Masukلورينزوفي جلسة، أنهار تماماً.إنها جلسة كالأخريات، ظاهرياً. نحن جالسان في مكتب الدكتور ماركيتي، جوليا وأنا، أمامه. نتحدث عن تلك الليلة، مرة أخرى. نتحدث عنها في كل جلسة، من زوايا مختلفة، وفي كل مرة يكون الألم هو نفسه، سليم، كجرح لا يلتئم.لكن اليوم، مختلف. اليوم، تحكي جوليا تفصيلاً لم أسمعه أبداً. تفصيلاً يخترقني كالنصل.— كنت خائفة جداً، تقول بصوت هادئ، شبه منفصل. في لحظة ما، اعتقدت حقاً أنك ستقتلني.كلماتها تطفو في هواء الغرفة، معلقة في الضوء المصفي. "كنت خائفة جداً". "اعتقدت أنك ستقتلني".— لم أكن لأقتلك، أحتج بضعف.— لم أكن أعرف ذلك، في تلك اللحظة. هل تفهم؟ لم أكن أعرف ذلك. لم أكن أعرف ما أنت قادر عليه. كنت ثملاً، غاضباً، خارج السيطرة. يداك كانتا حول عنقي. كنت تصرخ بإهانات لم أسمعها أبداً. لم أكن أعرف إلى أين ستذهب. لا أحد كان يعرف. ولا أنت، ربما.هذه الكلمات تعبرني كرصاصة. "لم أكن أعرف". "لم أكن أعرف ما أنت قادر عليه". هذا صحيح. لم تكن تعرف. ولا أنا، لم أكن أعرف. تلك الليلة، كنت قادراً على كل شيء.
جوليانبدأ علاجاً للأزواج.إنه قرار اتخذناه معاً، بعد مناقشته طويلاً. لورينزو يخضع لعلاج فردي منذ شهور، لكننا شعرنا أنه يجب أيضاً أن نتحدث معاً، أن نواجه معاً أشباح الماضي، أن نبني مستقبلاً على أسس سليمة.يقع مكتب الطبيب النفسي في وسط ميلانو، في مبنى قديم بنقوش متآكلة وباركيهات تصر. غرفة الانتظار صغيرة، بمقاعد بلاستيكية ومجلات عمرها عدة أشهر. غرفة الاستشارة أكثر دفئاً، بأريكة مريحة، نباتات خضراء، ضوء مصفى.الطبيب النفسي رجل في الخمسينيات من العمر، الشعر مشيب، العينان ناعمتان خلف نظارات بإطار رفيع. اسمه دكتور ماركيتي، ولديه ذلك الصوت الهادئ، الرزين، الذي يلهم الثقة. يستمع دون حكم، دون انحياز، دون أن يندهش من شيء. لا بد أنه سمع الكثير من القصص مثل قصتنا. ربما أسوأ. ربما أقل خطورة. لكنه لا يظهر ذلك.الجلسات الأولى صعبة. صعبة جداً.نتحدث عن تلك الليلة. عن الاغتصاب. عن الكلمات. عن الإيماءات. عن التفاصيل التي طمرتها لشهور والتي تصعد الآن إلى السطح، كجثث نخرجها من بحيرة متجمدة.— كنت في غرفة الفندق، أقول بصوت أبيض. دخ
لورينزوأنا صبور.أصبح هذا انضباطي، فني، ديني. دخل الصبر حياتي بقوة الأشياء، بضرورة إصلاح ما كنت قد دمرته. وشيئاً فشيئاً، أصبح طبيعة ثانية، طريقة للوجود في العالم، فلسفة.قبل، لم أكن أعرف ما هو الصبر. كنت أريد كل شيء، فوراً. النساء، المال، السلطة، النجاح. كنت آخذ، أمتلك، أستهلك. كنت أخلط بين السرعة والفعالية، بين نفاد الصبر والتصميم، بين العنف والشغف.الآن، أتعلم الانتظار.لا أجبر شيئاً. هذه هي القاعدة رقم واحد. لا أجبر جوليا على التحدث إلي عندما تحتاج إلى الصمت. لا أجبر جسدها عندما لا تكون مستعدة. لا أجبر قلبها عندما يكون لا يزال مغلقاً. أقترح، أقدم، أمد يدي. وأنتظر.لا أطلب شيئاً. هذه هي القاعدة رقم اثنان. لا أطلب حسابات، لا أطلب أدلة حب، لا أطلب اعترافاً. أعطي، دون انتظار مقابل. أحب، دون أن أطلب أن أكون محبوباً في المقابل. أنا هنا، دون أن أسأل كم من الوقت سيدوم هذا.أنتظر. هذه هي القاعدة رقم ثلاثة. أنتظر أن تعود الثقة، ببطء، بهشاشة، كنبتة تنمو في تربة قاحلة. أنتظر أن تتباعد الكوابيس، أن تتلاشى المخاوف، أن تف
