Share

٦

Author: Hana
last update publish date: 2026-09-29 03:19:37

الفصل السادس

اعتقدت ليان أن الليلة الأولى بعد الزواج ستكون أسوأ ليالي حياتها. ارتدت ثوب النوم الطويل الذي وجدته على السرير، وجلست فوق الفراش شاحبةً متصلبة، تحمل بين يديها سكيناً صغيراً سرقته من صينية العشاء، وتحدّق في الباب كأنها تنتظر وحشاً.

مرّت الساعة الأولى، ثم الثانية، ولم يأتِ أحد. عند منتصف الليل سمعت طرقة خفيفة على الباب، فقفزت وأخفت السكين خلف ظهرها.

«ادخل.»

لكن من دخل لم يكن زيدان، بل أم فدوى تحمل صينية عليها كوب من المرمر وفيه شراب دافئ برائحة القرفة.

«السيد قال إنك لم تتناولي عشاءك يا ابنتي. هذا يهدئ الأعصاب.»

«أين هو؟»

«في غرفته آخر الرواق. أمر ألا يزعجك أحد، وأن ننقل أغراضه إلى الجناح الآخر. قال إن هذه الغرفة لك وحدك.»

حدّقت ليان فيها بدهشة. نزلت ذراعها ببطء وانزلق السكين على الفراش. ما كانت تتوقع هذا، فقد كانت تستعد لصراعٍ عنيف، لا لصمتٍ يشبه الاحترام.

في الفجر خرجت إلى الشرفة المطلة على البحر، تلتحف شالاً ثقيلاً. وجدت هناك على المقعد الخشبي سلةً صغيرة من القش، وفيها كتاب مغلّف بورق بني. فتحته بفضول، فإذا هو ديوان قديم لشاعر تحبه، اشترته أمها لها في طفولتها وضاع مع بقية أغراضها حين تشرّد البيت بعد وفاة أبيها. انحبس نفسها. كيف عرف؟ كيف عثر عليه؟

أطبقت الغلاف بعنف. لا. لن تسمح لأي كتاب أن يرشوها.

لكنها لم ترمِه.

في الأيام التالية تحوّل القصر إلى ساحة معركة صامتة. كلما دخلت قاعة الطعام غادرها زيدان أو تركها، وكلما جلست في الحديقة وجدت على الطاولة الحجرية شيئاً جديداً: شال من الصوف الناعم في الصباح البارد، ثمار توت بري لم تذقها منذ طفولتها، أقلام رصاص ودفتر رسم بعدما ذكرت مرة عابرة لأم فدوى أنها كانت ترسم.

أخذت ترفض كل شيء بعناد. تدفع الأطباق بعيداً، وتترك الهدايا في أماكنها حتى تذبل، وحين التقته مصادفةً على الدرج قالت له بنبرة مسمومة:

«توقف عن هذا. أنت لا تفهم أن الرشوة لا تُغيّر شيئاً.»

«ليست رشوة.»

«ماذا تسميها إذن؟»

«محاولة.»

«محاولة ماذا؟»

«أن أجعلك تبتسمين مرةً واحدة. مرةً تكون فيها الابتسامة لك لا لي.»

تجمدت في مكانها، وفتحت فمها لتجيب بشيءٍ لاذع، لكن الكلمات ماتت في حلقها. رأى ارتباكها، فمدّ يده كأنه سيلمس وجنتها، ثم أنزلها فجأةً كأنه تذكّر وعده.

«طابت ليلتك يا ليان.»

وصعد الدرج تاركاً إياها ترتجف، لا من الخوف هذه المرة، بل من شعورٍ غريب جعلها تكره نفسها أكثر مما تكرهه.

في الليلة السابعة حدث ما لم يكن في الحسبان. استيقظت على صوت زجاج يتحطم في الطابق السفلي، ثم صرخات مكتومة وطلقات متتابعة. قفزت من فراشها وفتحت الباب بيدين ترتعشان، فاصطدمت بصدرٍ صلب.

«إلى الخلف! ادخلي!»

كان زيدان، بوجهٍ متجهم ومسدسٍ في يده، وقميصه ملطخ بغبار الجدران. دفعها إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وقفل النافذة بيده الحرة.

