Masukفتح بدر الباب ببطء، فوهة مسدسه كانت تشير إلى الفراغ، لكن عينيه كانتا تشيران إلى الجحيم. وقفت "إيلينا" في الممر المظلم، ترتدي معطفاً جلدياً طويلاً، وخلفها رجلان ضخمان كأنهما خُلقا من صخر. لم تكن تشبه ماريا في ملامحها فحسب، بل كانت تحمل ذات الرائحة.. رائحة الخيانة المغلفة بعطر باريسي فاخر.
"بدر.. ظننت أنك أذكى من أن تختبئ في حيّ 'مونمارت' المكشوف،" قالت إيلينا وهي تزيح خصلة من شعرها الأحمر الناري. "هل أخذتَ العازفة لترسم لها لوحات، أم لتسمعها تعزف لحن جنازتك؟"
ضحك بدر ضحكة جافة، وبدت عروق رقبته نابضة بغضب مكتوم. "إيلينا.. ماريا كانت غبية لأنها واجهتني وجهاً لوجه. أنتِ أذكى، لكنكِ لا تملكين ما يكفي من الرصاص لقتلي قبل أن أحول رأسكِ إلى ذكرى."
خطت إيلينا خطوة داخل الشقة، متجاهلة تهديده. نظرت حولها باحتقار، وسقطت عيناها على فستان ناي الملقى على الأريكة. "أوه.. إذن الأمر حقيقي. الوحش وقع في حب الآلة. أخبرني يا بدر، هل تظن أن هذه الطفلة ستحبك حين تكتشف أنك أنت من أمرت بقتل والديها في حادث سيارة 'مجهول' قبل سنوات لتجعلها يتيمة وتحت رحمتك؟"
تجمدت ناي خلف الستار. شعرت وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. هل قال والداها؟ هل كان الحادث مدبراً؟ شعرت ببرودة السكين الفضي في جيبها تزداد، لكن برودة قلبها كانت أشد.
التفت بدر نحو الستار بسرعة، لمح طيف ناي المرتجف، ثم عاد بنظره إلى إيلينا بصدمة لم يستطع إخفاءها. "لقد تجاوزتِ الحدود يا إيلينا. لم يكن من المفترض أن تعرف ذلك."
"العالم كله يعرف قذارتك يا بدر، إلا هي،" صرخت إيلينا وهي تشير لرجليها بالتقدم. "هاتوا الفتاة. أريدها حية.. أريد أن أريها كيف يموت 'بطلها' وهو يتوسل تحت قدمي."
في تلك اللحظة، تحول المكان إلى ساحة معركة. دفع بدر الطاولة الرخامية الثقيلة لتعيق تقدم الرجال، وأطلق رصاصتين بدقة متناهية أصابت كتف أحدهم. صرخ بـ ناي بصوت هز جدران الشقة: "اركضي نحو الحمام! الآن يا ناي! لا تصدقي شيئاً مما تقوله!"
لكن ناي لم تركض. خرجت من خلف الستار، وجهها شاحب كالموت، والسكين الفضي في يدها. نظرت إلى بدر نظرة مليئة بالانكسار والكره والضياع. "هل هذا صحيح؟ هل كنتَ أنت السبب في موتهما؟"
لم يستطع بدر الإجابة، رصاصة من إيلينا خدشت ذراعه، مما جعله يترنح. استغلت إيلينا اللحظة وهجمت نحو ناي، لتقبض على شعرها وتسحبها بقوة. "تعالي معي أيتها الجميلة، سأعلمكِ كيف تكونين أرملة قبل أن تصبحي عروساً!"
لم تكن صرخة إيلينا هي آخر ما سمعه الحاضرون في تلك الشقة المحترقة بباريس. فجأة، تحطم الزجاج الخلفي للشقة، ودخلت قنابل دخانية ملونة حجب الرؤية عن الجميع. سعلت ناي بعنف وهي تشعر بيد خشنة تسحبها بقوة بعيداً عن قبضة إيلينا، لكنها لم تكن يد بدر.. كانت يد رجل يرتدي بذلة عسكرية رمادية، وعيناه زرقاوان كجليد سيبيريا.
"بدر.. يبدو أنك فقدت لمستك السريعة،" قال الرجل بصوت هادئ ورزين، له لكنة روسية ثقيلة.
تجمد بدر في مكانه رغم النزيف في كتفه. خفض مسدسه ببطء، ونطق اسماً جعل إيلينا تتراجع برعب: "البارون فيكتور.."
