LOGIN
منذ ذلك الحين، أُسدل الستار نهائيًا على علاقتي بهما.لم أعد مضطرة إلى التخمين بشأن ما يجري بينهما، ولا إلى استنزاف نفسي بالتفكير فيهما.استعادت حياتي هدوءها، وبدأت أكرس كل طاقتي لعملي.اجتاز المشروع السابق مرحلة الاستلام بنجاح، وكان العميل راضيًا جدًا.ومنحتني الشركة مكافأة تقديرًا لجهودي، وكانت قيمتها أكبر بكثير مما توقعت.بعد الاجتماع، نظر إليّ مديري مبتسمًا وقال:"هناك منصب شاغر لمشرف قسم في الفرع. ليان، هل أنت مهتمة؟"فوجئت بما قاله، ولم أستوعبه على الفور.لوّح بيده وتابع:"لن يُحسم الأمر الآن، بل بعد رأس السنة. خذي وقتك في التفكير، ولا داعي لأن تجيبيني بسرعة."منحني هذا التقدير في عملي شعورًا بالطمأنينة والرضا لم أعرفه من قبل.كان الظلام قد حل حين انتهيت من عملي.خرجت من مبنى الشركة، فوجدت سامر ينتظرني بجوار حوض الزهور، حاملًا كوبين من شاي الفقاعات.ما إن رآني حتى رفع أحدهما ولوّح به قائلًا:"مبارك نجاح مشروعنا، ومبارك لك الترقية مقدمًا يا مشرفتنا ليان."ثم مد الكوب نحوي:"هذا لك. شاي الفقاعات بالفراولة، بثلاثين بالمئة من السكر ومن دون ثلج."كان
بعد ذلك اليوم، لم يرسل إليّ رائد أي رسالة، ولم يأتِ للبحث عني مجددًا.سمعت أنه تقدم بطلب للعمل في فرع بعيد بإحدى مدن الشمال.قالت لي إحدى صديقاتي بدهشة عبر الهاتف:"سمعت أنه من تقدم بالطلب بنفسه، ولم يستمع إلى أحد حاول ثنيه عن قراره. تخلى عن كل المشاريع التي كانت بين يديه من دون تردد ورحل. ليان، هل فعل ذلك بسببك؟"لم أجبها، بل ابتسمت وغيّرت مجرى الحديث.سواء كان قراره بسببي أم لا، لم يعد ذلك مهمًا.أن يمضي كل منا في طريقه، وألا تكون بيننا أي صلة بعد الآن، لعل ذلك كان أفضل نهاية ممكنة لعلاقتنا.بعد مدة قصيرة، نقل إليّ أحدهم أخبار نادين.فبعد فترة وجيزة من انفصالي عن رائد، اعترفت له بحبها.لكن رائد أصبح شديد البرود تجاهها، بل قال لها بصراحة:"نادين، لولا أنك زرعت الشقاق بيننا، لما تركتني ليان."قال كل من يعرفه إنه فقد صوابه.حمّل نادين مسؤولية كل ما حدث، وضغط عليها حتى اضطرت إلى الاستقالة والعودة إلى مسقط رأسها.وبعد كل ما دار بيننا، بدا أن لا أحد منّا نحن الثلاثة خرج رابحًا.هل كنت أكره نادين؟لم أستطع القول إنني أكرهها حقًا.كنت أعلم أنها قالت لرائد كلا
عندما عدت إلى مدينة الصفوة، وما إن حطت الطائرة حتى تلقيت اتصالًا من أحد زملائي:"ألو، ليان! أخيرًا رددتِ على الهاتف.""هناك رجل يقول إنه حبيبك. وهو ينتظرك في صالة الاستقبال منذ الصباح. حاولنا إقناعه بالمغادرة، لكنه يرفض!"عندما وصلت إلى الشركة، كان رائد لا يزال جالسًا في صالة الاستقبال.لم تمض سوى بضعة أيام على آخر مرة رأيته فيها، لكنه بدا أشد إنهاكًا من ذي قبل.كان قميصه مجعدًا، واللحية الخفيفة تغطي ذقنه، فيما ارتسمت هالات داكنة واضحة تحت عينيه.ما إن رآني حتى نهض فجأة من الأريكة وأضاءت عيناه:"ليان، لقد عدتِ... ليان."وحتى لا أسبب أي إزعاج في الشركة، طلبت منه مقابلتي في مقهى قريب.جلس رائد قبالتي وقال بصوت خافت:"ليان، لماذا لم تخبريني بأنك انتقلت من منزلك؟"قاطعته بهدوء: "رائد، لقد انفصلنا بالفعل.""انفصلنا؟" كرر الكلمة، وبدأ حاجباه ينعقدان ببطء. "أتنهين علاقتنا لمجرد أنك قررت ذلك؟ ليان، بماذا أسأت إليك؟"ارتفع صوته من دون أن يشعر، فالتفت إلينا بعض الزبائن المتفرقين في المقهى.قال بنبرة من يحاول تهدئة طفلة غاضبة:"إن كان السبب ما حدث حين طلبنا الطعام ف
