Share

الفصل 8

Penulis: فرح السكينة
كانت الريح العاتية تعصف، ووقفت سهى بثوب أبيض عند حافة الجرف، كأنها على وشك السقوط في أي لحظة. رفعت ريح البحر العاتية طرف فستانها، فبدت هشة رقيقة كورقة.

"سهى!" صاح إخوتها الثلاثة بقلق شديد. "عودي بسرعة!"

التفتت سهى، والدموع تملأ وجهها: "إخوتي، ساري، لا أستطيع فراقكم... لكن ليال لا تحتمل وجودي... وأنا على أي حال سأموت قريبا... فالأفضل أن أنهي كل شيء هنا، ولن أبقى أمام ليال لأضايقها أكثر..."

استدار الرجال الأربعة فورا، وحدقوا في ليال بغضب.

دفعها ساري إلى الأمام بيده، وقال: "ليال! تكلمي! أقنعيها بالعودة!"

نظرت ليال إلى هذه المهزلة في صمت، ولم تنطق بكلمة.

صرخ أخوها الأكبر راكان بغضب: "ألن ترضي إلا إذا دفعتها إلى الموت؟"

وحين رأت سهى أنها لا تتكلم، ازداد بكاؤها حدة. ثم استدارت فجأة، وقفزت نحو الهاوية بعزم قاطع.

"سهى!"

اندفع الرجال الأربعة في الوقت نفسه، وفي اللحظة الفاصلة أمسكوا معصمها.

وبعد أن سحبوها إلى الأعلى، ارتمت سهى في أحضانهم، تبكي بحرقة كأن قلبها يتمزق.

ضمها ساري بقوة إلى صدره، وكان صوته رقيقا إلى حد لا يصدق: "انتهى الأمر، انتهى... نحن هنا."

وربت إخوتها الثلاثة على ظهرها برفق: "لا تخافي. لن نسمح بأن يحدث لك شيء."

كانت سهى تنتحب في حضن ساري، ثم بعد لحظات أخذت تقاوم فجأة من جديد: "لا، اتركوني! دعوني أموت! ليال... ليال لا تقبل وجودي أصلا..."

وقالت ذلك وهي تحاول الاندفاع مرة أخرى نحو حافة الجرف، فسارع الرجال الأربعة إلى منعها.

"كفى!" استدار أخوها الثالث كنان وحدق في ليال بغضب، وعيناه ممتلئتان بالنار. "انظري إلى الحال التي دفعتها إليها!"

احتضن أخوها الثاني مهاب كتفي سهى المرتجفين بحنان وألم، وقال بصوت لطيف: "لا تخافي. ما دمنا هنا، فلن يستطيع أحد أن يطردك."

نظرت ليال إلى هذا المشهد في صمت، وارتسمت على زاوية شفتيها ابتسامة باردة.

كانت تعرف سهى أكثر من أي شخص. كانت تفعل الشيء نفسه في كل مرة: تتظاهر بالانتحار لتستدر عطفهم، وهم يقعون في الفخ دائما.

أمر أخوها الأكبر راكان بصوت بارد: "تعالوا، علقوا الآنسة ليال عند طرف الجرف لتراجع نفسها! دعوها تفهم جيدا أين أخطأت."

ومن زاوية لا يراها أحد، أرسلت سهى إلى ليال ابتسامة انتصار.

كانت تلك النظرة فاضحة لا لبس فيها، كأنها تقول: "ليال، لن تستطيعي أبدا أن تنافسيني."

تقدم الحراس على الفور، وربطوا ليال بحبل قنب خشن، ثم علقوها عند حافة الجرف. غاص الحبل عميقا في لحمها، لكنها لم تقطب حاجبيها حتى.

وعندما كان ساري يهم بالمغادرة، التفت إليها مرة واحدة. جعلته نظرة ليال الهادئة على نحو غير عادي يرتجف في قلبه لسبب لا يفهمه. لكن سهى اختارت اللحظة المناسبة لتتظاهر بالإغماء، فارتبك على الفور، وحملها بين ذراعيه عرضا، ثم غادر من دون أن يلتفت خلفه.

لم يبق على الجرف سوى ليال وحدها.

