مشاركة

الفصل 2

مؤلف: كعكة القلقاس
كانت يمنى على وشك أن تتكلم، لكن أرغد كان قد جذبها بعنف وهو عابس الوجه.

قال بصوت بارد كالصقيع: "ما هذا التمثيل؟ شذى سقطت من الطابق الخامس، أما أنتِ فلم تتدحرجي إلا من الطابق الثاني."

ثم أضاف: "انهضي. ستذهبين إلى المستشفى وتعتذرين لها."

جرّها إلى الخارج بلا أي رحمة، متجاهلًا أن الدم لا يزال يسيل من جبينها، وأن جرح ركبتها قد انفتح من جديد. كانت كل خطوة تؤلمها حتى أعماق عظامها.

أُجبرت يمنى على الدخول إلى السيارة، وظلت صامتة طوال الطريق.

راحت تنظر إلى المشاهد التي تمر مسرعة خارج النافذة، ولم يكن في قلبها سوى فكرة واحدة: اصبري قليلًا بعد. اصبري قليلًا، وسينتهي كل شيء قريبًا.

في غرفة المستشفى، كانت شذى تتكئ بضعف إلى رأس السرير، ووجهها شاحب، وعلى معصمها ضماد.

وما إن رأت يمنى، حتى انكمشت فورًا، واحمرّت حافتا عينيها في الحال.

قالت بصوت مرتجف، كغزالة مذعورة: "أرغد... أنا... لا أريد أن أراها..."

تقدم أرغد فورًا، وأمسك يدها برفق: "لا تخافي، أنا هنا. لن يجرؤ أحد على إيذائك."

ثم التفت ونظر إلى يمنى ببرود: "لماذا تقفين هناك؟ اعتذري."

كانت ملامح يمنى مرهقة، لكنها هادئة على نحو غير عادي.

نظرت مباشرة إلى شذى، وسألت بصوت خافت: "آنسة شذى، هل كنت أنا حقا من دفعتك من النافذة؟"

ارتعشت رموش شذى، وانهمرت دموعها في الحال: "الآنسة بشرى، إن كنت لا تريدين الاعتذار، فلا بأس. أنا أصلًا لم أفكر في أن أفتعل لك المتاعب."

ثم أخذت تنتحب، كان صوتها مختنقا بالظلم: "أعرف أن أرغد كان معي طوال هذه الأيام، ومن الطبيعي أن تستائي. لكن علاقتكما من الأساس مجرد زواج عائلي، وهو لا يحبك. ولولا أن مكانة عائلتي لا تناسبه، لما كان من نصيبك أصلا..."

كلما واصلت الكلام، اشتد بكاؤها، وازداد وجه أرغد قتامة.

قاطعها أرغد بحدة: "بشرى! أنا طلبت منك أن تأتي لتعتذري، لا لتستفزيها! هل ستعتذرين أم لا؟"

أغمضت يمنى عينيها لحظة.

كانت تعرف أن شذى تلفق لها التهمة.

لكن... لم يبق لها إلا القليل قبل أن ترحل.

لم يكن بوسعها أن تسمح بحدوث أي مشكلة في التعاون بين العائلتين، وإلا فلن تحصل على الثلاثة ملايين، ولن تنال حريتها.

قالت بصوت خافت: "أنا آسفة. كان الخطأ خطئي."

وبعد أن قالت ذلك، استدارت لتغادر.

استوقفها أرغد بصوت بارد: "توقفي. بما أنك أنتِ من دفعتها، فابقَي هنا واعتني بها حتى تخرج من المستشفى."

انقبضت أطراف أصابع يمنى قليلًا، لكنها في النهاية أومأت برأسها: "حسنًا."

في الأيام التالية، بقيت يمنى ملازمة لغرفة شذى لا تفارقها خطوة.

أما أرغد، فكاد يقيم في المستشفى. ترك كل شؤون الشركة وراءه، وأخذ يطعم شذى شوربة الأرز بنفسه، ويمسح يديها، ويهدئها حتى تنام...

كانت هذه أشياء لم يفعلها يومًا من أجل يمنى.

لكن يمنى لم تغر قط. كانت تظل هادئة إلى جانبها، تعتني بشذى في صمت، وملامحها ساكنة، كأن كل ما يحدث لا علاقة له بها.

