LOGINرفضتُ أن أتبرعَ بكليتي لأختي، فكان جزائي أن دفعني والداي إلى فراش سيد مدينة الفيروز. كانوا يرددون أن سيد المدينة لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وأن في قلبه حبًا قديمًا لا يموت. كان الجميع يتربصون بي، ينتظرون سقوطي، لكنه، على غير ما ظنوا، رفعني إلى عنان السماء وأغدق عليّ من حنانه. خلال ثلاث سنوات من الزواج، كان يعشق التقرب إليّ في كل ركن، حتى وإن كنت في الحمام، كان يدخل، ويضمني إليه عند حافة المغسلة. لم نستخدم أي واقٍ، ولم نتخذ أي احتياطات. ومع ذلك، لم يحدث حمل. ظننتُ أنني قد حملتُ أخيرًا، فذهبتُ إلى المستشفى لأتأكد. وهناك، سمعت دون قصد حديثه مع الطبيب: "غسان، قبل ثلاث سنوات طلبتَ مني أن أنتزع سرًا كلية شمس وأزرعها لأختها والآن تطلب مني أن أكذب وأخبرها أنها عاقر... كيف تقسو على امرأة وهبتك حبها؟" "ليس بيدي. كلية شهد عليلة، إن لم تنجب، فسيذلها أهل زوجها، ولا يصلح لجسد شهد إلا كلية شمس." كان الصوتُ مألوفًا، لكنَّ برودته جعلتني أشعرُ وكأنني أسمعه للمرة الأولى. وحينها أدركت: كل ما حسبته حبًا ونجاة... ما كان إلا خديعة أخرى. وما دام الأمر كذلك... فلأرحل.
View Moreأمسكت بطرف الغطاء بقوة وقلت ببرود: "موتها أو حياتها لا تعنيني، لا أريد أن أتورط في عواقب أفعالها، أبعِدني عن مشاكلكما."مدّ إليّ التفاحة التي قشرها: "أتخافين مني؟ أتعتقدين أنني قاسٍ إلى هذا الحد؟ كل ما في الأمر أني لا أريد لهن أن ينغصن صفو حياتك بعد أن أدخل السجن."لم أرغب في أخذها: "شكرًا لك، لكني لا أحتاج منك أن تقتل أو تحرق من أجلي، كل ما أريده هو أن تطلّقني، ثم يمضي كل منا في طريقه."ضحك ضحكة خفيفة، ثم قضم التفاحة. في عينيه السوداوين تلاطمت مشاعر كثيرة عجزت عن فهمها.كانت نظراتٍ حارةً ومتوهجة.نظر إليّ بعينين محمرّتين وسألني: "إن قبلت العقاب، ودخلت السجن، وكفّرت عن ذنبي، هل يمكننا أن نبدأ من جديد؟""لا."نظرت إليه بكل هدوء، دون أي أثر للكراهية، وقلت بصوت خافت: "أحيانًا أفكر، في تلك الأعوام الثلاثة التي تظاهرت فيها بحبي، منحتني شيئًا من الدفء. حياتي قبل أن ألقاك كانت بائسة أصلًا، لا أستطيع أن ألقي باللوم كله على شخص واحد.""لم أعد أكرهك، لكني لن أستطيع أن أحبك مجددًا أيضًا. إن اضطجعتَ بجانبي، ستراودني الكوابيس."ارتدت على شفتي الرجل ابتسامة باهتة موجعة، ثم نهض وفتح الباب وخرج.بعد خ
ثارت ثائرة غسان مرة أخرى، وحرّم على أي أحد أن يتفوه بأي كلمة مشؤومة تتعلق بالموت.وكأن امتناعهم عن ذكر الموت سيمنعني من أن أموت.كانت شهد واقفة إلى الجوار تسمع ذلك مبتهجة: "إذن دعوها ترتاح بضعة أيام إضافية، فلا أريدُ لضعفِ جسدِها أن يؤثر على وظائف أعضائي لاحقًا. غسان، لا تقلق، سأخرج من غرفة العمليات سالمة بالتأكيد."نظر الطبيب عديم الضمير الذي سبق أن أجرى لي عملية جراحية إلى شهد، ثم إليّ أنا الراقدة على سرير المرض، بدا وكأنه يغالبُ رغبةً في الكلام، لكنه أحجم في النهاية ولم ينطق بكلمة.