كان فيكتور هو "عراب" الصفقات السوداء في أوروبا، والرجل الذي علم بدر كل ما يعرفه عن القتل والسياسة. لم يأتِ بمفرده، بل كان رجاله يحيطون بالشقة كالأشباح.
"فيكتور؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سأل بدر، وعيناه تلاحقان ناي التي كانت مخبوءة خلف ظهر أحد رجال البارون.
ابتسم فيكتور ابتسامة باردة، واقترب من بدر ليمسح بيده على كتفه النازف. "جئتُ لأستعيد استثماري. العالم يتحدث عن 'الوحش المهووس' الذي ترك إمبراطوريته لأجل عازفة كمان. هذا يضر بالعمل يا بني. العاطفة هي الرصاصة التي ستقتلك قبل رصاص أعدائك."
التفت فيكتور نحو ناي، ورفع ذقنها بسباته. "جميلة حقاً.. تشبه ماريا، لكن فيها روحاً لم تكن تملكها تلك الأفعى. أخبريني يا ناي، هل تعلمين أن حبيبكِ هذا مدين لي بحياته؟ وأن ثمن بقائكما معاً هو رأس إيلينا وكل من يعرف سر صفقة 'النوتة السوداء'؟"
صرخت إيلينا: "فيكتور، نحن حلفاء! لقد وعدتني برأس بدر!"
لم ينظر إليها فيكتور، بل أشار بيده لأحد رجاله، الذي أطلق رصاصة صامتة سكنت جبين إيلينا دون أن تنطق بكلمة أخرى. سقطت جثة إيلينا، وساد صمت قاتل.
نظر فيكتور إلى بدر وقال بلهجة حاسمة: "أمامك خياران يا بدر. إما أن تعود معي الآن لتقود العمليات في موسكو وتترك هذه الفتاة للنسيان، أو سأقتلها هنا أمام عينيك وأنهي هذا الضعف الذي أصابك."
هنا، تقدمت ناي بخطوات ثابتة رغم ارتجاف جسدها. وقفت بين بدر وفيكتور، والسكين الفضي الذي كانت تخبئه لامس عنقها هي!
"إذا لم تتركه يرحل معي.. سأقتل نفسي الآن،" قالت ناي بصوت لم يعرفه بدر من قبل، صوتٌ مليء بالقوة والتضحية. "أنا اللحن الذي يريد اقتناءه، أليس كذلك؟ خذني أنا واتركه يعيش."
شعر بدر بتمزق في قلبه. صرخ بجنون: "ناي! أنزلي السكين! فيكتور، خذ كل أموالي، خذ كل ما أملك، لكن اتركها!"
ضحك فيكتور بقوة، وكأن المشهد أعجبه. "دراما رائعة. حسناً.. سأعطيكما فرصة. سأخذكما إلى قلعتي في 'سويسرا'. هناك، ستقوم يا بدر بمهمة أخيرة لي. إذا نجحت، ستكون حراً معها.. وإذا فشلت، ستدفنان معاً في الجليد."
كانت الطائرة الخاصة بـ "فيكتور" تشق عباب الغيوم السوداء فوق جبال الألب، لكن الجو داخل المقصورة الفاخرة كان أشد برودة من الجليد في الخارج. استلقى بدر على مقعد جلدي عريض، قميصه مفتوح ليظهر الجرح الذي ضمّدته ناي على عجل، بينما كان البارون فيكتور يجلس أمامهما، يرتشف نبيذاً أحمر بلون الدم، وعيناه تراقبان "الفريستين" باستمتاع سادي.
"بدر.. هل تعلم لماذا أحضرتكما معاً؟" قال فيكتور بصوت هادئ، وهو يمرر نصل سكين صغير على حافة كأسه. "لأني أريد أن أرى اللحظة التي تنكسر فيها روحك. أريد أن أعرف: هل ستضحي بمستقبل إمبراطوريتي لأجل جسدٍ رقيق وعازفة كمان؟"
قبض بدر على يد ناي بقوة، كانت يداه تحترقان من الغضب. "فيكتور، أنت حصلت على ما تريد. قتلتَ إيلينا، وأغلقتَ ملف 'النوتة السوداء'. اترك ناي تذهب، وسأفعل لك أي شيء.. سأحرق موسكو لأجلك."
