌ لم يَعرفه منذ أيام الفنيدق. كانت قدمه قد تعافت تماماً بعد مرحلة الت

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"

    الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"كان الليلُ يخيمُ وثيقاً على مدينة سرقسطة، وتتساقطُ قطرات المطر الشتوي الخفيف متألقةً تحت أضواء مصابيح الشوارع الصفراء في حي "دليسياس" الشعبي.​في الشقة الصغيرة المتاخمة لنهر "إبرو"، لم يكن هناك مكانٌ للنوم. كانت الطاولة الخشبية مستغلة بالكامل؛ خرائط تفصيلية لمدينة سبتة المحتلة، صور قديمة لأزقة حي "إل برنسيبي" المظلمة، وأوراق رسمية صادرة عن الشرطة الوطنية الإسبانية ومكتب اللجوء والهجرة.​كان "أمين" يجلس قبالة المحامي الإسباني "ألبرتو غوميز"—المتطوع الدائم لدى منظمة الإنسان والحريات—وبصحبتهما المشرفة الاجتماعية "فاطمة" والضابط "كارلوس مورا" من وحدة مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر بمدريد، والذي حضر خصيصاً إلى سرقسطة بعد البلاغ العاجل الذي قدمته "شمس".​"استمع إليّ جيداً يا أمين،" قال الضابط كارلوس بفرنسية متقنة وهو ينشر تقريراً أمنياً على الطاولة. "اتصلنا بالسلطات الأمنية في المحافظة السامية بمدينة سبتة، وقاموا بمراجعة أرشيف المقتنيات الشخصية للضحايا والمحتجزين في ليلة الأحداث التراجيدية التي قُتل فيها الشاب السنغالي 'عثمان دياكيتي'."​حب

  • على سياج سبتة   الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

    الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدقكان صمتُ "يونس" عبر الهاتف أثقل من مياه المضيق في ليلة يغيب فيها القمر. كان أمين يسمع حشرجة تنفس صديقه الممزوجة بصوت هدير أمواج مرسى الفنيدق، وكأن تلك اللقطات القديمة من الغرق والمطاردة تعاد صياغتها على مسرح أوربي جديد.​"تكلم يا يونس!" قال أمين وهو يضغط الهاتف على أذنه بيدٍ ترتجف غضباً وخوفاً. "أقسَمْتَ لي أن كل شيء انتهى، وأن الدفتر الذي سلّمتُه للشرطة في مدريد هو السجل الأخير! من هذا الرجل الذي يطلق على نفسه 'البارون'؟ وما هي هذه الشريحة الثانية التي يهددني بها وبحياة شمس وعمر؟"​تنفس يونس ببطء، وتصاعد من سماعة الهاتف صوت قدحة ولاعة خشبية، تلاها زفير سيجارة طويلة.​"البارون ليس مجرد مهرب عادي يا أمين..." قال يونس بصوت خفيض يقطر بالمرارة. "البارون هو الشريك الخفي لـ 'الريّس المكي' في فرنسا. هو العقل المالي الذي كان يدير أموال شبكة العبور بين طنجة، ومدريد، وباريس. الدفتر الذي سلّمته أنت كان يحتوي على الأسماء والمسارات العملية، لكن المحفظة الرقمية المعقدة التي تحوي ملايين اليوروات المهربة كانت مؤمنة بتشفير ثنائي... نصفه كان في شريحة مدريد،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status