Share

٧

Author: Hana
last update publish date: 2026-09-29 03:19:46

الفصل السابع

جاء الطبيب بعد نصف ساعة، عجوزٌ صموت يعمل لحساب العائلة منذ زمن، فنظّف الجرح وخاطه وأمر زيدان بالراحة أسبوعاً كاملاً. ضحك زيدان ضحكة قصيرة وقال إنه لا يعرف معنى الراحة. لكنه اضطر إلى الالتزام بها حين أصرّت أم فدوى بلهجة الأم الصارمة، وحين دخلت ليان الغرفة ووقفت عند الباب وذراعاها معقودتان.

«لن أدعك تتحرك من السرير غداً.»

رفع حاجبه مندهشاً:

«من قال إنكِ مسؤولة عن راحتي؟»

«أنا. لأنك أُصبتَ وأنا في بيتك. لا أريد ضميراً يؤنبني إن مِتَّ من الإهمال.»

«يا لها من شفقة.»

«ليست شفقة. هي حساب.»

وعلى مدى أيامٍ متتالية، كانت تدخل إلى جناحه صباحاً تحمل الدواء والطعام وتضعهما على الطاولة دون كلمة زائدة، ثم تخرج. أما هو فلم يحاول أن يستبقيها. تعلّم أن الجيوش لا تُهزم بالضغط، بل بالصبر. كان يتظاهر بالنوم كلما دخلت، ليتيح لها أن تنظر إليه دون أن يشعر أنها مراقَبة.

في اليوم الخامس، دخلت وقد ارتدت ثوباً بنفسجياً بسيطاً، وشعرها مفكوك على غير عادتها. وضعت الصينية وقالت بنبرة جافة:

«أمك. أعني، أمي. سمحتَ لي بأن أزورها؟»

رفع نظره:

«ذهب رشدي بالأمس لينقلها إلى المستشفى الجديد. يمكنك أن تحدّثيها الآن هاتفياً.»

مدّ لها هاتفاً صغيراً، ففتحت عينيها. ارتجفت أصابعها وهي تضغط الأزرار، وحين ردّ عليها الصوت الضعيف المألوف: «ليان؟ يا ابنتي؟»، انفجرت بالبكاء دفعةً واحدة، وجلست على الأرض تضم الهاتف إلى صدرها.

«أمي... أنا بخير. لا تقلقي. هل أنتِ بخير؟»

استمعت طويلاً وهي تمسح دموعها، ثم قالت بصوتٍ تخنقه العبرة:

«نعم، تزوجت. لا، ليس كما تظنين. سأخبرك حين أراكِ... أعدك.»

حين أنهت المكالمة ظلت جالسةً دون حراك. مسح زيدان حلقه بخفّة وقال:

«ستزورينها غداً. سيرافقك رشدي.»

رفعت وجهها المبلل نحوه، وللمرة الأولى لم تجد في ملامحها حقداً خالصاً. وجدت امتناناً يتصارع مع الكبرياء.

«شكراً.»

نطقتها كمن ينتزع سناً من فمه. ثم أضافت مسرعةً:

«لا تظن أنني غفرت لك. أنا أشكرك على هذا وحده.»

«يكفيني أن تشكريني على أي شيء.»

في اليوم التالي رأت ليان أمها في غرفةٍ فسيحة مفروشة بالأزرق، وبجانبها ممرضة تبتسم. بكت الأم وعانقتها طويلاً، وسألتها عن الزواج فأجابت بتحفظ وكذبةٍ رقيقة: «الأمر صعب يا أمي، لكنه يعاملني باحترام». لم تقل لها إنه خطفها، ولم تقل إنها لا تنام إلا وقفل الباب يلتف في ذاكرتها.

وفي طريق العودة، حين توقفت السيارة أمام إشارة حمراء، لمحت من النافذة رجلاً واقفاً على الرصيف المقابل يحدّق في سيارتهم. كان يرتدي معطفاً بنياً ويضع قبعةً تخفي نصف وجهه. عندما التقت أعينهما ابتسم ابتسامة غريبة، ورفع يده يشير إليها بإشارةٍ لم تفهمها، ثم اختفى بين الحشود.