كانت ريح البحر تعصف، والحبل يهتز مع الريح، محتكا بمعصميها اللذين تهرأ جلدهما واختلط فيهما الدم باللحم. كان الهاتف يهتز في جيبها، لكنها كانت مقيدة بإحكام، فلم تستطع أن تتفقده إطلاقا.

بدأت تلوي معصميها بكل قوتها، حتى يرتخي الحبل شيئا فشيئا. سال الدم على امتداد الحبل، لكنها بدت كأنها لا تشعر بالألم.

أخيرا، وحين ارتخى الحبل إلى حد معين، قلبت جسدها فجأة، واستجمعت كل قوتها لتتشبث بصخرة بارزة عند حافة الجرف، ثم أخذت تتسلق شيئا فشيئا.

وعندما صعدت أخيرا، كانت يداها قد تمزقتا حتى اختلط فيهما الدم باللحم.

أخرجت هاتفها وهي ترتجف، فظهرت على الشاشة رسالة:

]الآنسة ليال، لقد اكتملت إجراءات تسلم جزيرتك غير المأهولة. يمكنك الإقامة فيها في أي وقت.[

نظرت ليال إلى الحبل المتدلي عند حافة الجرف وهو يتأرجح مع الريح، ثم ضحكت فجأة.

ما دامت سترحل، فليظنوا أنها ماتت.

صحيح أنها لا تستطيع أن تنافس سهى، لكن سهى لم تفكر في نقطة واحدة—

الأحياء لا يستطيعون أبدا أن ينافسوا الأموات!

وحين خطرت لها هذه الفكرة، علقت معطفها على غصن شجرة عند حافة الجرف، ثم قطعت الحبل ورمته في الهاوية السحيقة. كان المعطف يتأرجح في الريح، وكأنه الأثر الأخير الذي تركه شخص سقط من الجرف.

قالت بصوت خافت: "وداعا."

لكنها لم تكن تودع أحدا، بل كانت تودع نفسها القديمة، تلك التي أحبتهم بسذاجة.

أوقفت سيارة أجرة، وغادرت ليال من دون أن تلتفت إلى الوراء.

هذه المرة، ستحتفظ بكل حبها لنفسها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 22

    كانوا ما زالوا يتمسكون بوهمهم، ويريدون طلب مسامحتها.كانت الهدايا تصل إلى ليال كالسيل، ثم تعاد إليهم من جديد.نظر يامن إلى الطريقة التي كانت ترمي بها تلك الهدايا إلى الخارج، فلم يستطع منع نفسه من الضحك.قال: "المشروع الذي أعمل عليه هنا سينتهي قريبا. هل ترغبين في أن ترافقيني إلى مدينة الساحل؟"توقفت حركة ليال لحظة."يامن، هل تحبني حقا؟""ألن تمانع حقا كل ما مضى من حياتي؟"نظر إليها يامن بعينين ثابتتين رقيقتين، وقال: "ليال، أنا رجل بالغ. أستطيع أن أميز بين الحب والامتنان. أنا معجب بك، أحبك، وأريد أن أحميك.""أما ما مررت به في الماضي، فلن يجعلني إلا أتألم من أجلك، وأندم لأنني لم ألتق بك في وقت أبكر."كان يامن رجلا رائعا في سعيه إليها؛ يهتم بكل شيء، ويضع في كل كلمة شيئا من العناية.أما ليال، فقد تجاوزت منذ زمن مرحلة احتياجها إلى حب عاصف صاخب، قائم على عهود لا تتغير حتى الموت. أما هذا الاهتمام الهادئ المختبئ في التفاصيل، فكان أكثر ما يعلق في قلبها ولا تستطيع نسيانه."يامن، لنعد معا إلى مدينة الساحل."وقبيل رحيلهما، جاء ساري للبحث عن ليال.خلال هذه الفترة، كان قد ازداد هزالا وذبولا، وكأن جسد

