Share

4

Author: الجسر الثاني
بعد أن أنهت ليان المكالمة، كان صدرها يغلي من شدة الغضب، واجتاح جسدها كله شعور بالعجز.

وفي تلك الليلة، أُصيبت بالحمى فعلًا، حتى أصبحت وجنتاها ساخنتين للغاية.

استدارت ليان واحتضنت الغطاء، ثم سعلت عدة مرات، ودفنت وجهها فيه. وبعد وقت قصير، ابتل الغطاء بدموعها.

وتماسكت بصعوبة، ثم أخذت الإيبوبروفين من فوق الدرج وابتلعته جافًا.

حلمت مجددًا بالحلم الذي طالما راودها؛ كان حلمًا يحمل إشراقة سنوات الشباب، ودفء مرحلة النضج.

كان خالد يحملها على ظهره في ذلك الطريق الجبلي، وحين سمع شهقات بكائها من خلفه، طمأنها قائلًا: "ما زال أمامنا ساعتان قبل أن يحلّ الظلام، فلماذا تبكين؟ لن أترككِ هنا."

لطالما تمنت ليان أن تكون هي المختارة.

لكنه في النهاية تركها هنا فعلًا.

ولم تنخفض حرارتها حتى السابعة صباحًا.

عندما وصلت ليان إلى الشركة، كانت لا تزال تشعر بدوار شديد وثقل في رأسها، فطُلب منها الذهاب إلى مكتب المدير. كانت تعرف المدير منذ أيام الجامعة، وكانت عائلته تملك عدة دور للمزادات.

في ذلك الوقت، لم تحصل ليان على شهادة تخرجها، وعادت إلى مسقط رأسها وأمضت عامًا بلا هدف، ثم عندما عادت إلى مدينة الصفوة، التحقت بدار للمزادات. وكانت تعمل بدوام جزئي فيها طوال سنوات الجامعة، وكان مديرها شخصًا جيدًا.

كان المدير شوقي الزيات يجري مكالمة هاتفية في تلك اللحظة.

بعد أن أنهى المكالمة، نظر إلى ليان وقال: "عميل اليوم من كبار العملاء، فأحضري أفضل القطع التي نحتفظ بها."

أومأت ليان برأسها، وحين لحقت به إلى السيارة، سعلت مرتين.

"هل تشعرين بتعب؟"

"مجرد نزلة برد خفيفة، كح كح كح."

في أشد لحظات سعالها، انفتح باب الفيلا، وما إن رأت الشخص الواقف عند المدخل حتى تجمدت في مكانها، وكأن أحدًا قد شلّ حركتها.

كانت ليلى فائقة الأناقة، راقية وهادئة في حضورها.

واستقبلهم أحدهم وأدخلهم إلى الداخل.

الردهة الفخمة التي تجمع بين البذخ والرقي، والخدم المدربين على أعلى مستوى، وسيدة المنزل التي تتألق بأناقة راقية... كان هذا مشهدًا لم تره ليان من قبل إلا في أحلامها.

لكن ليلى وُلدت وهي تملك كل ذلك.

وضع شوقي جميع البضائع التي أحضرها معه على صينية، ثم وضعت ليان الصينية على طاولة القهوة.

في الحقيقة، الأشياء التي تصل إلى المزاد تكون قد خضعت أولًا لاختيار العائلات الثرية العريقة؛ وما يفلت من بين أيديهم هو وحده ما يصل إلى دور المزادات.

كانت عائلة العشري ذات نفوذ واسع، لذلك كان ما تطلبه ليلى لا بد أن يكون قطعة فريدة لا مثيل لها.

ابتسمت ليلى ونظرت إليهما قائلة: "سيد شوقي، ما رأيك أن تدع السيدة التي بجانبك تشرح لي عنها؟ فأنا لا أعرف الكثير عن اليشم."

ثم التفتت إلى ليان، وظلت ابتسامتها لبقة وهادئة، وقالت: "ليان، لم أتوقع أنك تعملين في مدينة الصفوة."

ارتدت ليان القفازات السوداء بمهارة، وكانت على الصينية ثلاثون سوارًا من اليشم، جميعها من القطع الفاخرة.

"نعم، أعمل هنا منذ عامين. أي لون تفضلين يا سيدة ليلى؟"

تفاجأ شوقي بعض الشيء من معرفة الاثنتين بعضهما.

جالت عينا ليلى على الأساور بلا اهتمام، وبدا عليها الفتور، وكأن هذه الأساور التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات لا تساوي شيئًا في نظرها.

"أخبريني عن كل واحد منها، فهذا عملكِ على أي حال، أليس كذلك؟"

ما إن قالت ليلى ذلك حتى شعر شوقي بأن الأجواء أصبحت متوترة بعض الشيء.

أما ليان، فبدأت تشرح لها بجدية، واستغرقت في ذلك أربعين دقيقة كاملة.

كانت ليلى بارعة في الضغط على الآخرين؛ فعندما كانت ليان تشرح لها بجدية، لم تبدُ مهتمة كثيرًا، وكانت تستدعي أحد الخدم من حين إلى آخر لتتحدث معه.

وكانت ليان تضطر إلى التوقف بين الحين والآخر، ثم تتابع شرحها.