ضحك فيكتور ضحكة مجلجلة هزت جدران الطائرة. "أوه، يا له من حبٍ بائس! ناي.. هل تعلمين ما هي 'النوتة السوداء' التي يقاتل الجميع لأجلها؟ إنها قائمة بأسماء كل القضاة والسياسيين الذين اشتراهم بدر بدمائهم. حبيبكِ هذا ليس مجرد مجرم، هو المهندس الذي بنى جحيماً كاملاً.. وأنتِ كنتِ الجائزة التي اشتراها بمالٍ ملطخ بالدماء."
نظرت ناي إلى بدر، والدموع تحرق عينيها. كانت تشعر بالدوار؛ هل هي مجرد "جائزة"؟ هل كل لمسة، كل قبلة، كل كلمة حب كانت جزءاً من "صفقة"؟
"هل هذا صحيح يا بدر؟" همست بصوت مخنوق. "هل والداي ماتا لأني كنتُ هدفاً في قائمتك السوداء؟"
لم يستطع بدر الرد. نكس رأسه لأول مرة في حياته. وفي تلك اللحظة، نهض فيكتور، واقترب من ناي، ووضع يده على كتفها العاري بوقاحة. "ما رأيكِ يا جميلة؟ بدر مدين لي بـ 100 مليون دولار كتعويض عن اعتزاله. إذا لم يدفعها الآن.. سأضطر لأخذ التعويض منكِ بطريقة أخرى.. في قلعتي بـ 'سانت موريتز'."
جن جنون بدر. رغم جرحه، وقف كالأسد الجريح، ودفع فيكتور بعيداً. "لا تلمسها!"
في ثانية واحدة، كان رجال فيكتور قد وجهوا أسلحتهم نحو رأس بدر. ساد صمت مطبق، لم يقطعه إلا صوت أنفاس ناي المتسارعة. وفجأة، ودون سابق إنذار، اهتزت الطائرة بعنف أسطوري. صرخات التحذير انطلقت من قمرة القيادة: "سيدي! لقد تم اختراق نظامنا! هناك صواريخ تلاحقنا!"
كانت "ماريا" لم تمت! أو ربما كان "الطرف الرابع" الغامض قد ظهر.
في تلك الفوضى، وبينما كان الجميع يترنح، سحبت ناي السكين الفضي من جيبها، وبدلاً من الهرب، طعنت الرجل الذي كان يمسك ببدر في فخذه. استغل بدر اللحظة، واختطف سلاحاً، وبدأ تبادل إطلاق نار جنوني داخل مقصورة الطائرة الضيقة.
"ناي! تمسكي بي!" صرخ بدر وهو يسحبها نحو باب الطوارئ.
"إلى أين؟" صرخت برعب والريح تصفّر حولهما بعد أن فتح الباب يدوياً.
"إلى الجحيم.. أو إلى الحرية!" أمسكها من خصرها، وبكل قوته، قفزا معاً من الطائرة في ظلام الليل، بينما كانت الطائرة تنفجر خلفهما ككتلة من النار في سماء سويسرا، ليغرقا في بياض الثلج اللامتناهي.
لم يكن السقوط من الطائرة مجرد هبوط؛ كان انتحاراً مؤجلاً. الرياح الباردة كانت تنهش جسديهما وهما معلقان بمظلة واحدة متهالكة في سماء سويسرا المظلمة. قبض بدر على خصر ناي بذراعه السليمة بقوة كادت تحطم ضلوعها، بينما كانت يده الأخرى تصارع خيوط المظلة التي كانت تتمزق بفعل شظايا الانفجار.
ارتطما بالأرض بقسوة فوق منحدر ثلجي حاد، وتدحرجا معاً ككتلة واحدة من اللحم والدم حتى استقرا عند حافة غابة صنوبر كثيفة. غاب بدر عن الوعي لثوانٍ، بينما كانت ناي تصرخ بصمت، وأنفاسها تخرج كبخار أبيض يصارع الصقيع.
"بدر! استيقظ.. أرجوك لا تتركني هنا!" صرخت ناي وهي تهز كتفه الملطخ بالدماء التي تجمدت فور خروجها.
فتح بدر عينيه ببطء، كان لونهما العسلي قد استحال إلى لون باهت من التعب. سعل بشدة، وبصق دماً أحمر قانياً فوق بياض الثلج. "ناي.. اذهبي.. هناك أضواء بعيدة.. كوخ صيادين.. اتركيني."
"لن أتركك!" صرخت بتحدٍ لم يعهده فيه. سحبته بكل قوتها، جسده الضخم كان عبئاً ثقيلاً، لكن الخوف من فقده منحها قوة خارقة. وجدا مغارة صغيرة محفورة في قلب الجبل، كانت رطبة ومظلمة، لكنها كانت الملاذ الوحيد من "عاصفة الموت" التي بدأت تلوح في الأفق.