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 21

    أمام كل ما فعلوه، لم تشعر ليال إلا بالاشمئزاز."هناك كلام قلته بوضوح شديد من قبل. لا أريد أن أكون أختا في عائلة النبهاني بعد الآن، ولا أريد أن أكون زوجة ساري. أريد فقط أن أكون ليال.""ظهوركم أمامي الآن لا يثير فيّ إلا الاشمئزاز."حين سمعوا كلامها، ظهرت على وجوههم ملامح الحزن."ليال، نحن نعرف حقا أننا أخطأنا. كل هذا كان بسبب سهى، ولهذا ارتكبنا تلك الأخطاء."سخرت ليال، ثم رفعت ذراعها."هنا، عضتني الأفعى السامة التي وضعتها سهى في علبة الهدية. ولأنكم رفضتم علاجي، كدت أموت. وبسبب أثر السم، ما زال ذراعي يؤلمني أحيانا بألم عصبي."ثم نظرت إلى راكان، وأشارت إلى ظهرها، وقالت كلمة كلمة:"وعلى ظهري، بسبب اتهام كاذب لفّقته سهى ومثلته بنفسها، عوقبت بمائة جلدة. وحتى الآن، ما زالت الندوب هناك لا تزول."ثم أشارت إلى صدرها، "وساري، أنت صدمتني بسيارتك وكسرت ثلاثة من أضلاعي. وكلما هطل المطر، عاد الألم من جديد.""وهنا، على معصمي، هذه الندوب التي لا تختفي، تركتها الحبال الخشنة حين ربطتموني بأيديكم عند حافة الجرف."كان جسدها ممتلئا بندوب كبيرة وصغيرة. وكل ندبة منها تحمل ذنبهم."أنا أيضا أريد أن أنسى. تلك الذ

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 20

    لم تتكلم ليال، وساد الصمت بينهما.ظل ساري يحدق فيها، آملا أن يجعلها اعترافه هذا تلين ولو قليلا.قالت وهي تهز رأسها: "ساري، لماذا تفعل هذا بنفسك؟" ثم رفضته بلا أدنى مجاملة: "ينبغي أن تعرف أنه لا يوجد في هذا العالم دواء للندم.""ولو كان هناك دواء للندم، فأكثر ما أندم عليه هو أنني ولدت في عائلة النبهاني. ثم يأتي بعد ذلك زواجي منك قبل خمس سنوات."لم تكن ليال تريد أن تواصل التشابك معه. "ساري، حين عُلقت على حافة الجرف، كنت قد مت مرة بالفعل. اعتبر الأمر كذلك، ودعني وشأني، حسنا؟"أرادت أن تستدير وترحل، لكن ساري أمسك معصمها."لا، ليس حسنا، ليال. أنا أخطأت حقا، وندمت حقا. ألم يكن أكثر ما تتمنينه دائما أن تتزوجيني؟ عودي معي، وسأذهب معك إلى مكتب الشؤون المدنية لنسجل زواجنا رسميا، حسنا؟"كلما قال مثل هذا الكلام، ازداد اشمئزاز ليال منه.وفي اللحظة التي لم تستطع فيها الإفلات منه، امتدت يد وحررت معصمها من يد ساري.التفتت ليال، ولمع في عينيها ضوء خافت، وجاء صوتها بشيء من المفاجأة السعيدة:"يامن، كيف أتيت إلى هنا؟"قال: "هناك مناقصة لمشروع في هذه المنطقة، فجئت من أجلها. وصادف أن قابلتك بالقرب من هنا."ن

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 19

    في هذه الفترة، ظلت ليال تسافر بين أماكن مختلفة، إلى أن استقرت أخيرا في مدينة حدودية تشتهر بالزهور.كانت ليال تتجول في الشارع بلا هدف، وترفع الكاميرا بين الحين والآخر لتلتقط بعض الصور."ليال!"حين سمعت من ينادي اسمها، التفتت ليال لتنظر.مع أنه لم يكن سوى ظل باهت، فإنها عرفته من النظرة الأولى. كان ساري.لم تستطع إلا أن تقطب حاجبيها. لقد طال الوقت منذ رأت أي شخص له علاقة بساري، حتى كادت تنسى كل شيء.لم تفهم ليال. ما دام لا يحبها، وما دامت هي قد رحلت من تلقاء نفسها، فلماذا ما زال يطاردها ويتشبث بها؟كلما فكرت في ساري، تذكرت تلك الأيام التي عاشتها في عائلة النبهاني.كان الطقس هنا دافئا، ولم يؤلمها موضع كسر أضلاعها منذ زمن طويل.لكن ما إن رأت ساري، حتى عاد ألم تلك الجراح القديمة ليتقلب في صدرها من جديد.أسرعت ليال خطواتها لتغادر، وفصلتها الجموع والأزقة عن ساري.أما ساري، ففي اللحظة التي رأى فيها ليال، كاد لا يصدق عينيه. ثم اجتاحته فرحة هائلة.إنها لم تمت، ليال ما زالت حية!ظنت ليال أن الأمر لم يكن سوى لقاء عابر، لكنها لم تتوقع أن يظهر ساري في اليوم التالي عند باب النزل الذي تقيم فيه.حين رأت

