لا تعودي إلى إذلال نفسك
كان خلوّه من الوشم يؤلم عينيها.
أشاحت بوجهها وهمّت بالمغادرة، لكن خالد ظل متمسكًا بالسؤال نفسه: "لماذا بحثتِ عني آنذاك؟"
قبضت ليان على حقيبتها بإحكام، ثم تحلّت بالشجاعة ورفعت عينيها لتلتقي بنظراته: "خالد."
لكن باب الغرفة الخاصة فُتح في تلك اللحظة، وارتفع صوت طفلة واضح: "أبي..."
جاء صوت ليلى من خلف الباب: "حبيبتي، والدك يبحث عن مشبك شعرك، لا تضيّعيه مرة أخرى."
"حسنًا يا أمي."
شحب وجه ليان في لحظة، وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات في ارتباك، ثم أسرعت بالمغادرة.
وعندما مرت بجانب ليلى، ابتسمت لها ليلى.
كانت ليلى ناضجة وعاقلة، وتعرف كيف تتصرف بما يليق بالموقف، مما جعل ليان، التي لا تزال مصرة على الحصول على إجابة، تبدو ساذجة مقارنةً بها.
كانت الأمطار تهطل بغزارة في الخارج، لكن ليان لم تكترث بشيء، واندفعت مباشرةً إلى وسط المطر وأوقفت تاكسي.
كان الطقس باردًا قليلًا في بداية الربيع، حتى شحبت شفتاها من شدة البرد. وفي تلك اللحظة، اتصلت بها صديقتها المقربة رنا شاهين.
"كيف سارت الأمور؟ هل رأيتِه؟ وهل حصلتِ على الإجابة التي كنتِ تريدينها؟"
ساد الصمت، وظلت ليان تحدّق في المطر الغزير بالخارج، لا تعرف كيف تبدأ الكلام.
تنهدت رنا في الطرف الآخر من المكالمة، وقالت: "لو سألتِني، فما كان ينبغي لكِ أن تذهبي الليلة من الأساس. لقد تزوج، ولديه طفلة الآن. ليان، لا تلوميني إن كان كلامي قاسيًا، لكن تصرفكِ هذا يقلل من شأنكِ كثيرًا، وكأنكِ تتلهفين لتصبحي عشيقته. لا تعودي إلى إذلال نفسكِ."
كان لقب "العشيقة" أشبه بوصمة عار، فتوتّرت ليان في الحال.
رنا هي صديقتها المقربة، ولو لم تكن تشعر بخيبة أمل شديدة منها، لما قالت لها كلامًا قاسيًا إلى هذا الحد.
ارتجفت شفتا ليان عدة مرات، وقبضت على هاتفها بإحكام، ثم أطرقت برموشها وقالت بصوت خافت: "لن أفعل ذلك مجددًا."
فهي لم تكن لتستسلم قبل أن تلتقي به مرة واحدة.
انفصل عنها بطريقة مذلّة إلى هذا الحد، ومع مرور الأيام، تحوّل الأمر إلى شوكة عالقة في حلقها.
إخراجها يؤلم، وابتلاعها يقتل.
عادت ليان إلى شقتها المستأجرة، وكانت المياه لا تزال تقطر من ذقنها. أخذت منشفة، ومسحت بها شعرها مرتين بشرود.
أحضرت رنا دواءً لخفض الحرارة، وناولته لها على عجل، قائلةً: "لديّ مناوبة ليلية، وسأذهب إلى المستشفى بعد قليل. تناولي الدواء أولًا حتى لا تصابي بالبرد."
كانت ليان ورنا تعرفان بعضهما منذ الصغر، فقد جاءتا من القرية نفسها. وكانت درجات رنا أفضل من درجات ليان بكثير، لكن اختياراتها الجامعية في ذلك العام لم تكن موفقة، وفي النهاية قُبلت في كلية التمريض بإحدى الجامعات المرموقة، فأصبح تخصصها من التخصصات التي يسخر منها الناس على الإنترنت.