داخل المغارة، كان الصمت ثقيلاً إلا من صوت أسنان ناي التي تصطدم ببعضها من البرد. نزعت معطفها الممزق، وبدأت تفرك يدي بدر المتجمدتين. كانت حرارة جسده تتسرب ببطء، وجرحه في كتفه كان قد انفتح مجدداً.
بأصابع مرتجفة، بدأت ناي تخلع قميص بدر المبلل بالدم والثلج. كانت الندوب على صدره تروي قصص حروب قديمة، لكن الجرح الجديد كان يصرخ بالألم. استلقت بجانبه، وأحاطته بجسدها الصغير محاولةً منحه دفء حياتها. كانت بشرتها الرقيقة تلامس بشرته الخشنة والباردة، وشعرت بنبض قلبه الضعيف يدق تحت أذنها كطبلٍ جنائزي.
"ناي.." همس بدر بصوت متقطع، وعيناه تراقبانه في عتمة المغارة. "لماذا لم تقتليني بالسكين حين سنحت لكِ الفرصة في الطائرة؟ إيلينا كانت محقة.. أنا وحش.. أنا من دمرتُ حياتكِ."
نظرت ناي في عينيه، وكانت الدموع تتجمد على وجنتيها. "فيكتور كاذب.. أليس كذلك؟ قل لي أنك لم تقتل والديّ.. قل لي أن كل هذا الهوس كان حباً، وليس تكفيراً عن ذنب."
أغمض بدر عينيه بشدة، وخرجت منه زفرة محملة بالوجع. "أقسم لكِ بأوتار كمانكِ التي أعشقها.. لم ألمسهما. فيكتور هو من دبر الحادث لكي يكسرني، لكي يجعلني مديناً له بالولاء للأبد لأنني 'فشلتُ' في حمايتهما. لقد كنتُ أراقبكِ لأنني رأيتُ فيكِ النقاء الذي فقدتُه، كنتُ أطارد طيف براءتي في عزفكِ."
انفجرت ناي بالبكاء، لكنها كانت دموع ارتياح ممزوجة بالخوف. دفنت وجهها في صدره، وشعرت بيده الثقيلة تداعب شعرها بنعومة لم تتخيلها قط. في تلك اللحظة، وسط الجليد والموت المتربص بالخارج، تحولت المغارة إلى مكان مقدس. لم يعد هناك مجرم وعازفة، بل رجل وامرأة تعريا من كل شيء إلا من الحقيقة.
اقترب بدر منها، وقبل جبينها قبلة طويلة، همس بعدها بكلمات جعلت قلبها يرتجف: "إذا نجونا من هذه الليلة يا ناي.. سأحرق 'النوتة السوداء' أمام عينيكِ، وسأكون لكِ الرجل الذي تمنيتِ أن تقابليه في فيينا.. بلا دماء، وبلا سلاح."
وفجأة، قطع هذه اللحظة الحميمية صوت ميكانيكي مألوف. كان صوت "درون" (طائرة بدون طيار) تحلق فوق فتحة المغارة، وضوؤها الأحمر الكاشف بدأ يمسح المكان. لقد وجدهم فيكتور.