«رشدي، من هذا الرجل؟»

«أي رجل؟»

«الذي كان يقف هناك. ألم ترَه؟»

نظر رشدي في المرآة وقطّب:

«لم أرَ أحداً يا سيدتي. لعلك تتوهمين.»

لكن ليان لم تتوهم. عادت إلى القصر بقلبٍ قلق، وفي ذلك المساء وجدت على طاولة الغرفة ظرفاً أسود لم يكن هناك. فتحته بأصابع ترتعش، فخرجت منه صورة قديمة: صورة أبيها سعد الدين واقفاً أمام بناءٍ عالٍ إلى جوار رجلين، أحدهما رجل تعرفه، ويده على كتف أبيها بابتسامة ودود. كان ذلك الرجل هو والد زيدان المنصوري.

قلبت الصورة، فوجدت على ظهرها سطراً واحداً بخطٍّ مائل: «سألتِ يوماً لماذا مات أبوك في ذلك الحادث. اسألي زوجك».

سقطت الصورة من يدها وتهاوت على الأرض. حدّقت في السطر بوجهٍ ذاهل، وأخذت الأسئلة تتزاحم في رأسها كأمواج عاصفة. هل يعرف زيدان؟ هل كان يعرف منذ البداية؟ هل تلك النظرة الأولى التي حسبتها حباً كانت شيئاً آخر؟

سمعت باب الغرفة يُفتح. كان زيدان واقفاً هناك بذراعٍ معلّقة وقميصٍ أبيض، يحمل شمعدانين مضيئين، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة متعبة.

«أردت أن أدعوك إلى العشاء على الشرفة. أم فدوى...»

توقف عن الكلام حين رأى وجهها والصورة على الأرض. تراجعت ليان خطوةً وقالت بصوتٍ متشقق:

«كنتَ تعرف، أليس كذلك؟»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قيد من ذهب   ٢٠

    الفصل العشرونصدر الحكم في يومٍ ربيعي مشمس، بعد ثمانية أشهر من التحقيقات والجلسات. أُدين ماهر الشريف بالسجن المؤبد بتهمة القتل والاتجار بالسلاح، وحُكم على كمال بخمسة عشر عاماً، وسقطت شبكة كاملة من الفاسدين في الميناء. أما زيدان المنصوري، فقد قرر القاضي، مراعاةً لاعترافه وتعاونه وتسليمه الأدلة، أن يقضي ثمانية عشر شهراً في السجن، لا أكثر، مع منعه من الاتجار بأي مواد محظورة بعد خروجه.وقفت ليان في القاعة تسمع الحكم، وفي يدها أمها التي كانت تشد على أصابعها بحنان. لم تبكِ. ابتسمت فقط، ابتسامةً هادئة أمام عيني زيدان، وقالت بشفتيها ما لا يسمعه غيره: «سأنتظرك».مرت الأشهر الثمانية عشر ببطء. زارته كل أسبوع، وتحدثا عن الأشياء الصغيرة: عن هادي الذي بدأ يتعلم الرسم، وعن سلمى التي دعتها إلى عرسها، وعن الكتب التي تقرؤها، وعن الجامعة التي رفعت اسمها في قائمة المتفوقين. لم يتحدثا عن الحب. كانا يعرفان أنه ينمو على مهلٍ كشجرةٍ تُغرَس بعد عاصفة.وحين انتهى العام الثاني من دراستها، تخرجت ليان بدرجة الامتياز. وقفت على المنصة في ثوب التخرج الأسود، وصفّق لها الحضور، وفي الصف الأول جلست أمها وهادي وأم فدوى ا

