登入كانت "صقلية" في ذلك المساء تتنفس برائحة الليمون الممتزجة بملوحة البحر، والغيوم الرمادية الثقيلة تداعب قمم البيوت العتيقة في قرية "تشيفالو" المنسية. لم يعد هناك "بدر السيوف" المجرم الذي ترتجف له عواصم أوروبا، بل كان هناك "أنطونيو"، الصياد ذو الملامح الحادة والندوب الغامضة الذي يسكن كوخاً وحيداً معلقاً على حافة الجرف الصخري كأنه عش صقرٍ يرفض السقوط.
داخل الكوخ، كان الضوء خافتاً ينبعث من شمعة وحيدة تصارع تيارات الهواء. وقفت ناي أمام النافذة الكبيرة التي تطل على البحر الفيروزي الذي استحال في العتمة إلى سوادٍ مهيب ومخيف. وضعت كمانها الخشبي القديم —الناجي الوحيد معها من حريق باريس وجليد سويسرا— على كتفها، وبدأت تعزف.
لم تكن تعزف لحناً كلاسيكياً، بل كانت تعزف "خلاصة حياتها"؛ مزيجاً من صرخة الرصاص، وحرارة أنفاس بدر، وبرودة الخيانة، وعذوبة الاستسلام. كان صوت الكمان يرتفع مع تلاطم الأمواج بالأسفل، وكأن الطبيعة تشاركها عزف سيمفونية النهاية.
دخل بدر من الباب الخشبي الثقيل، ثيابه مبللة بماء المطر والبحر، ورائحة التبغ والرجولة الطاغية تفوح منه. لم يتحدث، بل اكتفى بالوقوف عند عتبة الباب، يراقب قوامها الرقيق وهي تتمايل مع الآلة. كانت ناي تبدو في تلك اللحظة كخيط من النور وسط ظلام حياته، فستانها الأبيض البسيط يتطاير مع النسمات الباردة، وشعرها الغجري يداعب وجهها المتعب والجميل في آن واحد.
توقفت ناي عن العزف فجأة، ساد صمتٌ قاتل لم يقطعه إلا صوت قطرات المطر التي بدأت تنقر الزجاج بانتظام كدقات ساعة موقوتة. التفتت إليه، كانت عيناها تحملان بريقاً غامضاً، بريقاً يجمع بين الحب الأعمى والخوف من المجهول.
"هل تظن أننا نجونا حقاً يا بدر؟" سألت، وصوتها كان همساً يكاد يضيع في زئير الريح. "أم أننا مجرد طيور جريحّة تظن أن الغيمة مخبأ، بينما هي في الحقيقة مجرد محطة للسقوط؟"
خطا بدر خطواته الثقيلة نحوها، وقع حذائه على الخشب القديم كان يدق في قلبها. لم يلمسها فوراً، بل وقف خلفها تماماً، ليفصل بينهما إنشات قليلة مشحونة بكهرباء التوتر الحسي.
"النجاة ليست مكاناً نصل إليه ونغلق خلفنا الأبواب يا ناي،" قال بصوت أجشّ، كان صوته يحمل بحّة التعب والسيادة معاً. "النجاة هي هذه الثواني التي أستطيع فيها شمّ عطركِ دون أن أتحسس مسدسي، هي هذه اللحظة التي لا أرى فيها وجوه القتلى في أحلامي، بل أراكِ أنتِ."
مدّ يده ووضع على الطاولة الرخامية مظروفاً أسوداً صغيراً، مختوماً بختم شمعي أحمر يحمل شعار "الغراب القاتل"؛ الشعار الذي ظنت ناي أنها دفنته تحت ثلوج الألب.
تجمدت أنفاس ناي، وشعرت ببرودة تجتاح أطرافها. "ما هذا؟ لا تقل لي أن 'البارون' لا يزال حياً.."
"البارون مات،" أجاب بدر وهو يفك ربطة عنقه ببرود مرعب، "لكن 'النوتة السوداء' التي سرقناها لا تموت. لقد فُتحت أبواب الجحيم في موسكو، وهناك من يعتقد أن رأس 'بدر السيوف' هو الثمن الوحيد لإغلاقها. والأسوأ.. أنهم يعرفون أن قلبي لم يعد في صدري، بل صار يمشي على قدمين، ويعزف الكمان."