أما ليان، فكانت تدرس تخصص تجارة المجوهرات. وكانت مدرستهما الثانوية قد أجبرتهما آنذاك، لزيادة عدد خريجيها المقبولين في الجامعات المرموقة، على تقديم الجامعة على التخصص عند ملء الرغبات. وبعد التخرج مباشرةً، وجدتا نفسيهما بلا عمل، إذ لم يكن اسم الجامعة المرموقة يفيدهما إلا خلال سنوات الدراسة.
كانت ملابس ليان مبللة تمامًا، فذهبت أولًا للاستحمام، ثم مسحت أرضية الحمام الضيق. وبعدها سمعت هاتفها يهتز.
كان أحد أفراد مجموعة الجامعة قد أشار إليها في المجموعة.
كان معظم طلاب دفعتها من الأثرياء، بينما بدت هي هادئة ومنعزلة بشكل لافت. وباستثناء قصتها مع خالد، التي أصبحت حديث الجميع، كان وجودها بينهم يكاد يكون معدومًا، ولم يكن هناك ما يستحق الحديث عنها سوى ملامحها.
"ليان، هل التقيتِ بخالد؟ ماذا قال لكِ؟"
"لا تتظاهري بأنكِ لم تري الرسالة، الجميع يعرف ما فعلتِه آنذاك."
"أنتم لم تذهبوا، أما أنا فكنت هناك وشهدت كل شيء. كان الأمر مضحكًا جدًا! خالد لم يكن يعرفها أصلًا، بل سألها لماذا كانت تبحث عنه."
"هههههههه."
كانت ليان قد اعتادت منذ زمن على هذه الكلمات الجارحة. وظلت في هذه المجموعة طوال هذه السنوات فقط لتجمع من كلماتهم المتفرقة صورة عن حياة خالد الحالية؛ فقد كانت مصرة بعناد على معرفة الإجابة.
الآن، لم يعد هناك داعٍ لذلك.
غادرت ليان المجموعة، ثم واصلت بهدوء تنظيف آثار المياه في الحمام.
وبعد أن انتهت من تنظيف الشقة بأكملها، رنّ هاتفها مجددًا. وعندما رأت اسم المتصل، لم تُجب.
لكن الهاتف رنّ مرة أخرى، وكأنه لن يتوقف عن الرنين ما دامت لا تجيب.
وأخيرًا، ضغطت على زر الرد.
كان المتصل شقيقها الأكبر.
"ليان، بعد غدٍ عيد ميلاد أمي. لقد مضى عامان منذ أن عدتِ إلى المنزل، أما زلتِ غاضبة بسبب ما حدث في مستشفى الأمراض النفسية؟ لقد كانت تفعل ذلك من أجلك، وأنتِ تعرفين كم تهتم بسمعتها."
راحت ليان تخدش الأريكة بأظافرها دون وعي، ولم ترغب في التطرق إلى هذا الأمر: "هي من قالت ذلك، فلتعتبرني كأنني لست ابنتها."
ساد الصمت لبضع ثوانٍ على الطرف الآخر، ثم أطلق شقيقها ضحكة ساخرة وقال: "حتى شهادة تخرجك لم تحصلي عليها آنذاك. طوال أكثر من عام، كانت العائلة تعيلكِ. وأنتِ تعرفين جيدًا كيف كانت حالتكِ وقتها. كان الجيران ومن حولنا ينتظرون جميعًا أن يروا عائلتنا موضع سخرية، والآن لم يعد أبي وأمي يجرؤان على رفع رأسيهما عند الخروج. وما الفائدة من تفوقكِ الدراسي؟ يبدو أن كل ما درستِه قد ذهب سدى."
بدت ليان وكأن هذه الكلمات قد استفزتها، فقالت: "دفعتُ رسوم دراستي الجامعية كلها من المال الذي كسبته بنفسي من العمل بدوام جزئي! في ذلك العام، حين كنت أعيش في المنزل، لم أنفق من مالها سوى ثلاثمئة دولار، ومع ذلك لا تزال تتذكرها حتى اليوم! ولا تكف عن تكرار الأمر! ألم أكن أرسل لها المال طوال الوقت؟! ألم أسدد ما أنفقته عليّ بما يكفي؟! لن أعود!"