LOGINفي صباح خريفي بارد في مدينة الرياض، كانت سارة تقف أمام نافذة مكتبها في الطابق السابع، تحدّق في الشارع المزدحم وهي تشرب قهوتها الباردة. كانت تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، تعمل في قسم التسويق في شركة تقنية كبيرة، وتحمل على كتفيها مسؤوليات أكثر مما تحتمل. أمها مريضة منذ شهور، وأخوها الصغير يحتاج مصاريف الجامعة، وهي الوحيدة التي تعمل. في ذلك اليوم، كان موعدها مع العميل الجديد في الساعة الحادية عشرة. اسمه «راشد العتيبي»، رجل أعمال شاب يملك شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي. كانت قد قرأت عنه في الأخبار: ناجح، هادئ، ويُقال إنه لا يبتسم كثيراً.
View Moreفي صباح خريفي بارد من شهر نوفمبر، كانت سارة العتيبي تقف أمام النافذة الكبيرة في مكتبها بالطابق السابع من برج النخيل في الرياض. كانت تمسك فنجان القهوة بيديها الاثنتين، كأنّها تحاول أن تمتص دفئه قبل أن يبرد تماماً. الشارع تحتها كان يغلي بالحركة: سيارات، أبواق، ناس يسرعون كأن الزمن يطاردهم. أما هي، فكانت تشعر أن الزمن قد توقف منذ أشهر.
سارة تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً. وجهها هادئ، عيناها بنيتان واسعتان، وشعرها الأسود الطويل كانت تجمعه دائماً في كعكة مرتبة لا تسمح لخصلة واحدة بالخروج. تعمل في قسم التسويق الاستراتيجي في شركة «نُور تِك»، وهي من أفضل الشركات التقنية في المملكة. الجميع يراها ناجحة، منظمة، لا تخطئ، ولا تشتكي. لكن لا أحد يعرف أن أمها مريضة منذ سبعة أشهر بمرض في الرئة يحتاج علاجاً مكلفاً، وأن أخاها الصغير «يزيد» في سنته الجامعية الأولى ويحتاج مصاريف لا تنتهي، وأنها الوحيدة التي تدفع كل شيء. في ذلك الصباح، كان موعدها مع العميل الجديد في الساعة الحادية عشرة تماماً. اسمه راشد بن فهد العتيبي. قرأت عنه في أكثر من تقرير: رجل أعمال شاب، في الثانية والثلاثين، أسس شركته «ذكاء المستقبل» من الصفر بعد أن فشل ثلاث مرات، ويُقال إنه لا يبتسم كثيراً، وإنه يعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، وإنه يرفض أي شراكة إلا إذا كان مسيطراً تماماً على القرار. سارة نظرت إلى ساعتها. بقي عشر دقائق. مسحت المكتب مرة أخرى، رتبت الأقلام، ثم جلست وفتحت الملف. كان قلبها هادئاً كالعادة. هي لا تؤمن بالمفاجآت. الحياة بالنسبة لها جدول مواعيد ونتائج. عندما فتح الباب، دخل رجل طويل القامة، يرتدي بدلة رمادية داكنة بسيطة، وربطة عنق بلون كحلي غير مشدود بإحكام. شعره أسود قصير، ولحيته خفيفة مرتبة، وعيناه داكنتان جداً، كأنهما تحملان شيئاً ثقيلاً. توقف للحظة عند الباب، ثم تقدم ومدّ يده: — صباح الخير. أنا راشد العتيبي. صافحته سارة. كانت يده دافئة، وقبضة يده ثابتة دون أن تكون قاسية. شعرت بلمسة قصيرة، ثم انسحبت يدها بسرعة كما تعودت دائماً. — أهلاً بك أستاذ راشد. تفضل. جلسا. بدأ الاجتماع رسمياً. راشد فتح حاسوبه المحمول وتحدث عن مشروعه الجديد: منصة ذكاء اصطناعي تساعد الشركات الصغيرة على تحليل سلوك العملاء. كان يتكلم بهدوء، بجمل قصيرة واضحة، دون مبالغة. سارة كانت تدون الملاحظات بسرعة، وفي الوقت نفسه تلاحظ أشياء صغيرة: أنه ينظر إليها أحياناً ثم يبعد عينيه فوراً، وأن صوته ينخفض قليلاً عندما يتحدث عن السنوات الأولى الصعبة، وأن أصابعه تضرب