«ماذا يحدث؟ من هؤلاء؟»

«رجال ماهر. اخترقوا الحديقة الشرقية. لا تتحركي من هنا، ولا تفتحي لأحد سواي.»

«زيدان!»

التفت مندهشاً، فقد ناداته باسمه لأول مرة. ارتبكت هي نفسها، ثم قالت بصوتٍ مخنوق:

«لا تمُت.»

لم تعرف من أين خرجت الكلمتان. رأت شيئاً يومض في عينيه، ولمحةً من ابتسامةٍ مائلة.

«لا أخطط لذلك.»

خرج وأقفل الباب، وسمعت ليان خطواته تبتعد نحو الطلقات. جلست على الأرض خلف السرير، ووضعت يديها على أذنيها. مرّت عشرون دقيقة كأنها عشرون عاماً، وحين عمّ الصمت أخيراً ظلت متجمدة، لا تجرؤ على النهوض.

ثم سمعت طرقةً خافتة:

«ليان، افتحي. أنا.»

فتحت الباب فوجدته واقفاً وقد انتشرت على كتفه بقعةٌ داكنة تتسع. اتسعت عيناها ذعراً:

«أنت مصاب!»

«خدشٌ لا أكثر. رجالي نظّفوا المكان. أردت فقط أن أطمئنك.»

«اجلس! أم فدوى! أحضروا الطبيب!»

«ليان، هدّئي نفسك.»

لكنها كانت قد سحبته إلى الأريكة وفتحت قميصه بأصابعٍ مضطربة، ورأت الجرح: طلقة أصابت الكتف وخرجت منه. أحضرت خرقة نظيفة وضغطت على الجرح بكل قوتها. تألم بصمت، ثم رفع يده وأمسك بيدها المرتجفة:

«أنتِ تكرهينني، تذكرين؟»

ارتبكت وسحبت يدها، وتمتمت وهي تنظر إلى الدم:

«أكرهك. لكنني لا أريد أن يموت أحدٌ بسببي.»

ابتسم رغم الألم:

«هذا يكفيني الليلة.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قيد من ذهب   ٢٠

    الفصل العشرونصدر الحكم في يومٍ ربيعي مشمس، بعد ثمانية أشهر من التحقيقات والجلسات. أُدين ماهر الشريف بالسجن المؤبد بتهمة القتل والاتجار بالسلاح، وحُكم على كمال بخمسة عشر عاماً، وسقطت شبكة كاملة من الفاسدين في الميناء. أما زيدان المنصوري، فقد قرر القاضي، مراعاةً لاعترافه وتعاونه وتسليمه الأدلة، أن يقضي ثمانية عشر شهراً في السجن، لا أكثر، مع منعه من الاتجار بأي مواد محظورة بعد خروجه.وقفت ليان في القاعة تسمع الحكم، وفي يدها أمها التي كانت تشد على أصابعها بحنان. لم تبكِ. ابتسمت فقط، ابتسامةً هادئة أمام عيني زيدان، وقالت بشفتيها ما لا يسمعه غيره: «سأنتظرك».مرت الأشهر الثمانية عشر ببطء. زارته كل أسبوع، وتحدثا عن الأشياء الصغيرة: عن هادي الذي بدأ يتعلم الرسم، وعن سلمى التي دعتها إلى عرسها، وعن الكتب التي تقرؤها، وعن الجامعة التي رفعت اسمها في قائمة المتفوقين. لم يتحدثا عن الحب. كانا يعرفان أنه ينمو على مهلٍ كشجرةٍ تُغرَس بعد عاصفة.وحين انتهى العام الثاني من دراستها، تخرجت ليان بدرجة الامتياز. وقفت على المنصة في ثوب التخرج الأسود، وصفّق لها الحضور، وفي الصف الأول جلست أمها وهادي وأم فدوى ا