بعد انتقالي إلى المنزل الجديد، أصبحت حياتي أكثر هدوءًا.في السابق، كنت أؤجل كل أموري لأجعل وقتي يتناسب مع مواعيد رائد.كنت أرفض رحلات العمل، وأعتذر عن الدورات التدريبية، وألغي لقاءاتي مع أصدقائي.وكلما سأل المدير عمّن يرغب في مهمة عمل خارج المدينة، كنت أخفض رأسي وألتزم الصمت.وبعد فترة، صار الجميع يعرفون ذلك عني: "ليان؟ حبيبها أهم شيء بالنسبة إليها."كنت أفرغ وقتي كله حتى أكون متاحة لرائد متى احتاج إليّ.أما الآن، فلم يعد عليّ التفكير إلا في نفسي، ولم أعد مضطرة إلى مراعاته.وفي أحد الأيام، سأل المدير مجددًا خلال الاجتماع:"من يرغب في السفر الأسبوع المقبل للعمل في مشروع مدينة النخيل؟"ساد الصمت غرفة الاجتماعات، وأخذ الجميع يخفضون رؤوسهم متجنبين نظرات المدير.فالأسبوع المقبل يصادف عيد الحب، ولم يكن أحد يريد السفر للعمل وقتها.وسط ذلك الصمت، كنت الوحيدة التي رفعت يدها: "أنا سأذهب."رفع المدير رأسه ونظر إليّ بشيء من الدهشة، ثم أومأ قائلًا:"حسنًا يا ليان. ستذهبين مع سامر النجار من القسم المجاور، ويمكنكما أن تتعاونا وتساندا بعضكما."في يوم السفر، كان سامر قد وصل
عندما سمع رائد كلام الجار، تجمد في مكانه.انتقلت؟لكن لماذا لم تخبره قط بأمر انتقالها؟بدأ القلق يتسلل فجأة إلى قلب رائد.أخرج هاتفه، وبأصابع ترتجف قليلًا، أرسل إلى ليان رسالة عبر واتساب:"ليان، هل انتقلت من المنزل؟"لكن الرسالة لم تُرسل، وظلت بجانبها علامة صح رمادية واحدة، ولم تظهر العلامة الثانية.فتح قائمة جهات الاتصال وحاول الاتصال بها، فاكتشف أنها حظرت رقمه أيضًا.جاء صوت انفتاح باب المصعد، ثم اقتربت نادين من رائد وقالت بلطف:"رائد، هل ما زالت ليان غاضبة وتتصرف بعناد؟ ما رأيك أن تصعد وتجلس قليلًا؟"تظاهرت نادين بالتفهم والاهتمام.في السابق، كلما حدث موقف كهذا، كان رائد يرى أن ليان لا تحسن التصرف، وأن نادين هي المتفهمة والمراعية.أما اليوم، فلم يشعر وهو يسمع صوتها إلا بالانزعاج."لن أصعد." عقد حاجبيه، ثم قال بنبرة مثقلة بالقلق: "انتقلت ليان من المنزل، ولم يخبرني أحد بذلك. إلى أين انتقلت؟"تفاجأت نادين: "انتقلت؟ متى حدث ذلك؟"لم يجبها رائد. كان قد بدأ بالفعل يتصل بأصدقاء ليان وزملائها واحدًا تلو الآخر ويرسل إليهم الرسائل.تملّكه فجأة شعور مبهم بالخوف
بعد بضعة أيام، أرسل إليّ رائد عنوانًا من جديد."أمي تدعوك لتناول العشاء معنا والتحدث بشأن الزواج."كتبت ومسحت مرارًا في خانة المحادثة، وترددت طويلًا، قبل أن أجيبه في النهاية: "حسنًا."حتى وإن كنت قد قررت الانفصال، كان عليّ أن أوضح الأمر لوالدته وجهًا لوجه.فبعد سبع سنوات من علاقتنا، كانت والدة رائد تعاملني معاملة طيبة.عندما دخلت الغرفة الخاصة في المطعم، كانت قد وصلت بالفعل.تبادلنا بضع كلمات، ولم يصل رائد برفقة نادين إلا بعد فترة.قال رائد: "أمي، نادين تعمل في الشركة المجاورة لشركتي، وهي أيضًا صديقة ليان المقربة.""وبما أن هذا المطعم قريب من عملنا، أحضرتها لتتناول العشاء معنا."تنحنحت والدته بخفة، وقد بدا الاستياء على وجهها.لكن رائد تصرف وكأنه لم يلاحظ شيئًا، وأمسك قائمة الطعام وبدأ يطلب الأطباق.وكانت اختياراته كلها من الأطباق المفضلة لدى نادين.كان هو ونادين يحبان الطعام الحار، أما أنا فلم أكن أتحمله.كلما تناولنا نحن الثلاثة الطعام المطهو في قدر مشترك من المرق الحار، كانا يستمتعان به، أما أنا فكنت أبدأ بالسعال بلا توقف بعد لقمتين فقط.قالت والدته وهي ت