على رمال "جزيرة الملح" الملطخة بالدماء، لم يكن هناك وقت للعناق الطويل. جثة لوكا كانت تبرد بجانبهم، لكن الأفق كان يشتعل بضوء السفينة الغامضة التي تقترب. وقف بدر، وسحب ناي من يدها بقوة وهو يتحامل على جراحه، ثم اتجه نحو مهد آريان."ناي، اسمعيني جيداً،" قال بدر ونبرته عادت حادة كالصلب، "لوكا لم يكن يملك الذكاء الكافي لاختراق سجلات 'السيوف' السرية في باريس. هناك شخص خلفه.. شخص يعرف أسرار والدي التي دُفنت معه."نظرت ناي إلى السفينة الضخمة التي تحمل شعاراً غريباً: جمجمة محاطة بأوتار كمان مكسورة. "بدر.. هذا الشعار.. لقد رأيته في مذكرات والدي القديمة قبل أن يُقتل. كانوا يسمونه 'المؤلف'."لم ينتظرا طويلاً. حمل بدر الطفل، وسحبت ناي حقيبة كمانها، واتجها نحو القارب الصغير. "إلى أين؟" سألت ناي وهي تجدف معه بكل قوتها.رد بدر وعيناه تراقب السفينة التي بدأت تطلق زوارق سريعة لمطاردتهما: "إلى المكان الوحيد الذي لا يجرؤ 'المؤلف' على دخوله.. سرداب النسيان في أعماق صقلية. هناك، توجد الحقيقة التي ستنهي هذه الحرب، أو تنهينا جميعاً."بدأت الرصاصات تخترق الماء من حولهما. ناي، في لحظة جنون وانتقام، سحبت قاذف قن
لم تذهب ناي إلى صقلية، ولم تعد إلى القصر الذي استباحه "بدر" بظله. ذهبت إلى "جزيرة الملح"؛ صخرة ناتئة في البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الصيادون القدامى يتركون أجسادهم لتجف تحت الشمس قبل العودة للموت. هناك، في بيتٍ حجري صغير يطل على هاوية سحيقة، كانت ناي تجلس على حافة الجرف، والرياح تلاعب شعرها المصبوغ بلون الفقد.كانت تضع آريان في سلةٍ من الخوص بجانبها، وتمسك بكمانها الأسود الذي تلطخت أوتاره بدماء الليلة الماضية في باريس. كانت تعلم أن "الوحش" قادم، فبدر لم يكن يوماً رجلاً يترك خيطاً مقطوعاً دون أن يربطه حول رقبة صاحبه.مرت ثلاثة أيام من الانتظار القاتل. في الليلة الرابعة، هدأ البحر فجأة بطريقة مريبة، وصمتت طيور النورس. وقفت ناي، وشدت معطفها حول جسدها النحيل، وأشعلت فانوساً واحداً وضعته فوق صخرةٍ بارزة. كانت تلك هي "المنارة" التي دعته إليها.فجأة، شقّ عباب الماء قاربٌ أسودٌ صغير، ينسل كخنجرٍ في قلب المحيط. لم يكن هناك محرك، بل كان رجلٌ يجدف بقوةٍ خارقة، رجلٌ يبدو في الظلام كأنه جزءٌ من الصخر والملح.رسى القارب، وخطا بدر فوق الرمال الخشنة. كان يمشي ببطء، يعرج قليلاً من إصابته في باريس، ل
كانت باريس تحتضن الشتاء ببرودٍ يضاهي برود جثث المشرحة. المطر ينقر على زجاج قطار "يوروستار" السريع كأنه شفرات حادة تحاول اختراق عزلة ناي. لم تكن ناي التي تجلس في الزاوية هي ذاتها التي عرفها العالم كـ "سيدة الرماد"؛ كانت تبدو كـ "ملاك الموت"، ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد الأسود، وشعرها الأشعث يغطي نصف وجهها الشاحب، وفي حضنها حقيبة الكمان السوداء التي لا تفارقها.. حقيبة لم تعد تحتوي على ألحان، بل على وعودٍ بالدم.تحسست ناي القلادة التي تخبئ فيها "شريحة الذاكرة" الوحيدة التي تدين لوكا، وهمست لنفسها: "إذا كان الثمن هو روحي يا بدر، سأدفعها.. لكنني لن أسمح لك بأن تصبح الوحش الذي حاولنا الهروب منه."في قلب "حي المونمارتر"، وداخل كنيسة مهجورة تحولت إلى مقر سري لمنظمة "السيوف"، كانت الأجواء تقطر هيبةً ورعباً. زعماء المافيا من مختلف بقاع الأرض يجلسون في الظلال، يترقبون "المحاكمة" التي دعا إليها الرجل الذي عاد من القبر.في المنتصف، كان هناك كرسي حديدي ضخم، وفوقه مهد آريان.. الطفل الذي كان يغط في نومٍ عميق، غير مدرك أن النصال تلمع من حوله.فجأة، انفتحت الأبواب الضخمة بصريرٍ مرعب. دخلت ناي. لم تكن