نظرت ناي إلى المظروف، ثم إلى وجه الرجل الذي أحرق العالم لأجلها. "إذن، اللعبة لم تنتهِ."
ابتسم بدر ابتسامة مظلمة وسجال، وسحب ولاعته الذهبية. أشعل المظروف وراقبه وهو يستحيل إلى نيران زرقاء تتآكل الأسماء المكتوبة بداخله. رمى الرماد المتطاير نحو النافذة المفتوحة لتذروه الرياح فوق البحر.
"الليلة.. سنكون هنا،" همس وهو يسحبها من خصرها لتلتصق به تماماً، يشعر بنبضات قلبها المتسارعة تحت كفه. "وغداً.. غداً قد نكون في قارة أخرى، بهوية أخرى، وحياة لم يكتبها أحد بعد. أو ربما نختار أن نكون الجزء الأجمل من هذه الأسطورة.. الجزء الذي يختفي في ذروة اللحن."
حملها بين ذراعيه نحو الشرفة المطلة على الهاوية، حيث كان الرعد يزمجر في السماء كأنه يبارك جنونهما. اقترب من أذنها وهمس بكلماته الأخيرة التي بقيت لغزاً للقراء:
"لا تخافي من الصمت يا ناي.. فالموسيقى الحقيقية لا تبدأ إلا حين يتوقف العازف عن العزف، ويبدأ العالم بالتساؤل: أين ذهب؟"
في الصباح التالي، أشرقت الشمس فوق قرية "تشيفالو" لتجد الكوخ صامتاً. دخل الصيادون ليجدوا النافذة محطمة بفعل الريح، والكمان ملقى بوقار فوق الطاولة، وإلى جانبه وردة حمراء واحدة قُطفت من حديقة القصر القديم، وساعة بدر الذهبية التي توقفت عند اللحظة التي التقى فيها بناي لأول مرة.
لم يكن هناك جثث، ولا آثار عراك، ولا دماء. فقط رائحة بخور فاخرة، ونوتة موسيقية بيضاء تركتها ناي، مكتوب عليها بخطٍ يدويٍ رقيق:
"البحر لا يحتفظ بالأسرار.. هو فقط يمنحنا عمراً إضافياً لنعزف خلف الأفق."
على رمال "جزيرة الملح" الملطخة بالدماء، لم يكن هناك وقت للعناق الطويل. جثة لوكا كانت تبرد بجانبهم، لكن الأفق كان يشتعل بضوء السفينة الغامضة التي تقترب. وقف بدر، وسحب ناي من يدها بقوة وهو يتحامل على جراحه، ثم اتجه نحو مهد آريان."ناي، اسمعيني جيداً،" قال بدر ونبرته عادت حادة كالصلب، "لوكا لم يكن يملك الذكاء الكافي لاختراق سجلات 'السيوف' السرية في باريس. هناك شخص خلفه.. شخص يعرف أسرار والدي التي دُفنت معه."نظرت ناي إلى السفينة الضخمة التي تحمل شعاراً غريباً: جمجمة محاطة بأوتار كمان مكسورة. "بدر.. هذا الشعار.. لقد رأيته في مذكرات والدي القديمة قبل أن يُقتل. كانوا يسمونه 'المؤلف'."لم ينتظرا طويلاً. حمل بدر الطفل، وسحبت ناي حقيبة كمانها، واتجها نحو القارب الصغير. "إلى أين؟" سألت ناي وهي تجدف معه بكل قوتها.رد بدر وعيناه تراقب السفينة التي بدأت تطلق زوارق سريعة لمطاردتهما: "إلى المكان الوحيد الذي لا يجرؤ 'المؤلف' على دخوله.. سرداب النسيان في أعماق صقلية. هناك، توجد الحقيقة التي ستنهي هذه الحرب، أو تنهينا جميعاً."بدأت الرصاصات تخترق الماء من حولهما. ناي، في لحظة جنون وانتقام، سحبت قاذف قن
