Masukالفصل الثاني رسالة لم تفتح كاملة
جاء الطبيب هيرون قبل الظهر. كان رجلا عجوزا ضئيل الجسد، لحيته بيضاء مرتبة، وعيناه تلمعان بذكاء رجل رأى كل شيء وتعلم ألا يسأل. وضع حقيبته الجلدية على الطاولة وأمسك كفي بين يديه ونظر إليها طويلا. هذه ليست حروقا عادية يا ابنتي. قال أخيرا. ما الذي تعنيه؟ حروق النار تترك أثرا أسود. أما هذه فتتوهج من الداخل. كأن النار نفسها اعترفت بك. لم أجبه. اكتفيت بإغماض عيني وهو يضع المرهم البارد على جلدي. كان الألم يخف شيئا فشيئا، ومعه عاد شريط الذكريات إلى رأسي بلا استئذان. كنت في السابعة عشرة حين ماتت أمي. كنا نعيش في قرية صغيرة اسمها سارنا على أطراف أودرين. بيت من حجر قديم، وحقل صغير، وأم تخيط الثياب للناس وتغني وهي تعمل. لم أر في حياتي امرأة أهدأ منها. لكنها كانت تخاف من شيء واحد. القمر الكامل. في كل شهر، في تلك الليلة، كانت تغلق الأبواب والنوافذ وتجلس عند الموقد ويداها ترتجفان. كنت أظنها مريضة. ثم عرفت أنها كانت تنتظر أن يحدث شيء ما. وفي الليلة التي ماتت فيها، أمسكت يدي بقوة غريبة. اسمعيني يا لارا. إن كان قد بقي لي ما أقوله فهو هذا. في صندوق الخياطة، تحت القماش الأخضر، رسالة لم أجرؤ على إرسالها. لا تفتحيها حتى أموت. ثم نظرت إلي وقالت جملتها التي لن أنساها أبدا. إن وجدت النار يا لارا فلا تخافي منها. اذهبي إليها. حين دفنتها، فتحت الصندوق. كانت الرسالة قصيرة. سطور قليلة بخط يد مرتجف، وفي أسفلها رمز مختوم بالشمع الأسود. دائرة تخترقها ثلاثة خطوط. وكان في أسفل الرسالة جزء مطوي بإحكام ومختوم بالشمع، كتبت عليه أمي بخط أكبر. لا تفتحي هذا الجزء إلا في قلب أودرين، وحين تتأكدين أن أحدا لا يراك. لم أفهم السبب، لكنني أطعتها. وبعد شهر وصلني خبر أن ملك أودرين يطلب عروسا رابعة من بنات الفقراء، ومن تقبل تحصل أسرتها على كيس من الذهب. لم تكن لدي أسرة. فتقدمت. لم أفهم شيئا إلا في ذلك الصباح، حين رأيت الرمز نفسه على خاتم المستشار فالين. هل تتألمين؟ سألني هيرون. فتحت عيني. لقد توقفت دون أن أدري. لا. أنا بخير. وضع الضمادة ببطء ثم قال بصوت خافت جدا. لقد خدمت هذا الملك منذ كان طفلا. رأيت ثلاث نساء يدخلن هذه القاعة ولا يخرجن. أنت الأولى التي أضمد يدها. لا أعرف من تكونين يا ابنتي، ولا أريد أن أعرف. لكن اعلمي أنك أعطيت هذا القصر شيئا لم يعرفه منذ سنين. ماذا؟ الأمل. توقف عند الباب وأعطاني ظهره. اللعنة التي على الملك ليست كما يظن الناس. لم تأت من عدو في الخارج. جاءت من داخل هذه الجدران. وخرج قبل أن أسأله كيف يعرف. أخذ حقيبته وخرج، وتركني مع ثقل كلمته. عند المغيب جاء كايرون. دخل بلا حراس وأغلق الباب خلفه. كان قد غير ثيابه، لكن التعب لم يفارق عينيه. وقف أمام النافذة طويلا قبل أن يتكلم. لماذا لم تهربي؟ سؤال بسيط، لكنه أصعب سؤال سمعته في حياتي. لو أخبرته أنني جئت عن قصد فسيطردني. ولو أخبرته أنني أعرف شيئا عن لعنته فسيشك بي. لذلك قلت أقرب الأكاذيب إلى الحقيقة. لأنني تعبت من الخوف يا مولاي. كنت أظن أن الهرب سيكلفني أكثر من الموت. التفت إلي ببطء. وكانت في عينيه نظرة من يحاول أن يقرأ كتابا بلغة لا يعرفها. لا أحد يضع يده على النار برضاه. أمي قالت لي ذات يوم إن بعض النيران لا تحرق من يقترب منها بصدق. ومن تكون أمك؟ خياطة. ماتت قبل عام. ظل ينظر إلي لحظة أطول مما ينبغي. ثم قال بهدوء. خياطة علمت ابنتها كلاما كهذا. لا بد أنها كانت امرأة عظيمة. أحسست بغصة في حلقي. فأومأت دون أن أتكلم. ظل واقفا عند النافذة، وكأنه يريد أن يقول شيئا آخر ولا يجد الكلمات. ثم قال بصوت خافت. أنا لا أطلب منك أن تثقي بي. لا حق لي في ذلك. لكنني أريدك أن تعلمي أنني لن أنسى أنك لم تهربي. لم أعرف بماذا أجيب. فالرجل الذي رأيته بالأمس وحشا لم يكن يشبه هذا الذي يقف أمامي الآن. وربما كان هذا أخطر ما في الأمر. حين خرج، أمسكت بالقلادة الصغيرة التي أخفيتها تحت ثوبي. شعلة فضية بحجم الإصبع، آخر ما تركته أمي. كانت دافئة. دافئة أكثر مما ينبغي.الفصل الحادي والعشرون الحجر على الوسادةوصلنا إلى العاصمة في المساء، والأسير مقيد في عربة مغلقة بين دارين ورومان.كانت بوابات القصر مفتوحة والمشاعل مشتعلة على الجدران. وفي الساحة الكبرى اصطف الحرس والوزراء ونبلاء المجلس، ومن بينهم فالين في ثوبه الرمادي الأنيق، ويقف بجانبه هيرون وإلياس. وفي الصف الأول وقفت ماريسا تنظر إلينا بعيون واسعة وشفتين مرتجفتين.لم أصدق أن مشهدا بهذا النظام يمكن أن يكون مصادفة. لقد عرفوا موعد عودتنا بالضبط.وعندما مررت بجانب ماريسا رفعت يدها ببطء إلى شعرها ولمست زهرة ياسمين بيضاء مثبتة فوق أذنها. لم تنظر إلي. لكنني فهمت أنها تذكرني بالورقة التي دستها في الدفتر.ما إن نزل كايرون من حصانه حتى تقدم فالين وانحنى انحناءة عميقة بحرارة صادقة.مولاي الملك. قال بصوت يرتجف من الانفعال. حمدا لله على سلامتك. أمضيت الليلة الماضية أصلي من أجلك.لا بد أن صلواتك مستجابة يا فالين.رأيت ابتسامة صغيرة تنكسر في زاوية فمه ثم تعود فورا.سمعنا أن بعض اللصوص هاجموا القافلة. هل أصيب أحد؟لا شيء ل
الفصل العشرون الوادي الضيقلم أستطع إقناع نفسي بأن ما رأيته كان مجرد تمثيل.حين أخبرت كايرون بما رأيت ضيق عينيه ولم يقل شيئا، لكنه أمر دارين بأن يضع وردة في العربة المغلقة وأن يمنع أي رجل من الاقتراب منها. ثم أخذني من مرفقي ونظر في وجهي.سنتظاهر بأننا لم نر شيئا.ومتى نكشفه؟حين يخطئ. قال بهدوء. من يتقن الكذب كثيرا يطمئن لنفسه، ومن يطمئن يخطئ.انطلقت القافلة مع الفجر. أمامنا فرسان رومان في صف مرتب، وخلفنا عشرة آخرون، وفي الوسط عربتنا المغطاة. كان المطر قد توقف وتبخرت الغيوم، وبقي الطريق موحلا تلمع عليه قطرات الماء كالزجاج المتكسر.مررنا بقرى نائمة وحقول خضراء رطبة، وبدا العالم كله وديعا كأن لا أحد فيه يخطط لقتل أحد. شممت رائحة التراب المبلل من نافذة العربة وتمنيت لو أن الحياة بهذه البساطة. فتاة تسافر في عربة، ورجل يركب بجانبها، ولا شيء خلف الأفق إلا الصباح.جلست في العربة بجانب وردة، وكايرون يركب بجانب النافذة على حصانه. كان دارين في المقدمة قرب رومان يتبادلان حديثا قصيرا هادئا. ولم أستطع أن أجزم أيهما يخدع الآخ
الفصل التاسع عشر الخاتم الفضيكان قلبي يدق بقوة حتى خشيت أن يسمعه الفرسان الواقفون في الأسفل. فكرت في وردة المرتجفة خلفي، وفي دارين الذي لا أعرف لأي جانب هو، وفي كايرون الواقف أمام عشرة سيوف بلا درع. لم يعد في العالم حولي غير هذه القاعة.ساد الصمت في قاعة النزل حتى سمعت قطرات المطر تنزل من أطراف ثياب الفرسان على الأرضية الخشبية.وقف كايرون على الدرج بقامته الطويلة، وقد أسقط القلنسوة عن رأسه. لم يعد يشبه الفلاح الذي كان في العربة. لمعت عيناه الرماديتان في ضوء الفوانيس، وقال بصوت هادئ يسمعه كل من في القاعة.قم يا رومان.نهض الضابط ببطء. كان يضع قبضته على صدره بحركة الجندي المحترف، وابتسامته ما زالت مرسومة بإتقان.المستشار قلق على سلامتك يا مولاي. قال. وصل إليه خبر أن بعض قطاع الطرق يتجولون في هذه المنطقة.ومن أخبره أنني في هذه المنطقة؟لا أعلم. كل ما أعلمه أن أمرا ملكيا ختمه المستشار وصلني ليلة أمس.أمر ملكي لم أكتبه. قال كايرون ببرود. أراه عجيبا.لم تتغير ملامح رومان. شعرت بالتوتر يشتد في القاعة