  • قيد من ذهب   ١٩

    الفصل التاسع عشرلم تكد الجلسة الأولى تقترب حتى عاد الخطر من حيث لم يتوقعه أحد. في ليلةٍ مطيرة، وبينما كانت ليان تراجع دروسها في غرفتها، وصل إلى هاتفها رقمٌ مجهول. ترددت ثم ردّت.«مساء الخير يا سيدة المنصوري.» كان الصوت بارداً كالصقيع. «أظنك تذكرين كمال.»تجمدت الدماء في عروقها. كمال، الذراع اليمنى لماهر، الذي ظنّته في السجن.«كيف...»«لم ينتهِ كل شيء بعد. ماهر في زنزانته، لكن أصدقاءه في الخارج. وتلك الأوراق التي تحملينها في خزانتك، ورّطتنا جميعاً. إن سلّمتها للقاضي فسيدفع أخوك الثمن. وأمك أيضاً.»«لن أسلّمك شيئاً!»«بل ستسلمينها الليلة. عند الساعة الثانية عشرة على الرصيف القديم. وإن اتصلتِ بالشرطة، فتخيّلي من سيموت أولاً.»أغلق الخط. ظلت ليان واقفةً بلا حراك، والهاتف يرتجف في يدها. كان صوت المطر على النافذة يزداد جنوناً. ركضت إلى غرفة هادي فوجدته نائماً، ثم إلى غرفة أمها فوجدتها تغط في نومٍ عميق. تنفست بارتياح لحظةً ثم فكّرت: هم يعرفون العنوان. ربما يراقبون البيت الآن.أطلّت من خلف الستار فرأت عند زاوية الشارع سيارةً رمادية بمصابيح مطفأة، ولمحت شرارة سيجارةٍ تشتعل ثم تنطفئ. خفق قلبها

  • قيد من ذهب   ١٨

    الفصل الثامن عشررأت ليان زيدان بعد ثلاثة أسابيع، خلف زجاجٍ سميك وهاتفٍ معلّق بحبل، في قاعة زيارات باردة تفوح منها رائحة المعقمات. جلست على الكرسي المعدني ويداها تعبثان بحزام حقيبتها، وحين فُتح الباب الحديدي المقابل ودخل رجلٌ بزيّ الموقوفين الرمادي، ظنّت لحظةً أن قلبها سيقفز من ضلوعها.كان قد نحل قليلاً، وشحب وجهه، لكن عينيه الرماديتين بقيتا على حالهما: حادتين، هادئتين، لا تكسرهما القضبان. جلس أمامها ورفع الهاتف.«ما كان ينبغي أن تأتي.»«وما كان ينبغي أن تسلّم نفسك دون أن تخبرني.»«لو أخبرتك لما تركتني أفعل.»«بالطبع لا.»ساد صمتٌ قصير. تأملته ببطء: الندبة على صدغه، وكتفه الذي ما يزال يتحرك بحذر، وأصابعه الطويلة المعقودة على حافة الطاولة. قالت:«قرأتُ رسالتك.»«لم أكن أقصد...»«أنت ما زلت تقرر عني. تقرر متى أبقى ومتى أرحل، ومتى أعرف ومتى لا أعرف. ألا تتعلم؟»عضّ شفته السفلى:«أخطأت. أعرف أنني أخطأت. لم أستطع أن أراك تنتظرين رجلاً قد لا يخرج.»«وهل سألتني إن كنت أريد أن أنتظر؟»سكت، ثم أجاب بصدقٍ مؤلم:«لا. لم أسألك.»«حسناً. أنا أسألك الآن. ما الذي تريده حقاً؟»رفع عينيه إليها ببطء، و

  • قيد من ذهب   ١٧

    الفصل السابع عشرعادت ليان إلى بيتها القديم في حي الصفصاف بعد أسبوع، لكن البيت لم يكن هو نفسه. كان زيدان قد استأجر لأمها شقةً أوسع في عمارةٍ هادئة قرب الجامعة، بحديقةٍ صغيرة ودرجٍ نظيف، وفرشها بما يليق بامرأةٍ مريضة تحتاج إلى راحة. لم تكن ليان تريد أن تقبل، لكنها لم تجد في نفسها القوة لتقترح غيرها، فحملت حقيبتها ودخلت.استقبلتها أمها بدموعٍ لا تنتهي، وعانقتها طويلاً، ثم أجلستها إلى جوارها على الأريكة وأمسكت وجهها بين يديها الرقيقتين.«حدّثيني بكل شيء يا ابنتي. لقد أخفيتِ عني الكثير.»وحدّثتها ليان. من فنجان الشاي المكسور إلى الزواج القسري، ومن القبو المظلم إلى الرصيف السابع. لم تخفِ شيئاً، ولم تجمّل كلمة. حين انتهت كانت الشمس قد مالت نحو المغيب، وأمها تنظر إليها بصمتٍ طويل وعينين مبتلتين.«وأنتِ؟ ماذا تشعرين نحوه؟»«لا أعرف يا أمي. أكرهه لأنه أخذ مني الاختيار. وأحبه...» توقفت وقد ارتعشت شفتها. «لا. لا أعرف. كيف يمكن للمرء أن يحب من خطفه؟»ابتسمت الأم بحزنٍ حكيم:«الحب الذي يولد من القيد يا ابنتي لا يصلح أن يُسمى حباً حتى يفتح صاحبه القيد بيده. وقد فتحه.»«وأنا لا أريد أن أُسامحه بهذه