لم تذهب ناي إلى صقلية، ولم تعد إلى القصر الذي استباحه "بدر" بظله. ذهبت إلى "جزيرة الملح"؛ صخرة ناتئة في البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الصيادون القدامى يتركون أجسادهم لتجف تحت الشمس قبل العودة للموت. هناك، في بيتٍ حجري صغير يطل على هاوية سحيقة، كانت ناي تجلس على حافة الجرف، والرياح تلاعب شعرها المصبوغ بلون الفقد.كانت تضع آريان في سلةٍ من الخوص بجانبها، وتمسك بكمانها الأسود الذي تلطخت أوتاره بدماء الليلة الماضية في باريس. كانت تعلم أن "الوحش" قادم، فبدر لم يكن يوماً رجلاً يترك خيطاً مقطوعاً دون أن يربطه حول رقبة صاحبه.مرت ثلاثة أيام من الانتظار القاتل. في الليلة الرابعة، هدأ البحر فجأة بطريقة مريبة، وصمتت طيور النورس. وقفت ناي، وشدت معطفها حول جسدها النحيل، وأشعلت فانوساً واحداً وضعته فوق صخرةٍ بارزة. كانت تلك هي "المنارة" التي دعته إليها.فجأة، شقّ عباب الماء قاربٌ أسودٌ صغير، ينسل كخنجرٍ في قلب المحيط. لم يكن هناك محرك، بل كان رجلٌ يجدف بقوةٍ خارقة، رجلٌ يبدو في الظلام كأنه جزءٌ من الصخر والملح.رسى القارب، وخطا بدر فوق الرمال الخشنة. كان يمشي ببطء، يعرج قليلاً من إصابته في باريس، ل
كانت باريس تحتضن الشتاء ببرودٍ يضاهي برود جثث المشرحة. المطر ينقر على زجاج قطار "يوروستار" السريع كأنه شفرات حادة تحاول اختراق عزلة ناي. لم تكن ناي التي تجلس في الزاوية هي ذاتها التي عرفها العالم كـ "سيدة الرماد"؛ كانت تبدو كـ "ملاك الموت"، ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد الأسود، وشعرها الأشعث يغطي نصف وجهها الشاحب، وفي حضنها حقيبة الكمان السوداء التي لا تفارقها.. حقيبة لم تعد تحتوي على ألحان، بل على وعودٍ بالدم.تحسست ناي القلادة التي تخبئ فيها "شريحة الذاكرة" الوحيدة التي تدين لوكا، وهمست لنفسها: "إذا كان الثمن هو روحي يا بدر، سأدفعها.. لكنني لن أسمح لك بأن تصبح الوحش الذي حاولنا الهروب منه."في قلب "حي المونمارتر"، وداخل كنيسة مهجورة تحولت إلى مقر سري لمنظمة "السيوف"، كانت الأجواء تقطر هيبةً ورعباً. زعماء المافيا من مختلف بقاع الأرض يجلسون في الظلال، يترقبون "المحاكمة" التي دعا إليها الرجل الذي عاد من القبر.في المنتصف، كان هناك كرسي حديدي ضخم، وفوقه مهد آريان.. الطفل الذي كان يغط في نومٍ عميق، غير مدرك أن النصال تلمع من حوله.فجأة، انفتحت الأبواب الضخمة بصريرٍ مرعب. دخلت ناي. لم تكن
لم تكن ناي تصرخ.. كانت "تنزف" صمتاً. وقفت في منتصف الغرفة التي كانت قبل دقائق تعج بحياة طفلها، والآن لا يوجد فيها سوى فراغٍ ينهش جدران قلبها. مهد آريان الفارغ كان يترنح ببطء، وكأن يد الشبح لا تزال تهزه بسخرية.أمسكت ناي برداء بدر الذي سقط منه أثناء دفعه لها، وشممت فيه رائحة البحر، والتبغ المر، ورائحة "المطهرات الطبية". لم تكن رائحة الموت، بل رائحة رجلٍ خُيطت جراحه في الظلام وعاد لينتقم."لن تأخذه.." همست ناي، وعيناها تتحولان من انكسار الضحية إلى برود القاتلة. "لو كان عليك أن تقتلني لتأخذه، لكان أهون عليك من أن تتركني حية.. لأنني سأحرق الأرض لأجدك."