  • قيد من ذهب   ١٩

    الفصل التاسع عشرلم تكد الجلسة الأولى تقترب حتى عاد الخطر من حيث لم يتوقعه أحد. في ليلةٍ مطيرة، وبينما كانت ليان تراجع دروسها في غرفتها، وصل إلى هاتفها رقمٌ مجهول. ترددت ثم ردّت.«مساء الخير يا سيدة المنصوري.» كان الصوت بارداً كالصقيع. «أظنك تذكرين كمال.»تجمدت الدماء في عروقها. كمال، الذراع اليمنى لماهر، الذي ظنّته في السجن.«كيف...»«لم ينتهِ كل شيء بعد. ماهر في زنزانته، لكن أصدقاءه في الخارج. وتلك الأوراق التي تحملينها في خزانتك، ورّطتنا جميعاً. إن سلّمتها للقاضي فسيدفع أخوك الثمن. وأمك أيضاً.»«لن أسلّمك شيئاً!»«بل ستسلمينها الليلة. عند الساعة الثانية عشرة على الرصيف القديم. وإن اتصلتِ بالشرطة، فتخيّلي من سيموت أولاً.»أغلق الخط. ظلت ليان واقفةً بلا حراك، والهاتف يرتجف في يدها. كان صوت المطر على النافذة يزداد جنوناً. ركضت إلى غرفة هادي فوجدته نائماً، ثم إلى غرفة أمها فوجدتها تغط في نومٍ عميق. تنفست بارتياح لحظةً ثم فكّرت: هم يعرفون العنوان. ربما يراقبون البيت الآن.أطلّت من خلف الستار فرأت عند زاوية الشارع سيارةً رمادية بمصابيح مطفأة، ولمحت شرارة سيجارةٍ تشتعل ثم تنطفئ. خفق قلبها

  • قيد من ذهب   ١٨

    الفصل الثامن عشررأت ليان زيدان بعد ثلاثة أسابيع، خلف زجاجٍ سميك وهاتفٍ معلّق بحبل، في قاعة زيارات باردة تفوح منها رائحة المعقمات. جلست على الكرسي المعدني ويداها تعبثان بحزام حقيبتها، وحين فُتح الباب الحديدي المقابل ودخل رجلٌ بزيّ الموقوفين الرمادي، ظنّت لحظةً أن قلبها سيقفز من ضلوعها.كان قد نحل قليلاً، وشحب وجهه، لكن عينيه الرماديتين بقيتا على حالهما: حادتين، هادئتين، لا تكسرهما القضبان. جلس أمامها ورفع الهاتف.«ما كان ينبغي أن تأتي.»«وما كان ينبغي أن تسلّم نفسك دون أن تخبرني.»«لو أخبرتك لما تركتني أفعل.»«بالطبع لا.»ساد صمتٌ قصير. تأملته ببطء: الندبة على صدغه، وكتفه الذي ما يزال يتحرك بحذر، وأصابعه الطويلة المعقودة على حافة الطاولة. قالت:«قرأتُ رسالتك.»«لم أكن أقصد...»«أنت ما زلت تقرر عني. تقرر متى أبقى ومتى أرحل، ومتى أعرف ومتى لا أعرف. ألا تتعلم؟»عضّ شفته السفلى:«أخطأت. أعرف أنني أخطأت. لم أستطع أن أراك تنتظرين رجلاً قد لا يخرج.»«وهل سألتني إن كنت أريد أن أنتظر؟»سكت، ثم أجاب بصدقٍ مؤلم:«لا. لم أسألك.»«حسناً. أنا أسألك الآن. ما الذي تريده حقاً؟»رفع عينيه إليها ببطء، و

  • قيد من ذهب   ١٧

    الفصل السابع عشرعادت ليان إلى بيتها القديم في حي الصفصاف بعد أسبوع، لكن البيت لم يكن هو نفسه. كان زيدان قد استأجر لأمها شقةً أوسع في عمارةٍ هادئة قرب الجامعة، بحديقةٍ صغيرة ودرجٍ نظيف، وفرشها بما يليق بامرأةٍ مريضة تحتاج إلى راحة. لم تكن ليان تريد أن تقبل، لكنها لم تجد في نفسها القوة لتقترح غيرها، فحملت حقيبتها ودخلت.استقبلتها أمها بدموعٍ لا تنتهي، وعانقتها طويلاً، ثم أجلستها إلى جوارها على الأريكة وأمسكت وجهها بين يديها الرقيقتين.«حدّثيني بكل شيء يا ابنتي. لقد أخفيتِ عني الكثير.»وحدّثتها ليان. من فنجان الشاي المكسور إلى الزواج القسري، ومن القبو المظلم إلى الرصيف السابع. لم تخفِ شيئاً، ولم تجمّل كلمة. حين انتهت كانت الشمس قد مالت نحو المغيب، وأمها تنظر إليها بصمتٍ طويل وعينين مبتلتين.«وأنتِ؟ ماذا تشعرين نحوه؟»«لا أعرف يا أمي. أكرهه لأنه أخذ مني الاختيار. وأحبه...» توقفت وقد ارتعشت شفتها. «لا. لا أعرف. كيف يمكن للمرء أن يحب من خطفه؟»ابتسمت الأم بحزنٍ حكيم:«الحب الذي يولد من القيد يا ابنتي لا يصلح أن يُسمى حباً حتى يفتح صاحبه القيد بيده. وقد فتحه.»«وأنا لا أريد أن أُسامحه بهذه