  • قيد من ذهب   ١٦

    الفصل السادس عشراستيقظ زيدان في مستشفى خاص بعد ثلاثة أيام، والضوء الأبيض يخترق جفنيه، وصوت أجهزة متقطع يملأ الغرفة. أول ما رآه كان رشدي جالساً قرب السرير، وجهه مثقل بالسهر، وذراعه في جبيرة.«ماهر؟»«في السجن، ومعه كمال وعشرة من رجاله. النيابة تحقق في التسجيل، ويبدو أنه يكفي لإدانتهم بالمؤبد.»«وليان؟»«أخوها وأمها بخير. وهي...» تردد رشدي.«ماذا؟»«تجلس على الكرسي الذي أجلس عليه الآن كل ليلة. غادرت قبل ساعة لتأخذ حماماً وتنام قليلاً. أجبرتها أم فدوى.»أغمض زيدان عينيه وأسند رأسه إلى الوسادة. كانت راحةٌ عميقة تتسلل إلى صدره لأول مرة منذ سنين. لكن رشدي لم يرحل، بل نظر إليه بجدية:«سيدي، هل ما سمعته صحيح؟ أنك ستسلّم الأوراق كلها؟»«نعم.»«ستُسجَن. حتى لو كان القضاء رحيماً، ستقضي سنوات.»«أعلم.»«ولن تخبرها؟»«سأخبرها حين تحين اللحظة.»وقبل حضور ليان بساعة جاء هادي برفقة والدته، وقد ارتدى قميصاً نظيفاً وأمسك بيده رسماً ملفوفاً. وقف عند الباب متردداً، ثم اقترب بخطواتٍ صغيرة ووضع الرسم على الغطاء دون كلمة. كان يمثل رجلاً طويلاً بسترةٍ سوداء يحمل طفلاً على كتفيه فوق بحرٍ أزرق. «هذا أنت. حين

  • قيد من ذهب   ١٥

    الفصل الخامس عشركان الرجل الذي وقف أمامها لا يشبه زيدان المنصوري الذي عرفته في القصر. ثيابه ممزقة ومبتلّة، وعلى وجهه سوادٌ ودم، وعيناه محتقنتان من الدخان، لكنه كان حيّاً. أمسك بها من كتفيها وضمّها إلى صدره بقوةٍ كادت تعتصر ضلوعها.«الحمد لله. الحمد لله.» كرّر الكلمات مراراً في شعرها المبلل كأنه يصلي.«كيف وصلت؟»«لاحقت الزورق بكل ما أملك. حين رأيتُ الضوء الأصفر عند الفجر عرفت أنه اليخت.»«وكيف أقنعت خفر السواحل؟»«لم أقنعهم. رشدي فعل، حين وصله الصوت الأول عبر إشارة السوار قبل أن ينقطع. وهذه أول مرة في حياتي أتصل فيها بالسلطات وأنا أرتجف من الفرح لا من الخوف.»ابتسمت رغماً عنها وسط الدخان، ثم عبست:«أرتجف؟ أنت؟»«منذ الرصيف. لم أرتجف هكذا حتى في جنازة أبي.»«ماهر... ماهر قال إنه سيقتلنا معاً.»«لن يقتل أحداً بعد اليوم. هيا، النار تمتد.»جذبها من معصمها وركضا معاً في الممر المظلم. كان الدخان يلسع عيونهما، وأصوات الانفجارات الصغيرة تتردد من الأسفل، حيث خزانات الوقود. صعدا سلماً معدنياً ضيقاً نحو السطح، فوجدا الفوضى كلها هناك: رجال ماهر يقاتلون رجال رشدي بين كتل الدخان، وزوارق خفر السواح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status