LOGINفي قصرٍ فخم تُعقد فيه صفقات السلاح تحت جنح الظلام، تعمل ليان، ابنة الثامنة عشرة، خادمةً صامتة تخفي في جيب مئزرها ورقة دواء أمها المريضة. لا تطلب من الدنيا شيئاً سوى أن تمرّ الأيام دون أن تُصفع أو تُهان. وفي ليلةٍ عاصفة يدخل القصر زيدان المنصوري، أخطر رجال العالم السفلي وأبعدهم عن الرحمة، فتلتقي عيناه بعينيها على حافة فنجان قهوة، ويحدث ما لم يحدث له من قبل: يتوقف الرجل الذي لا يتوقف. لا يملك زيدان وقتاً للتردد. حين يكتشف أن شريكه في تجارة السلاح يخطط للغدر به، وأن الفتاة سمعت ما لا يجوز أن تسمعه، يخطفها من بين أنياب الموت إلى قصره المنيع، ثم يقيّدها باسمه في زواجٍ لم تختره. تكرهه ليان بكل ما فيها، فهو الرجل الذي سلبها بيتها وحريتها وصوتها، أما هو فلا يبالي بكراهيتها. يبالي فقط بأن تبقى حيّة، وبأن تلين يوماً. ومع كل ليلة تمرّ بينهما تتكشف وجوه جديدة. رجل يأمر فتُطأطأ الرؤوس، ثم يقف عند بابها حاملاً طبقاً من الحلوى التي تحبها. قاتلٌ بارد الأعصاب يجلس على طرف سريرها ليغطيها حين تنام. لكن الحب الذي يبدأ بالقيد يظل مثقلاً بالأسئلة: هل يمكن أن يكون الحارس هو السجّان؟ وهل تتحول الكراهية إلى شيءٍ آخر حين يقف صاحبها بينك وبين الرصاص؟ وفي الخلفية تتحرك عصابات تتربص، وأعداء قدامى يعدّون ثأرهم، وسرٌّ دفين يربط ماضي ليان بعالم زيدان أكثر مما تتخيل. رواية مشحونة بالتوتر والمطاردات والمواجهات، ينمو فيها الحنان ببطء وسط الدخان، وتُختبر فيها الحدود بين الحماية والأسر، وبين الانتقام والغفران، وبين القيد الذي يخنق والقيد الذي قد يصير، إن أرادت القلوب، من ذهب.
View Moreالفصل العشرونصدر الحكم في يومٍ ربيعي مشمس، بعد ثمانية أشهر من التحقيقات والجلسات. أُدين ماهر الشريف بالسجن المؤبد بتهمة القتل والاتجار بالسلاح، وحُكم على كمال بخمسة عشر عاماً، وسقطت شبكة كاملة من الفاسدين في الميناء. أما زيدان المنصوري، فقد قرر القاضي، مراعاةً لاعترافه وتعاونه وتسليمه الأدلة، أن يقضي ثمانية عشر شهراً في السجن، لا أكثر، مع منعه من الاتجار بأي مواد محظورة بعد خروجه.وقفت ليان في القاعة تسمع الحكم، وفي يدها أمها التي كانت تشد على أصابعها بحنان. لم تبكِ. ابتسمت فقط، ابتسامةً هادئة أمام عيني زيدان، وقالت بشفتيها ما لا يسمعه غيره: «سأنتظرك».مرت الأشهر الثمانية عشر ببطء. زارته كل أسبوع، وتحدثا عن الأشياء الصغيرة: عن هادي الذي بدأ يتعلم الرسم، وعن سلمى التي دعتها إلى عرسها، وعن الكتب التي تقرؤها، وعن الجامعة التي رفعت اسمها في قائمة المتفوقين. لم يتحدثا عن الحب. كانا يعرفان أنه ينمو على مهلٍ كشجرةٍ تُغرَس بعد عاصفة.وحين انتهى العام الثاني من دراستها، تخرجت ليان بدرجة الامتياز. وقفت على المنصة في ثوب التخرج الأسود، وصفّق لها الحضور، وفي الصف الأول جلست أمها وهادي وأم فدوى ا