لعلّه شعر بشيء من الشفقة عليّ وأنا على وشك أن أُفرغ من أحشائي.بعد أسبوع، دُفعت إلى غرفة العمليات. وخزة إبرة تخدير واحدة، ثم غاب وعيي تمامًا.حين عاد إليّ شيءٌ من الإدراك، شعرت بوخز خفيف في يدي. لكن ألم أفارق الحياة وقد انتُزع قلبي؟ فكيف لي أن أشعر بشيء؟فتحت عينيّ وأنا في حالة من الذهول، فرأيت ذاك الرجل الذي يلازمني كالشبح جالسًا إلى جانب سريري، يشد على يدي بقوة وقد غلبه النوم.تحركتُ حركة خفيفة، فاستيقظ الرجل في الحال. نظر إليّ واحمرّت عيناه شيئًا فشيئًا: "أخيرًا استيقظتِ، شكرًا لكِ، أخيرًا استيقظتِ."أ
سمعت بصوت خافت ما يشبه تكسّر العظام، ثم صرخة مروعة مليئة بالألم.نظرت شهد بعدم تصديق، واضعة يدها على صدرها في إطار من الأسى المصطنع: "غسان، ما الذي دهاك؟ إنها من تسببت في فضيحتنا ودمار سمعتنا. أتعلم؟ لقد أجهضت بسببها، وكليتي تؤلمني بشدة."ارتسمت على ملامحه نظرة باردة، وقال: "كليتك كانت لها في الأصل، وإجهاضك الآن ما هو إلا عقاب مستحق."بدا على شهد وكأنها تلقت صدمة عنيفة، فتهاوت على الكرسي المجاور، ممسكة بيد الرجل والدموع تنهمر على وجهها تسأله باستنكار: "غسان، هل استدعيتني إلى هنا فقط لتريني عمق حبكما الزوجي؟ هل لأنك تشعر بالذنب تجاهها الآن تجرحني بهذه القسوة؟"ثم رمقتني بنظرة حاقدة، وكأنني امرأة لعوب خطفت رجلها.يا لقلب الحقائق!أفلت غسان يدها بوجه جامد قارس، يتأملها، وأصبح في عينه عمقٌ مخيف: "استدعيتكما لإجراء فحص طبي."توقفت شهد للحظة، ثم لمعت عيناها بفرح: "حقًا؟ عرفت أنك لا تزال تحبني.""هل أخبرك الطبيب إذن؟ بعد الإجهاض، وظائف قلبي ورئتي لم تعد جيدة، هل ستزرع لي قلبها؟"ثم نظرت إليّ شامتةً وكأنها تتأمل فريسة: "على أية حال، أنتِ تحتضرين، فلمَ لا تموتين على الأقل من أجل شيء ذي قيمة."ك
وسط ذلك الحشد، لم يعلم أحدٌ من الذي قذف زجاجة المشروب— التي لم تفرغ بعد— لتصيب وجه شهد مباشرة، وتغمره بسائلٍ أصفر مجهول."يا للوقاحة! اللعنة، لم أعد أحتمل سماع هذا.""وهل حياة شمس ليست حياة؟"توالت بعدها الزجاجات والعلب الواحدة تلو الأخرى كالسيل.تفرق الصحفيون هاربين، وتكومت والدة شهد في حالة يرثى لها، متجنبةً وابل الهجمات الذي ينهال عليهما كالمطر، تتسللان كالجرذان في الشارع. وأنا من خلف الشاشة، أتفرج على هذه المهزلة بانتشاء.اتصل بي باسل، وبدا صوته ضعيفًا على غير عادته: "هل هناك شيءٌ آخر تريدين مني فعله؟ اعتبري هذا ضمن أتعاب قضية الطلاق، لا داعي لأي مبالغ إضافية."فكرت مليًا إن كان هناك شيء لم يتم بعد: "أجل، بعد موتي أرجوك أن تنثر رمادي في البحر، لا تدع غسان يحبسني، لا أريد أن أُدفن في مقابر عائلة السويفي."ساد الصمت للحظات من الطرف الآخر، ثم قال بصوت خافت: "هذا ما لا أستطيع ضمانه، لأنني قد أموت قبلكِ.""لماذا؟" كان حديثُه غريبًا ومحيرًا؛ كيف لرجلٍ مثلِه أن يموتَ قبلي؟!"لديَّ قصورٌ في القلب...أعيشُ يومي بيومي." بدت نبرة الرجل لا مبالية، كمن لا شيء لديه ليخسره.تنهدت وقلت: "إذن، حاول