على الطاولة برفق عندما يفكر. بعد أربعين دقيقة، انتهى العرض. راشد أغلق الحاسوب ونظر إليها مباشرة: — رأيكِ يهمني. بصراحة. سارة وضعت القلم جانباً وقالت بهدوء مهني: — الفكرة قوية، والسوق يحتاجها. لكن العرض يحتاج تبسيطاً أكثر في الجزء الخاص بالتكلفة على العميل الصغير. وإلا قد يشعر أنه معقد أكثر من اللازم. راشد ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية منذ دخل الغرفة. كانت صغيرة، لكنها وصلت إلى عينيه. — ملاحظة دقيقة. شكراً لكِ. وقف، ومدّ يده مرة أخرى ليصافحها قبل المغادرة. هذه المرة أطالت المصافحة ثانية واحدة أكثر من اللازم. ثم قال وهو عند الباب: — لو احتجتي أي توضيح إضافي في الأيام القادمة… لا تترددي في التواصل معي مباشرة. رقمي في البريد. ثم خرج. سارة بقيت جالسة. نظرت إلى الباب الذي أغلق خلفه، ثم إلى الفنجان الفارغ على مكتبها. لم تفهم لماذا شعرت فجأة أن الغرفة أصبحت أكثر هدوءاً، أو لماذا بقي صوت خطواته في أذنها دقائق إضافية. في ذلك المساء، بعد أن عادت إلى المنزل الصغير في حي النسيم، وجدت أمها نائمة على السرير الطبي المستأجر، وجهاز الأكسجين يعمل بهدوء. جلست بجانبها وأمسكت يدها الباردة. ثم فتحت حاسوبها وردت على بعض الرسائل. في صندوق الوارد، كان هناك بريد جديد من راشد العتيبي: «شكراً على وقتك اليوم. ملاحظاتكِ كانت مفيدة جداً. سأرسل لكِ النسخة المعدلة غداً صباحاً. راشد» سارة قرأت الرسالة مرتين. ثم ردت بجملة مهنية قصيرة. لكنها قبل أن تغلق الحاسوب، نظرت إلى اسمه مرة أخرى، وابتسمت ابتسامة صغيرة لم يرها أحد. في تلك الليلة، نامت متأخرة. وفي حلمها القصير، رأت رجلاً يقف عند باب مكتبها، يبتسم ابتسامة خفيفة، ويقول شيئاً لم تسمعه بوضوح. استيقظت قبل الفجر، وقلبها يدق أسرع من المعتاد، دون أن تعرف السبب بعد. لم تكن تعرف أن هذا اللقاء الذي بدا عادياً تماماً… كان بداية شيء سيغير كل شيء في حياتها.**٩٣**الصبح راشد صحى ودماغه تقيلة أوي. سارة كانت لسة نايمة، ولين بتهتز في سريرها. قام بهدوء ونزل المطبخ، بس المرة دي ماقدرش يستحمل القهوة لوحده. فتح الموبايل وبعت للينا:«صباح الخير. نمتِ؟ أنا مش قادر أركز في حاجة.»الرد جه بسرعة:«صباح الخير. ولا أنا. عايزة أشوفك النهارده. مش قهوة… عايزة نبقى لوحدنا.»راشد بص على الرسالة كويس قبل ما يرد:«هشوف أخلّص بدري. ابعتي المكان.»في الفطار سارة حست إن راسه مش هنا. قالت له وهي بتقطعله الجبنة:— إنت من امبارح مش مركز خالص. في حاجة حصلت في الشغل؟— الشغل عادي، رد راشد وهو بيبص في صحنُه. بس تعبان شوية.— طيب ارتاح النهارده لو تقدر، قالت سارة. أنا مش هزعل لو رجعت بدري.— هحاول، قال وهو بيقوم. بوس لين عني لو صحيت وأنا مش موجود.نزل راشد وهو حاسس إن كلمته مع سارة كانت تقيلة على لسانه. في العربية رد على لينا:«ابعتي العنوان. هكون عندكِ بعد الدوام مباشرة.»لينا ردت:«نفس الشقة. هسبقك وأجهز.»طول اليوم في الشركة راشد كان بيعد الساعات. كل ما لينا تعدي من قدام مكتبه كانت نظراتهم تتقابل وتفضل ثانية زيادة. في آخر اليوم لينا دخلت مكتبه وقفلت الباب.— جاهز؟