الفصل التاسع عشرلم تكد الجلسة الأولى تقترب حتى عاد الخطر من حيث لم يتوقعه أحد. في ليلةٍ مطيرة، وبينما كانت ليان تراجع دروسها في غرفتها، وصل إلى هاتفها رقمٌ مجهول. ترددت ثم ردّت.«مساء الخير يا سيدة المنصوري.» كان الصوت بارداً كالصقيع. «أظنك تذكرين كمال.»تجمدت الدماء في عروقها. كمال، الذراع اليمنى لماهر، الذي ظنّته في السجن.«كيف...»«لم ينتهِ كل شيء بعد. ماهر في زنزانته، لكن أصدقاءه في الخارج. وتلك الأوراق التي تحملينها في خزانتك، ورّطتنا جميعاً. إن سلّمتها للقاضي فسيدفع أخوك الثمن. وأمك أيضاً.»«لن أسلّمك شيئاً!»«بل ستسلمينها الليلة. عند الساعة الثانية عشرة على الرصيف القديم. وإن اتصلتِ بالشرطة، فتخيّلي من سيموت أولاً.»أغلق الخط. ظلت ليان واقفةً بلا حراك، والهاتف يرتجف في يدها. كان صوت المطر على النافذة يزداد جنوناً. ركضت إلى غرفة هادي فوجدته نائماً، ثم إلى غرفة أمها فوجدتها تغط في نومٍ عميق. تنفست بارتياح لحظةً ثم فكّرت: هم يعرفون العنوان. ربما يراقبون البيت الآن.أطلّت من خلف الستار فرأت عند زاوية الشارع سيارةً رمادية بمصابيح مطفأة، ولمحت شرارة سيجارةٍ تشتعل ثم تنطفئ. خفق قلبها
الفصل الثامن عشررأت ليان زيدان بعد ثلاثة أسابيع، خلف زجاجٍ سميك وهاتفٍ معلّق بحبل، في قاعة زيارات باردة تفوح منها رائحة المعقمات. جلست على الكرسي المعدني ويداها تعبثان بحزام حقيبتها، وحين فُتح الباب الحديدي المقابل ودخل رجلٌ بزيّ الموقوفين الرمادي، ظنّت لحظةً أن قلبها سيقفز من ضلوعها.كان قد نحل قليلاً، وشحب وجهه، لكن عينيه الرماديتين بقيتا على حالهما: حادتين، هادئتين، لا تكسرهما القضبان. جلس أمامها ورفع الهاتف.«ما كان ينبغي أن تأتي.»«وما كان ينبغي أن تسلّم نفسك دون أن تخبرني.»«لو أخبرتك لما تركتني أفعل.»«بالطبع لا.»ساد صمتٌ قصير. تأملته ببطء: الندبة على صدغه، وكتفه الذي ما يزال يتحرك بحذر، وأصابعه الطويلة المعقودة على حافة الطاولة. قالت:«قرأتُ رسالتك.»«لم أكن أقصد...»«أنت ما زلت تقرر عني. تقرر متى أبقى ومتى أرحل، ومتى أعرف ومتى لا أعرف. ألا تتعلم؟»عضّ شفته السفلى:«أخطأت. أعرف أنني أخطأت. لم أستطع أن أراك تنتظرين رجلاً قد لا يخرج.»«وهل سألتني إن كنت أريد أن أنتظر؟»سكت، ثم أجاب بصدقٍ مؤلم:«لا. لم أسألك.»«حسناً. أنا أسألك الآن. ما الذي تريده حقاً؟»رفع عينيه إليها ببطء، و
الفصل السابع عشرعادت ليان إلى بيتها القديم في حي الصفصاف بعد أسبوع، لكن البيت لم يكن هو نفسه. كان زيدان قد استأجر لأمها شقةً أوسع في عمارةٍ هادئة قرب الجامعة، بحديقةٍ صغيرة ودرجٍ نظيف، وفرشها بما يليق بامرأةٍ مريضة تحتاج إلى راحة. لم تكن ليان تريد أن تقبل، لكنها لم تجد في نفسها القوة لتقترح غيرها، فحملت حقيبتها ودخلت.استقبلتها أمها بدموعٍ لا تنتهي، وعانقتها طويلاً، ثم أجلستها إلى جوارها على الأريكة وأمسكت وجهها بين يديها الرقيقتين.«حدّثيني بكل شيء يا ابنتي. لقد أخفيتِ عني الكثير.»وحدّثتها ليان. من فنجان الشاي المكسور إلى الزواج القسري، ومن القبو المظلم إلى الرصيف السابع. لم تخفِ شيئاً، ولم تجمّل كلمة. حين انتهت كانت الشمس قد مالت نحو المغيب، وأمها تنظر إليها بصمتٍ طويل وعينين مبتلتين.«وأنتِ؟ ماذا تشعرين نحوه؟»«لا أعرف يا أمي. أكرهه لأنه أخذ مني الاختيار. وأحبه...» توقفت وقد ارتعشت شفتها. «لا. لا أعرف. كيف يمكن للمرء أن يحب من خطفه؟»ابتسمت الأم بحزنٍ حكيم:«الحب الذي يولد من القيد يا ابنتي لا يصلح أن يُسمى حباً حتى يفتح صاحبه القيد بيده. وقد فتحه.»«وأنا لا أريد أن أُسامحه بهذه