الفصل الثامن عشر عاصفة النزلتغير الجو في العربة بعد مغادرتنا الوادي.لم يقل أحد شيئا. جلست وردة بيننا ملتفة بشال صوفي، ويداها تقبضان على صندوق صغير فيه ما تملكه. ومن مقعد السائق كان دارين يقود البغلين بصمت، وظهره مشدود كوتر.وكلما نظرت إلى ندبة حاجبه من الجانب رأيتها أوضح.في منتصف الطريق مالت وردة نحوي وهمست بصوت لا يسمعه غيري.أنت ابنة الشافية. أليس كذلك يا ابنتي؟تجمدت.كنت أخدم في قصر الملك ألدريك قبل أن أصير وصيفة. قالت وهي تنظر إلى الأرض. عيناك هما عيناها. لن أقول لأحد، أقسم لك.أومأت لها فقط، وأمسكت يدها بقوة. لم يكن لدي ما أقوله.لا. قلت لنفسي. رجل كهذا لا يمكن أن يكون قاتلا. رجل ينزف من أجل أطفال غرباء.لكنني تذكرت كلمات أمي. احذري كل من يضع الختم على يده أو ثوبه. ولم تقل شيئا عن من يخفي الختم في قلبه.عند منتصف الطريق بدأت الغيوم السوداء تتجمع فوق الجبال، ثم هبت ريح باردة، وانهمر مطر غزير حول العربة كأن السماء انفتحت. تحول الطريق إلى طين، وغاصت العجلات حتى كادت البغال تتوقف.
الفصل السابع عشر وادي النحل غادرنا القصر قبل أن تشرق الشمس، في عربة تجار قديمة تجرها بغلان، ونحن نرتدي ثيابا رثة من الصوف الخشن. كان كايرون في ثياب فلاح عادي، ولحيته الخفيفة قد أطال منها ما يكفي ليختلف عن صورته على النقود. وكنت أنا بوشاح بني على رأسي. أما دارين فجلس على مقعد السائق في زي حارس بسيط، وعيناه إلى الطريق. كنا نتظاهر بأننا زوجان من التجار يسافران إلى قرية بعيدة لبيع الأصواف. لم أنم ليلة أمس. كنت أرى في كل حركة لدارين علامة استفهام. حين يلتفت، حين يسكت، حين يمد يده إلى السيف. وفي كل مرة أخبر نفسي أن هذا الرجل ضمد جرحه بنفسه وهو ينزف ليحمي طفلا وأمه من السهام. وفي كل مرة تتردد في رأسي كلمة ماريسا. اسألوا دارين عن أبيه. الطريق إلى وادي النحل طويل يخترق غابات الصنوبر والتلال الجرداء. لم نعبر في يومنا الأول إلا قرى صغيرة وجسورا خشبية متهالكة. جلس كايرون بجانبي على المقعد الخلفي، وكانت ركبتانا تتلامسان أحيانا في اهتزاز العربة، فنبتعد بحذر ثم نعود. لم تقولي لي لماذا اخترتِ ثوب الفلاحة هذا.
الفصل السادس عشر الكذبة الجميلةحبست أنفاسي خلف الباب الخشبي حتى صار الصمت يطن في أذني.كان فالين يقف أمام ماريسا في وسط الصوب الزجاجي، وإصبعه الأسود يلمع في ضوء القمر. وكانت ماريسا تنظر إليه ببراءة كاملة، لكنني رأيت من خلف الفجوة الصغيرة أن يديها المرفوعتين ترتجفان.أي دفتر يا عمي؟ كررت. كان صوتها هادئا إلى حد جعلني أتساءل كم مرة تدربت على الكذب أمام هذا الرجل. لا أملك دفترا إلا مذكراتي، وهي في غرفتي منذ أسبوع.لم أسألك عن مذكراتك.إذن لا أفهم ما تقصد.صمت فالين طويلا. ثم قال بنعومة مخيفة.تعرفين كم أحبك يا ماريسا. أنت الشيء الوحيد الصادق في حياتي. لو كنت تخفين عني شيئا فلا تتركيني أكتشفه بنفسي. سأكون حزينا جدا.ارتجفت شفتا ماريسا. ثم انهارت فجأة وانفجرت في البكاء.كنت أبكي يا عمي. هذا كل ما في الأمر. الملك أذلني أمام الجميع في الحديقة، وصرت أضحوكة القصر. جئت إلى هنا لأنني لم أتحمل أن يراني أحد باكية.رأيت وجه فالين يلين ببطء. تقدم وضمها بين ذراعيه كأب مثالي، ومسح دموعها بإبهامه. ولو لم أقرأ ا