خرجت ناي من القصر كالمجنونة، حافية القدمين، تحت مطر صقلية الذي بدأ يهطل بغزارة وكأنه يغسل خطايا المدينة. لم تجد سياراتها، لم تجد حراسها؛ لقد سحب "بدر" كل خيوط القوة من تحت قدميها بضربة واحدة.وصلت إلى مرسى السفن القديم، المكان الذي كانت تلتقي فيه ببدر سراً. هناك، وجدت صقر معلقاً من يديه إلى رافعة صدئة، والدماء تغطي وجهه."أين ذهب به؟" صرخت ناي وهي تحاول فك قيود صقر.رد صقر بصوتٍ متهدج: "سيدتي.. إنه ليس بدراً الذي نعرفه. إنه 'شيطان' استعار ص
استيقظت ناي في ظلام القصر الدامس، لكنه لم يكن ظلاماً عادياً؛ كان صمتاً "معدنياً" يخنق الأنفاس. حاولت إضاءة المصباح الجانبي، لكن الكهرباء كانت مقطوعة تماماً عن الجناح الملكي، وكأن القصر نفسه قد أعلن وفاته.تحسست طريقها نحو مهد آريان بقلبٍ يكاد يقفز من صدرها. طفلها كان نائماً بهدوء مريب، لكن فوق غطائه الصغير، لم تجد وردة الياسمين هذه المرة.. وجدت "ريشة كمان" قديمة، مكسورة من المنتصف، ومغموسة في حبرٍ أسودٍ لزج."لقد بدأ.. الحساب بدأ،" همست ناي بصوتٍ مخنوق، وهي تضم طفلها لصدرها وترتعد خلف باب الجناح الموصد.مع شروق شمس صقلية الباردة، لم تجد ناي جيش حراسها بانتظارها. وجدت بدلاً من ذلك "صمتاً" مطبقاً في الردهات. صقر، ذراعها الأيمن، لم يرد على اتصالاتها. وعندما فتحت شاشات المراقبة التي تعمل ببطاريات الطوارئ، رأت الفاجعة:فيديو "الخيانة" الذي هددها به لوكا لم يُنشر للعالم فحسب، بل تم إرساله لكل "رؤوس المافيا" في إيطاليا وفرنسا مع تعليقٍ واحد: "الأرملة السوداء باعت سيدها قبل أن يجف دمه."في غضون ساعات، تجمدت حساباتها البنكية في سويسرا. العقود التي وقعتها بدمها مع شركات الشحن التابعة لآل السيوف
ساد صمتٌ جنائزي ثقيل في ردهات مشرحة "أثينا" المركزية، صمتٌ لم يكن هدوءاً بل كان انسحاباً للحياة أمام هيبة الفقد. لم يكسر رتابة الموت سوى الأنين المكتوم لأجهزة التبريد التي كانت تحفظ أسرار الجثث، وصوت أنفاس ناي المتسارعة التي كانت تجاهد لخنق صرخة رعبٍ ولدت في أعماق عظامها.على الطاولة المعدنية الباردة، تحت الضوء الأبيض الشاحب الذي كشف كل قسوة، كان يرقد ما تبقى من انفجار "سانتوريني"؛ كتلة من الرماد والحطام البشري، جسدٌ نالت منه النيران حتى استحال لغزاً متفحماً، ضاعت ملامحه في سكرات اللهب ولم يتبقَ منه سوى رائحة الموت والبارود.وضع الطبيب الشرعي الملف الأحمر فوق الطاولة، ونبرته كانت تحمل حذراً مهنياً لم يطمئن قلبها: "سيدتي.. الموقف معقد كالجحيم. الجثة عُثر عليها في قلب الحريق، في القبو رقم 4، وهي ترتدي بقايا سترة الحراسة التي تحمل الرقم '7'.. لكن الحرارة كانت هائلة لدرجة أنها صهرت الأنسجة ودمرت أي فرصة للحصول على بصمات أصابع."فتحت ناي عينيها بذهولٍ ممزوج بالألم، وهمست بصوتٍ يرتجف: "والـ DNA؟ والخاتم؟ أليس هناك ما يقطع الشك؟"رد الطبيب وهو يتفادى نظراتها الجريحة: "الخاتم الذهبي وُجد بجان