بدأت الممرضات يتهامسن سرًا.

"يا إلهي، هذه أول مرة أرى زوجة بهذا القدر من سعة الصدر!"

تنهدت ممرضة أخرى وقالت: "أنتِ لا تفهمين. هذا أعلى درجات الحب. لأنها تحب السيد أرغد إلى هذا الحد، فهي مستعدة حتى لرعاية المرأة التي يحبها، فقط لعلّه ينظر إليها مرة واحدة أكثر. مسكينة حقًا."

وصادف أن سمع أرغد هذا الكلام وهو يمر من هناك.

توقفت خطواته لحظة، ووقع بصره بلا وعي على تلك الهيئة النحيلة داخل غرفة المريضة.

كانت يمنى مطأطئة الرأس، تقشر تفاحة بتركيز، وبدت ملامحها الجانبية هادئة ووديعة.

ولا يدري أرغد لماذا راوده شعور غريب في قلبه.

في اليوم الذي خرجت فيه شذى من المستشفى، قال أرغد ليمنى مباشرة: "سآخذ شذى في رحلة خلال هذه الأيام. إن لم يكن هناك أمر مهم، فلا تبحثي عني."

أومأت يمنى برأسها: "حسنًا."

نظرت إلى ظهره وهو يغادر ممسكًا بيد شذى، وشعرت في قلبها بشيء من التحرر.

أخيرًا، لم تعد مضطرة إلى مواجهتهما.

عادت إلى البيت، وبدأت تحزم أمتعتها استعدادا للرحيل قريبا.

وبعد بضعة أيام، صادفت منشورًا لشذى على إنستغرام.

كان أرغد قد اصطحبها إلى جزر المالديف، وفي مزاد هناك أعلن أنه سيدفع مهما بلغ السعر من أجلها، ثم أنفق مبلغًا طائلًا ليشتري لها المجوهرات التي أعجبتها...

ألقت يمنى نظرة واحدة فقط، ثم مررت المنشور بهدوء.

لم تكن تكترث.

هي أصلًا لم تكترث يومًا.
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 24

    هطل الثلج في مدينة الجنوب على نحو مفاجئ.وقف أرغد عند باب النُّزل الذي تقيم فيه يمنى، وقد غطّت طبقة رقيقة من الثلج معطفه الأسود. كانت أطراف أصابعه قد احمرّت من شدة البرد، لكنه ظل يقبض بقوة على ظرف الملفات في يده.حدّق في الباب المغلق، وتحركت تفاحة حلقه، ثم رفع يده أخيرًا وطرق الباب.انفتح الباب.كانت يمنى واقفة عند المدخل، وحين رأته، لم يظهر على وجهها أدنى اضطراب، "هل هناك أمر؟"توقف نفس أرغد لحظة.كان يظن أنه حين يراها مرة أخرى، سيكون لديه الكثير مما يريد قوله. لكن عندما جاءت هذه اللحظة فعلًا، اكتشف أن حلقه كأنه مسدود بشيء ما، فلم يستطع إخراج كلمة واحدة.قال بصوت أجش، وهو يمد ظرف الملفات في يده قليلًا نحوها: "أنا... أرجو أن تلقي نظرة على هذا."نزل بصر يمنى إلى الملف، لكنها لم تأخذه: "ما هذا؟"قال أرغد، وكانت أطراف أصابعه ترتجف قليلًا: "كل ما فعلته شذى بك. عرفت للتو أنها كانت تلفق لك التهم طوال الوقت. هذه كلها أدلة."بعد أن سمعت يمنى كلامه، لم يظهر على وجهها حتى أثر دهشة. أزاحت بصرها بهدوء، وقالت: "آه. لم أعد أهتم بهذه الأشياء."هوى قلب أرغد فجأة.كان يظن أنها ستغضب، ستشعر بالظلم، بل ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 23