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 18

    بعد أن جاء يامن إلى هنا، تغيرت حياة ليال فعلا كثيرا.في السابق، كانت تشعر دائما كأن جزءا من قلبها فارغ.لكن بعد أن جاء يامن، صار الاثنان يتحدثان أحيانا. وحتى إن لم يتكلما، كان يأتي إلى جانبها ويقف معها قليلا.وضعت ليال يدها على صدرها، فاكتشفت أن ذلك الشعور السابق بالفراغ والضياع لم يظهر منذ وقت طويل.وفي تلك اللحظة فقط، أدركت ليال فجأة أن السبب في شعورها بأن جزءا من قلبها فارغ، هو أن الهدوء كان شديدا حين تكون وحدها.فالإنسان كائن اجتماعي. وما دام إنسانا، فسيميل إلى الجماعة. وإن ابتعد عن الجماعة طويلا، فسيشعر بالوحدة حتما.كانت قد فكرت يوما في أن تقضي ما تبقى من حياتها على هذه الجزيرة النائية الخالية من الناس، لكن ليال غيرت رأيها الآن.لقد مرت أشهر، لابد أنهم نسوها بالفعل.وما دامت قد "ماتت" مرة، فلم يعد هناك داع لأن تقسو على نفسها أو تظلمها بعد الآن.عند هذا الخاطر، لم ترفض ليال اقتراح يامن.قالت: "سأغادر غدا أيضا. لكن لا داعي لأن ترافقني في جولة. نحن مجرد غريبين جمعتهما الصدفة، وبعد أن نخرج من هنا، لا داعي لأن نلتقي مرة أخرى.""أما عن رد جميل إنقاذك، فإن كنت تريد حقا أن ترد لي هذا الج

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 17

    كانت ليال قد عاشت على هذه الجزيرة المنعزلة عدة أشهر. وباستثناء سفينة التموين التي تأتي أحيانا، لم يكن في هذا المكان أحد تقريبا.لم يكن يرافقها كل يوم سوى ريح البحر المالحة، وطيور بحرية تمر أحيانا خارج نافذتها.كانت أيامها وحدها هادئة إلى حد لا بأس به. في البداية، كانت ليال تتذكر أحيانا ما عاشته في عائلة النبهاني. ثم بدأت تنسى ذلك شيئا فشيئا، كأن تلك الذكريات غير السعيدة دُفنت في مكان بعيد.كل ما حدث بينها وبين عائلة النبهاني، وبينها وبين ساري، بدا كأنه وقع في حياة سابقة.نظرت ليال إلى تحذير الإعصار المنشور على هاتفها، ثم أغلقت أبواب ونوافذ الفيلا الواقعة في قلب الجزيرة، وجلست تنتظر انقشاع السماء.وكان يوما مشمسا نادرا بالفعل.نظرت ليال إلى السماء الصافية التي لا غيمة فيها، فخطر لها أن تخرج للتنزه.كانت مياه البحر هنا زرقاء جدا. وكثيرا ما كانت ليال تشعر كأنها وصلت إلى نهاية العالم.وفجأة، لفت شيء على الشاطئ البعيد انتباهها.سارت إليه، فاكتشفت رجلا منكمشا على الرمال.كان مبتلا بالكامل، والرمال تحته ملطخة بالدم. لا بد أن إعصار الليلة الماضية حمله إلى هذه الجزيرة.قرفصت ليال، وتفقدت حالته،

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status