جولياتمر الأيام. سعيدة. هادئة.لورينزو هنا، كل يوم، كل ليلة. ينام في سريري الآن، ليس على أريكة الصالون. يشاركني صباحاتي وأمسياتي، أفراحي وتعبي، ضحكاتي وصمتي. أصبح بديهية، وجوداً طبيعياً مثل الهواء الذي أتنفسه، لا غنى عنه مثل الماء الذي أشربه.تكبر ستيلا. تحقق تقدماً كل يوم. كلمات جديدة، إيماءات جديدة، اكتشافات جديدة. تمشي الآن، تكاد تركض، تستكشف العالم بفضول لا يشبع. ولورينزو هنا، عند كل مرحلة، فخور كالطاووس، مندهش كطفل.الأيام مليئة بسعادات صغيرة بسيطة. قهوة الصباح التي يعدها بالضبط كما أحبها. المشتريات التي نقوم بها معاً في سوق الحي. الوجبات التي نطهوها بأربعة أيد. حمامات ستيلا، قصص المساء، العناق على الأريكة أمام فيلم.نضحك كثيراً. نتحدث بشكل هائل. نعيد ممارسة الحب، بهدوء، بحنان، بشكل مختلف. كل إيماءة هي اكتشاف، كل مداعبة هي إعادة استيلاء، كل ليلة هي انتصار صغير على الماضي.لكن الشكوك تعود.تعود في الليل، خاصة. عندما يكون كل شيء هادئاً، عندما ينام لورينزو بجانبي، عندما يغلف الصمت الشقة. هناك تصعد الذكريات،
لورينزوأستيقظ وهي بين ذراعيّ.هذه أول مرة منذ شهور، منذ تلك الليلة، منذ الجحيم الذي عبرناه. أول مرة أستيقظ فيها في سريرها، في ملاءاتها، في حميميتها. أول مرة أفتح فيها عينيّ ويكون أول شيء أراه، هو هي.ضوء الصباح يعبر الستائر، ناعم، ذهبي، شبه سائل. يمسد جدران الغرفة، يلامس الأثاث، يرسم أشكالاً متغيرة على الباركيه. إنه ضوء ربيعي، دافئ وواعد، تفوح منه رائحة التجدد والأيام الأفضل.جوليا لا تزال نائمة. رأسها يستقر على كتفي، ذراعها موضوعة على صدري، شعرها متناثر على الوسادة كنهر داكن. تتنفس بهدوء، بسلام، بدون كوابيس، بدون انتفاضات، بدون رعب ليلي. وجهها مسترخ، هادئ، شبه طفولي. لم تكن أبداً بهذا الجمال كما في هذه اللحظة، ضعيفة وواثقة، مستسلمة في النوم.لا أجرؤ على التحرك. لا أجرؤ على التنفس بقوة شديدة. أخاف من إيقاظها، من كسر هذه اللحظة المثالية، من قطع هذا التوازن الهش الذي استغرقنا شهوراً لبنائه. أبقى بلا حراك، العينان مفتوحتان على اتساعهما، أتأمل السقف ثم وجهها، السقف ثم وجهها، كما لو كنت أريد حفر كل تفصيل في ذاكرتي للأيام الأكثر ظلمة
جولياهذه الليلة، لأول مرة منذ شهور، أطلب منه البقاء.ليس على الأريكة. ليس في الصالون. ليس عن بعد.في سريري.كان النهار طويلاً، مليئاً بالإيحاءات والنظرات المتبادلة، باللمسات غير الإرادية والابتسامات المتواطئة. شيء ما تغير منذ هذا الصباح، منذ تلك القبلة عند الفجر. شيء ما انفك فيّ، قفل كان يقاوم منذ شهور، خوف ذاب في ضوء الصباح.هذا المساء، عندما ينهض للرحيل، ككل مساء، أضع يدي على ذراعه.— ابق.كلمة واحدة. ليس جملة، ليس شرحاً، ليس تبريراً. فقط هذه الكلمة، ابق، التي تحتوي كل ما لا أجرؤ على قوله بعد.ينظر إلي، متفاجئاً. لم يكن يتوقع هذه الدعوة. ولا أنا، في الحقيقة. خرجت من فمي دون أن أتحكم بها، كما لو أن قلبي تكلم قبل عقلي.— هل أنت متأكدة؟ يسأل.— لا. لكنني أريد المحاولة.هذه هي الحقيقة. لست متأكدة. لست متأكدة من شيء، لا منه، ولا مني، ولا منا. لكنني أرغب في المحاولة. هذه أول مرة منذ زمن طويل تكون فيها الرغبة أقوى من الخوف، يكون فيها الرغبة أقوى من الذكرى.نصعد إلى غرفتي