**٩٢**الصبح كان تقيل أوي على راشد. صحى ولسة حاسس بطعم لينا في بقه، وصوت سارة وهي بتسأله امبارح في ودانه. قام بهدوء عشان مايصحّيش حد، بس لين حسّت بيه وفتحت عينيها.— بابا… بابا انت صاحي؟— صاحي يا قمر، رد وهو بيمشي نحو سريرها. نامي شوية كمان.— مش عايزة أنام… عايزة بابا، قالت لين وهي ممدودة إيديها.راشد شالها وطلع بيها المطبخ. الست الكبيرة كانت قاعدة ومستنية القهوة.— صباح الخير يا أمي.— صباح النور. إيه يابني وشك متغير كده من كام يوم؟ إنت مخبي حاجة؟راشد ضحك ضحكة خفيفة وقال:— مخبيش حاجة يا أمي. الشغل بس. الدنيا ضغط.سارة نزلت ولسة نعسانة، ولما شافت راشد ماسك لين ابتسمت.— صباح الخير. نزلت بدري أوي النهارده.— ماقدرتش أنام، رد راشد وهو بيبوسها على خدها. هفطر معاكم وأمشي.خلال الفطار لين كانت بتتكلم كتير، وسارة بتبص لراشد أكتر من مرة من غير ما تقول حاجة. في الآخر وهي بيجهز نفسه للخروج، وقفته عند الباب.— راشد… قالت بصوت واطي أوي. أنا مش عايزة أبقى ست بتسأل وتلف وتدور. بس إنت من أسبوعين مش إنت. كلامك أقل، ضحكتك أقل، وحتى البوسة بقت سريعة. لو في حاجة… قول لي.راشد بص في عينيها وسكت ثاني
**٩١**الصبح كان تقيل على راشد أكتر من أي يوم فات. صحى ولين بتصوت من أوضتها:— بابا… بابا تعال… بابا دلوقتي!قام ومشي لأوضتها وهو لسة نعسان. لقاها واقفة في السرير ممدودة إيديها.— صباح الخير يا قمر، قال وهو شايلها. إنتي ليه صاحية بدري كده؟— عشان بابا، ردت لين وهي مضماه في رقبته. بابا كان بيروح فين امبارح؟راشد حسّ بقلبه بينقبض شوية، بس بسم وقال:— كنت في الشغل يا حبيبتي. جيت بدري عشانك.سارة كانت واقفة على الباب بتسمع. دخلت وقالت:— صباح الخير. نامت متأخر شوية امبارح، عشان كده صاحية بدري.— صباح النور، رد راشد وهو بيبوس لين وبيحطها على السرير. أنا هجهز نفسي وأنزل.في المطبخ الست الكبيرة قالت له أول ما شافته:— يا ابني وشك أصفر النهارده. إنت نايم خالص ولا إيه؟— نايم يا أمي، بس الشغل ماسيبش حاجة. هتعدي.سارة جت وراها ولين ماسكة إيدها.— راشد، قالت سارة وهي بتقطع الجبنة. لو الشغل ضغط عليك قوي كده، خد يوم إجازة. أنا أقدر أتصرف مع لين.— لو قدرت كنت أخدته، رد راشد. بس الأسبوع ده مستحيل. المشروع واقف عليا.قعدوا على الترابيزة. لين كانت بتحاول تطعم أبوها، وسارة بتبص فيه من غير ما تقول حاجة
**٩٠**الصبح بدري قوي، راشد صحى قبل الجميع. قعد على طرف السرير وحك راسه، وصوت لينا لسة في ودانه من امبارح. بص على سارة وهي نايمة جنبُه، شعرها مفرود على المخدة، وإيدها قريبة من مكانه. حسّ بثقل غريب في صدره، قام بهدوء وخرج من الأوضة.في المطبخ لقى الست الكبيرة قاعدة في مكانها المعتاد.— صباح الخير يا أمي.— صباح النور يا ابني. وشك تعبان أوي النهارده. مامتْش كويس؟— نايم شوية، رد راشد وهو بيصب القهوة. الشغل ماخلينيش أنام.بعد شوية سارة جت ولين في حضنها بتمد إيديها لراشد على طول.— بابا… بابا احملني دلوقتي.راشد شالها وباسها، وبعدين بص لسارة.— صباح الخير. نمتي كويس؟— نمت، بس حسيتك بتقوم أكتر من مرة، قالت سارة وهي بتبص في عينيه. في حاجة مضايقاك؟— لأ، رد راشد بسرعة. بس دماغي مليانة شغل. النهارده عندي اجتماعات كتير.— ربنا يعينك، قالت سارة وهي حاطة إيدها على دراعه. أنا موجودة لو حبيت تتكلم.— عارف، قال راشد وبسم بسمة خفيفة. متشكر ليكِ.في العربية، راشد فتح الرسايل. لقى رسالة من لينا من ساعة:«صباح الخير. نمت؟ أنا وصلت الشركة بدري. لو حبيت قهوة برة المكتب قول.»رد وهو واقف على الإشارة:«صب