    وقف أرغد في الحديقة، والدم يقطر من مفاصل أصابعه على الأرض، لكنه لم يكن يشعر بالألم.كانت عيناه مثبتتين بقوة على الاتجاه الذي غادرت منه يمنى، وصدره يموج بعنف وندم لم يعرفهما من قبل."السيد أرغد!" أسرع المساعد إليه، وفي يده ملف، وكان وجهه جادا: "وجدنا الأمر."سحب أرغد نظره ببطء، وجاء صوته باردا كالجليد: "ما هو؟"تردد المساعد لحظة، ثم ناوله الملف في النهاية: "هذه... كل الأشياء التي فعلتها الآنسة شذى بالسيدة يمنى خلال هذه السنوات."خطف أرغد الملف من يده، ومزقه بعنف.كان بداخله رزمة من الصور، ولقطات من كاميرات المراقبة، وملفات تسجيل صوتي. قلّب بضع صور بلا اكتراث، فتقلصت حدقتاه فجأة——في الصور، كانت شذى تقف عند مدخل الدرج، وتنتظر حتى يخلو المكان، ثم تتعمد سكب الماء على الدرج.وفي تسجيل المراقبة، كانت تستغل غفلة يمنى، وتبدل دواءها سرا بدواء مسهل.وكان هناك أيضا تسجيل صوتي:"تلك المرأة الغبية، ما إن أتظاهر بالقليل من المسكنة حتى يصدقني أرغد. تستحق كل ما أفعل بها..."اشتدت قبضة أرغد شيئا فشيئا، حتى تكومت الأوراق في راحته.صار تنفسه أثقل فأثقل، وكانت في عينيه عاصفة مرعبة.قال المساعد وهو يبتلع ر

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 22

    لم يكن أرغد مستعدا لذلك، فتراجع مترنحا بضع خطوات، وتسرب خيط دم من زاوية فمه.وقف أكرم أمام يمنى، وكانت نظرته حادة كالسكين، وصوته يحمل تحذيرا لا يخفيه: "ابتعد عنها! إن لمستها مرة أخرى، فسأتصل بالشرطة فورا."رفع أرغد يده ومسح الدم عن زاوية فمه، ثم نظر إلى أكرم بعينين قاتمتين، قبل أن تقع نظرته من جديد على يمنى.كانت ملامحها ما تزال هادئة، كأن كل ما حدث قبل لحظات لا علاقة له بها.قال أرغد بسخرية باردة، وكانت في عينيه مشاعر معقدة تتلاطم: "إذن هكذا الأمر... تركتني بسببه؟"نهضت يمنى، ونفضت عن فستانها غبارا غير موجود، وقالت بلهجة فاترة: "أرغد، ألا تعطي نفسك أكثر من قدرها؟""رحيلي عنك لم يكن يوما بسبب أي شخص."انكمشت حدقتا أرغد فجأة، وكأن مطرقة ثقيلة ضربت صدره، حتى صار التنفس صعبا عليه: "إذن لماذا رحلت؟ ما بيننا..."قاطعته يمنى: "لا يوجد بيننا شيء." وأخيرا رفعت عينيها لتنظر إليه، وكانت نظرتها باردة كالجليد: "أرغد، هل نسيت؟ طوال هذه السنوات الثلاث، بقيت إلى جانبك من أجل المال والحرية فقط. والآن انتهت الصفقة، ولم يعد بيننا حساب."قال أرغد وهو يكاد يطحن الكلمات بين أسنانه: "لم يعد بيننا حساب؟ يمنى

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 21

    في المساء، هطلت عاصفة مطرية فجأة.كانت يمنى في المطبخ تعد القهوة، والرعد يدوي خارج النافذة، فيما كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بقوة متتابعة.وما إن أغلقت النافذة جيدا، حتى سمعت طرقا عاجلا على الباب.قالت وهي تفتح الباب: "من؟" كان أكرم واقفا خارج الباب، وقد ابتل جسده بالكامل، وذراعاه تحتضنان شيئا بإحكام.قالت على عجل وهي تفسح له الطريق: "ادخل بسرعة!"دخل أكرم بخطوات سريعة، ثم رفع معطفه بحذر—— كانت هناك هريرة بيضاء هزيلة منكمشة في حضنه، ترتجف من البرد.قال بصوت منخفض يحمل شيئا من الشفقة: "وجدتها عند مدخل الزقاق، كادت المياه تجرفها."أسرعت يمنى وأحضرت منشفة، ولفت بها الهريرة برفق: "امسحها أولا، سأذهب لأحضر مجفف الشعر."استدارت لتغادر، لكن أكرم أمسك معصمها فجأة.قال وهو يقطب حاجبيه، ثم مد يده يمسح قطرات المطر عن كتفها: "شعرك مبلل أيضا."كانا قريبين جدا، حتى إن يمنى استطاعت أن تشم منه رائحة المطر الخفيفة، ممزوجة بعبق صاف من خشب الصنوبر.اختل نبض قلبها للحظة، فتراجعت نصف خطوة بلا وعي.سحب أكرم يده، وسعل بخفة: "لنعتن بالقطة أولا."قالت وهي تخفض رأسها، وقد سخنت أطراف أذنيها قليلا: "أمم."جلست ي