رن جرس الباب، فرفعت ليلى يدها لتقاطع شرح ليان، ثم ذهبت بنفسها لفتح الباب.

وسُمع من الخارج صوت طفلة تقول: "أمي، أخذني أبي اليوم لركوب مهر صغير."

تبع ذلك صوت خالد، بنبرة تحمل شيئًا من التدليل: "كانت هناك طفلة مشاغبة أصرت على الذهاب."

كان يرتدي اليوم ملابس عادية، قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا أسود، وقد رفع أكمام قميصه قليلًا، فبدت خطوط ذراعيه انسيابية وواضحة. وبعد أن تخلّى عن شيء من حدّته المعتادة، بدا وكأنه عاد إلى أكثر مراحل شبابه حيويةً وانطلاقًا.

أشاحت ليان بنظرها، وظلت تمسك بهدوء بالسوار الذي كانت تنتظر أن تشرحه.

لكن ليلى بدت وكأنها نسيت أمر ما يجري هنا تمامًا.

إلى أن سأل خالد: "هل لدينا ضيوف في المنزل؟"

عندها تذكرت أنها تركت ليان وشوقي ينتظرانها دون اهتمام طوال عشر دقائق كاملة، فقالت: "نعم، ألم تطلب مني أن أختار سوارًا لأمي؟ لم أتوقع أن تأتي ليان بنفسها لتعرض علينا بضائعها، وقد تفاجأت بذلك حقًا."

انكمشت أطراف أصابع ليان قليلًا، وأدركت أخيرًا سبب عدم ارتياحها تجاه ليلى. فعلى الرغم من أن ليلى لم تفعل لها شيئًا قط، فإن كلامها وتصرفاتها كانا يجعلان ليان تشعر بالدونية دائمًا، وكأن هذا العمل المحترم الذي تقوم به لا يرقى إلى مستواهم في نظرهم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   28

    ابتسمت بسخرية وقالت: "إذًا، انتظر حتى يأتي يوم الطلاق وتصل الأمور إلى المحكمة. فبطباعها هذه، ستنتزع منك كل ما تستطيع."غضب رامي بشدة وقال: "ليان، ألا يمكنكِ أن تتمني لنا الخير ولو قليلًا؟ على أي حال، أنا أخوكِ، ولا أريد أن أوبخكِ بمجرد أن أراكِ. انتظري حتى يأتي والدانا."لكنها لم تكن تريد الانتظار،

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   27

    اصعدي إلى السيارةتوجهت ليان إلى العيادة وفقًا للعنوان الذي أعطتها إياه شروق، واستقلت سيارة أجرة حتى وصلت إلى هناك.وما إن دخلت من الممر، حتى اصطدمت بشخص أمامها، فتراجعت عدة خطوات إلى الخلف من شدة الاصطدام. وفوق رأسها مباشرةً، جاءها صوت شقيقها رامي: "ليان؟"تجمدت ليان في مكانها، وخفضت رأسها دون وعي،

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   26

    كانت تعرف أن خالد ضمن قائمة أصدقائها.ورغم ذلك، لم يتبادلا أي حديث طوال السنوات الأربع الماضية....كان منزل شروق يقع بجوار منزل ليان مباشرةً، لذا عندما عادت لإحضار بعض الأشياء، فمن الطبيعي أن تلتقي بأفراد عائلتها.وكان لا يزال أمامهما نحو ثلاثين دقيقة من الطريق الجبلي للوصول إلى المنزل، وعادةً ما ك

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   25

    خالد، لا تتلاعب بمشاعرهاتلاشت تلك المزحة مع هبوب الرياح، حتى إن السيدة رجاء نسيت كيف مازحت خالد بشأنها في ذلك الوقت.لكنها لا تزال تتذكر حتى الآن تلك الجملة التي قالها خالد.ولأنها ما زالت تتذكرها، فقد نصحته الآن قائلة: "خالد، لا تتلاعب بمشاعرها، أرى أن ليان تناسبك كأخت صغيرة أكثر."لم يكن السبب أن

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   24

    قالت شروق: "أخي لا يدخن.""أجل، لكن هذا كل ما لدي الآن، فهو في النهاية أنقذ حياتي."قالها خالد وكأنه يهمس لنفسه.ظلت شروق تحدّق فيه بحذر، ولم تفهم ما الذي ينوي فعله.لكن خالد استدار واتجه نحو مكان بعيد.وعندما مرّ بجوار ليان، توقف لبضع ثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال: "يبدو أنكِ ما زلت

  • قطعت الفتاة المطيعة علاقتها به... فأصبح مهووسًا بها   23

    يبدو أنكِ ما زلتِ وفية لحبكِ.كادت السيدة رجاء تفقد وعيها من شدة الغضب، وقالت: "أنا لا أمزح معك، كانت ليان تتحدث معي عبر الهاتف قبل قليل، ثم انقطع صوتها فجأة."راح خالد يتصفح المستندات التي في يده على مهل، وكان أثر الصفعة على خده لا يزال يؤلمه بشكل خفيف، بينما بدأت قشرة تغطي جرح شفتيه، لكنه كان لا ي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status