لم تكن ناي تصرخ.. كانت "تنزف" صمتاً. وقفت في منتصف الغرفة التي كانت قبل دقائق تعج بحياة طفلها، والآن لا يوجد فيها سوى فراغٍ ينهش جدران قلبها. مهد آريان الفارغ كان يترنح ببطء، وكأن يد الشبح لا تزال تهزه بسخرية.أمسكت ناي برداء بدر الذي سقط منه أثناء دفعه لها، وشممت فيه رائحة البحر، والتبغ المر، ورائحة "المطهرات الطبية". لم تكن رائحة الموت، بل رائحة رجلٍ خُيطت جراحه في الظلام وعاد لينتقم."لن تأخذه.." همست ناي، وعيناها تتحولان من انكسار الضحية إلى برود القاتلة. "لو كان عليك أن تقتلني لتأخذه، لكان أهون عليك من أن تتركني حية.. لأنني سأحرق الأرض لأجدك."خرجت ناي من القصر كالمجنونة، حافية القدمين، تحت مطر صقلية الذي بدأ يهطل بغزارة وكأنه يغسل خطايا المدينة. لم تجد سياراتها، لم تجد حراسها؛ لقد سحب "بدر" كل خيوط القوة من تحت قدميها بضربة واحدة.وصلت إلى مرسى السفن القديم، المكان الذي كانت تلتقي فيه ببدر سراً. هناك، وجدت صقر معلقاً من يديه إلى رافعة صدئة، والدماء تغطي وجهه."أين ذهب به؟" صرخت ناي وهي تحاول فك قيود صقر.رد صقر بصوتٍ متهدج: "سيدتي.. إنه ليس بدراً الذي نعرفه. إنه 'شيطان' استعار ص
استيقظت ناي في ظلام القصر الدامس، لكنه لم يكن ظلاماً عادياً؛ كان صمتاً "معدنياً" يخنق الأنفاس. حاولت إضاءة المصباح الجانبي، لكن الكهرباء كانت مقطوعة تماماً عن الجناح الملكي، وكأن القصر نفسه قد أعلن وفاته.تحسست طريقها نحو مهد آريان بقلبٍ يكاد يقفز من صدرها. طفلها كان نائماً بهدوء مريب، لكن فوق غطائه الصغير، لم تجد وردة الياسمين هذه المرة.. وجدت "ريشة كمان" قديمة، مكسورة من المنتصف، ومغموسة في حبرٍ أسودٍ لزج."لقد بدأ.. الحساب بدأ،" همست ناي بصوتٍ مخنوق، وهي تضم طفلها لصدرها وترتعد خلف باب الجناح الموصد.مع شروق شمس صقلية الباردة، لم تجد ناي جيش حراسها بانتظارها. وجدت بدلاً من ذلك "صمتاً" مطبقاً في الردهات. صقر، ذراعها الأيمن، لم يرد على اتصالاتها. وعندما فتحت شاشات المراقبة التي تعمل ببطاريات الطوارئ، رأت الفاجعة:فيديو "الخيانة" الذي هددها به لوكا لم يُنشر للعالم فحسب، بل تم إرساله لكل "رؤوس المافيا" في إيطاليا وفرنسا مع تعليقٍ واحد: "الأرملة السوداء باعت سيدها قبل أن يجف دمه."في غضون ساعات، تجمدت حساباتها البنكية في سويسرا. العقود التي وقعتها بدمها مع شركات الشحن التابعة لآل السيوف
ساد صمتٌ جنائزي ثقيل في ردهات مشرحة "أثينا" المركزية، صمتٌ لم يكن هدوءاً بل كان انسحاباً للحياة أمام هيبة الفقد. لم يكسر رتابة الموت سوى الأنين المكتوم لأجهزة التبريد التي كانت تحفظ أسرار الجثث، وصوت أنفاس ناي المتسارعة التي كانت تجاهد لخنق صرخة رعبٍ ولدت في أعماق عظامها.على الطاولة المعدنية الباردة، تحت الضوء الأبيض الشاحب الذي كشف كل قسوة، كان يرقد ما تبقى من انفجار "سانتوريني"؛ كتلة من الرماد والحطام البشري، جسدٌ نالت منه النيران حتى استحال لغزاً متفحماً، ضاعت ملامحه في سكرات اللهب ولم يتبقَ منه سوى رائحة الموت والبارود.وضع الطبيب الشرعي الملف الأحمر فوق الطاولة، ونبرته كانت تحمل حذراً مهنياً لم يطمئن قلبها: "سيدتي.. الموقف معقد كالجحيم. الجثة عُثر عليها في قلب الحريق، في القبو رقم 4، وهي ترتدي بقايا سترة الحراسة التي تحمل الرقم '7'.. لكن الحرارة كانت هائلة لدرجة أنها صهرت الأنسجة ودمرت أي فرصة للحصول على بصمات أصابع."فتحت ناي عينيها بذهولٍ ممزوج بالألم، وهمست بصوتٍ يرتجف: "والـ DNA؟ والخاتم؟ أليس هناك ما يقطع الشك؟"رد الطبيب وهو يتفادى نظراتها الجريحة: "الخاتم الذهبي وُجد بجان