  • قيد من ذهب   ١٦

    الفصل السادس عشراستيقظ زيدان في مستشفى خاص بعد ثلاثة أيام، والضوء الأبيض يخترق جفنيه، وصوت أجهزة متقطع يملأ الغرفة. أول ما رآه كان رشدي جالساً قرب السرير، وجهه مثقل بالسهر، وذراعه في جبيرة.«ماهر؟»«في السجن، ومعه كمال وعشرة من رجاله. النيابة تحقق في التسجيل، ويبدو أنه يكفي لإدانتهم بالمؤبد.»«وليان؟»«أخوها وأمها بخير. وهي...» تردد رشدي.«ماذا؟»«تجلس على الكرسي الذي أجلس عليه الآن كل ليلة. غادرت قبل ساعة لتأخذ حماماً وتنام قليلاً. أجبرتها أم فدوى.»أغمض زيدان عينيه وأسند رأسه إلى الوسادة. كانت راحةٌ عميقة تتسلل إلى صدره لأول مرة منذ سنين. لكن رشدي لم يرحل، بل نظر إليه بجدية:«سيدي، هل ما سمعته صحيح؟ أنك ستسلّم الأوراق كلها؟»«نعم.»«ستُسجَن. حتى لو كان القضاء رحيماً، ستقضي سنوات.»«أعلم.»«ولن تخبرها؟»«سأخبرها حين تحين اللحظة.»وقبل حضور ليان بساعة جاء هادي برفقة والدته، وقد ارتدى قميصاً نظيفاً وأمسك بيده رسماً ملفوفاً. وقف عند الباب متردداً، ثم اقترب بخطواتٍ صغيرة ووضع الرسم على الغطاء دون كلمة. كان يمثل رجلاً طويلاً بسترةٍ سوداء يحمل طفلاً على كتفيه فوق بحرٍ أزرق. «هذا أنت. حين

  • قيد من ذهب   ١٥

    الفصل الخامس عشركان الرجل الذي وقف أمامها لا يشبه زيدان المنصوري الذي عرفته في القصر. ثيابه ممزقة ومبتلّة، وعلى وجهه سوادٌ ودم، وعيناه محتقنتان من الدخان، لكنه كان حيّاً. أمسك بها من كتفيها وضمّها إلى صدره بقوةٍ كادت تعتصر ضلوعها.«الحمد لله. الحمد لله.» كرّر الكلمات مراراً في شعرها المبلل كأنه يصلي.«كيف وصلت؟»«لاحقت الزورق بكل ما أملك. حين رأيتُ الضوء الأصفر عند الفجر عرفت أنه اليخت.»«وكيف أقنعت خفر السواحل؟»«لم أقنعهم. رشدي فعل، حين وصله الصوت الأول عبر إشارة السوار قبل أن ينقطع. وهذه أول مرة في حياتي أتصل فيها بالسلطات وأنا أرتجف من الفرح لا من الخوف.»ابتسمت رغماً عنها وسط الدخان، ثم عبست:«أرتجف؟ أنت؟»«منذ الرصيف. لم أرتجف هكذا حتى في جنازة أبي.»«ماهر... ماهر قال إنه سيقتلنا معاً.»«لن يقتل أحداً بعد اليوم. هيا، النار تمتد.»جذبها من معصمها وركضا معاً في الممر المظلم. كان الدخان يلسع عيونهما، وأصوات الانفجارات الصغيرة تتردد من الأسفل، حيث خزانات الوقود. صعدا سلماً معدنياً ضيقاً نحو السطح، فوجدا الفوضى كلها هناك: رجال ماهر يقاتلون رجال رشدي بين كتل الدخان، وزوارق خفر السواح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status