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 20

    وقف أرغد في أحد شوارع مدينة الجنوب، وكان نسيم البحر المحمل برطوبة مالحة يهب على وجهه.نظر إلى المدينة الغريبة والمزدهرة أمامه، وكانت عيناه قاتمتين مرهقتين.مضى شهر كامل، كاد خلاله يقلب كل زاوية في مدينة الجنوب رأسا على عقب، لكنه لم يعثر قط على أي أثر ليمنى.لم تكن المعلومة التي أرسلها مساعده تقول سوى إنها اشترت تذكرة الطائرة إلى مدينة الجنوب. لكن هذه المدينة كبيرة إلى هذا الحد، فأين اختبأت بالضبط؟فرك أرغد صدغيه، وقد امتلأت عيناه بخيوط الدم من كثرة التنقل والتعب في الأيام الماضية.رفع يده ونظر إلى ساعته، فوجد أن الوقت قد بلغ التاسعة ليلا. وبدأ المارة في الشارع يقلون شيئا فشيئا.مضى يمشي بلا هدف، وعيناه تمسحان كل شخص يمر أمامه، خوفا من أن يفوّت أدنى احتمال.وفجأة، توقفت خطواته بعنف.على مسافة غير بعيدة أمامه، كانت امرأة ترتدي فستانا أبيض تقف تحت عمود الإنارة وظهرها إليه.ذلك الظهر النحيل، وتلك الخصلات التي ارتفعت قليلا مع الهواء، كل شيء فيها كان يشبه يمنى إلى حد بعيد.انقبض قلب أرغد فجأة، وكأن الدم في عروقه غلى في لحظة.اندفع إليها بلا وعي تقريبا، وأمسك معصمها دفعة واحدة، وكان صوته أجش

  • لا عائد من نهاية الضباب الأبيض   الفصل 19

    في الجهة الأخرى، كانت يمنى واقفة عند شاطئ البحر، والنسيم المالح الرطب يلامس وجنتيها، فيحرك خصلات شعرها برفق.في البعيد، صبغ الغروب سطح البحر بلون برتقالي محمر، وكانت الأمواج تتدافع طبقة بعد طبقة نحو الرمل، ثم تنسحب ببطء.أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها، تستشعر هدوءًا افتقدته منذ زمن طويل."آنسة يمنى؟"جاءها صوت رجل لطيف من خلفها.التفتت يمنى، فرأت رجلًا طويل القامة، رشيق البنية، يقف غير بعيد، وفي يده كيس من المأكولات البحرية الطازجة.كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا مريحًا، ملامحه وسيمة هادئة، وعلى طرفي شفتيه ابتسامة خفيفة.قال وهو يقترب بضع خطوات، وصوته دافئ هادئ: "أنا أكرم الرواس، أسكن في البيت المجاور لك. سمعت أنك انتقلت اليوم، فأحضرت لك بعض المأكولات البحرية، هدية تعارف بين الجيران."ترددت يمنى لحظة، ثم ابتسمت بأدب: "شكرًا، لكن لا داعي..."مد أكرم الكيس إليها وقال بنبرة طبيعية: "لا داعي للتكلف. تشتهر مدينة الجنوب بمأكولاتها البحرية الطازجة، وبما أنك وصلت للتو، فجربي نكهة المدينة." كان موقفه لا مبالغًا في الحفاوة ولا باردًا، بل ودودًا بالقدر المناسب، بحيث يصعب رفضه.ترددت يمن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status