LOGINملك أودرين ملعون بدم تنين، وفي كل ليلة قمر كامل يفقد نفسه قليلا. ثلاث عرائس دخلن قصره قبلها، ولم تبلغ إحداهن الفجر. ثم جاءت لارا. فتاة بسيطة من قرية صغيرة، وقفت أمام الوحش في ليلة زفافها ولم تهرب. لكنها لم تأت إلى القصر صدفة، ولا هي كما تبدو. تحمل سرا أثقل من التاج، وقلادة فضية صغيرة بقلب من نار. وفي قصر تحرسه الأسرار، ومستشار يبتسم في وجهها وهو يخفي خنجرا، وملك يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من أعدائه، عليها أن تعرف الحقيقة قبل أن يكتمل القمر. هل يستطيع الحب أن يكسر لعنة عمرها خمسة وعشرون عاما؟
View Moreالفصل الاول ليلة القمر الكامل
قالوا لي إن الزواج من الملك كايرون حكم بالإعدام، لكنه يقام في قاعة مزينة بالورود. لم أصدقهم حتى أغلق الباب الحديدي خلفي. دوى القفل ثلاث مرات. ثم سمعت الخطوات تبتعد راكضة، حتى الحرس الذين رافقوني لم يلتفتوا إلي. في تلك اللحظة فهمت أن أحدا في مملكة أودرين لن يأتي لسماع صراخي. وقفت في وسط القاعة القديمة بثوب أبيض أثقل من الخوف، وقلبي يخفق كطائر محبوس. وعلى الجانب الآخر منها كان يقف هو. الملك كايرون. آخر تنانين أودرين. كان يعطيني ظهره، ويداه تقبضان على حافة النافذة العالية حتى ابيضت مفاصله. ومن خلف الزجاج كان القمر يرتفع ببطء، كاملا ذهبيا، كعين وحش تفتح جفنها. قال دون أن يلتفت وصوته خشن كأن كل كلمة تنتزع من حلقه. اخرجي. قلت له بصوت ثابت رغم خوفي. الباب مغلق. أغلقوه علي. فضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. فجر لم يكن يجب أن أراه: أول ما شعرت به كان الدفء. لم يكن دفء الفراش ولا دفء المدفأة. كان دفء كف كبيرة تمسك معصمي بحذر شديد، كأنها تخشى أن تكسرني. فتحت عيني ببطء. كانت الشمس تتسلل من النافذة العالية ذهبية ناعمة، والغبار يرقص في ضوئها. وعلى الأرض بجانبي جلس الملك كايرون متكئا على الجدار، وقميصه ممزق عند الكتف، وعيناه الرماديتان معلقتان بوجهي منذ وقت لا أعرف طوله. كانت الغرفة أكبر من بيتنا كله في سارنا. سرير بأعمدة منقوشة، وسجاد أحمر مهترئ عند الحواف، وعلى الجدران آثار مخالب عميقة لم تستطع الدهانات أن تخفيها. تتبعت عيناي تلك الخطوط، وفهمت أنني لم أكن أول من واجه الوحش في هذا المكان. كنت حية. حاولت أن أنهض فانفجر الألم في كفي اليمنى. نظرت إليها فرأيت جلدا أحمر متقرحا على شكل بصمة كف كاملة. لا تتحركي. قال بصوت أجش. ماذا حدث؟ سألته. ظل صامتا لحظة طويلة، ثم قال. أنا من يجب أن يسأل هذا السؤال. أشاح بوجهه نحو النافذة. رأيت عضلة فكه تنقبض وتنبسط. كان رجلا اعتاد أن يستيقظ كل فجر على جثة. قال بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه. في كل مرة كنت أنسى كل شيء. أستيقظ ولا أذكر إلا الدم. هذه المرة تذكرت. تذكرت يدك على صدري. شعرت بقلبي يتوقف. ماذا تذكر أيضا؟ هل رأى في عيني شيئا؟ هل سمع ما همست به وأنا أغمض عيني؟ حاولت أن أبدو هادئة، لكن أصابعي ارتجفت تحت يده. كنت قد همست باسم لم يكن يجب أن ينطقه أحد في هذا القصر. اسم أمي. ولعل الزئير غطى على صوتي. نظر إلى وجهي كأنه يقرأ ما لم أقله. أنت لست أول عروس تقف أمامي في ليلة كهذه. الأولى كانت ابنة قائد جيش وصرخت حتى بح صوتها. والثانية كانت راهبة وصلت طوال الليل. والثالثة أمسكت خنجرا وأقسمت أنها ستقتلني قبل أن أقتلها. وماذا حدث لهن؟ سكت لحظة، ثم قال بمرارة. الجدران تعرف الجواب. أما أنا فأستيقظ ويداي ملطختان ولا أذكر شيئا. كان صوته خاليا من التمثيل. رجل يحمل ذنب ما لا يتذكره، وذلك أسوأ أنواع الذنب. قبل أن أجد جوابا، ارتطم الباب الحديدي بالجدار ودخل رجال كثيرون دفعة واحدة. كانوا يحملون نعشا خشبيا مفتوحا، ومعهم كاهن يمسك مبخرة، وفي مقدمتهم رجل طويل نحيل في ثوب رمادي فاخر، وجهه شاحب كالشمع وعيناه صغيرتان حادتان. عرفته من وصف الناس له في القرية. المستشار فالين، اليد اليمنى للملك. توقف الجميع فجأة. كانوا ينظرون إلي وأنا أجلس على الأرض بثوبي الأبيض المحروق عند الأطراف. لم يتكلم أحد. حتى الكاهن نسي أن يحرك المبخرة. أول من تكلم كان فالين، وكان صوته ناعما جدا. يا لها من معجزة يا مولاي. لقد نجت العروس. وقف كايرون ببطء. كان طويلا إلى درجة جعلت الحرس يتراجعون خطوة دون أن يشعروا. أخرجوا هذا النعش. لكن يا مولاي. أخرجوه الآن. انحنى الرجال وحملوا النعش خارجين. بقي فالين وحده يحدق بي. لم يكن في نظرته دهشة. كانت أقرب إلى الحساب، كأن رقما في دفتره لم يأت كما توقع. وعندها رأيت الخاتم في إصبعه. حجر أسود صغير محفور عليه رمز غريب، دائرة تخترقها ثلاثة خطوط. وحين نظر فالين إلى كفي المحروقة، لمع الحجر لمعة خافتة ثم انطفأ. لم يرها أحد غيري. أنت تحتاجين إلى طبيب يا سيدتي. قال بابتسامة مهذبة. سأرسل إليك أفضل أطباء القصر. لا حاجة لذلك. قال كايرون. سيأتي هيرون وحده. عند ذلك رأيت شيئا آخر. تغير شيء في وجه فالين لثانية واحدة فقط. ثم عاد إلى هدوئه المصطنع وانحنى انحناءة طويلة وخرج. حين أغلق الباب، التفت إلي كايرون. لن تعودي إلى غرفتك القديمة. ستبقين هنا في الجناح الملكي. وسيقف حارسي الخاص على بابك. هل أنا سجينة؟ سألته. لا. قال بعد تردد. أنت الوحيدة التي نجت. ولهذا أنت في خطر أكبر من أي امرأة دخلت هذا القصر. في تلك اللحظة دخل رجل ضخم الجسد في درع أسود، شعره قصير وندبة تقطع حاجبه الأيسر. انحنى للملك ولم ينظر إلي إلا بنصف نظرة، لكنها كانت كافية لأفهم أنه يزن كل شيء حوله كما يزن الصياد غابة جديدة. هذا القائد دارين. قال كايرون. لن يفارق باب جناحك. أمرك يا مولاي. قال الرجل دون أي تعبير. ثم نظر إلي أخيرا نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يقرر هل أنا خطر عليهم أم حليفة لهم. لم أستطع أن أخبره أنني لا أعرف الجواب أنا أيضا. نظرت إلى كفي المحروقة ثم إلى وجهه المتعب. وفهمت شيئا واحدا. إن أردت أن أعرف ما حدث لأمي، فعلي أن أبقى في هذا القصر. وإن أردت أن أبقى حية، فعلي ألا يعرف أحد من أنا. أعرف. أغلقوه عليك ليتركوك لي. ارتجفت لكنني لم أتراجع. وسألته. كم واحدة قبلي؟ ساد صمت طويل. ثم قال بصوت منخفض. ثلاث. لم تبلغ إحداهن الفجر. في تلك اللحظة رأيت يده. كان شيء أسود يزحف تحت جلده، يصعد من معصمه إلى ساعده كأنه ظل حي يتغذى عليه. لمعت حراشف داكنة كالفحم، ثم توهجت كالجمر. وسمعت عظامه تتشقق. استدار أخيرا. ولم يعد في عينيه شيء بشري. ذهب مذاب وبؤبؤان طوليان يحدقان بي بجوع قديم. ارتفعت الحرارة في القاعة حتى جف فمي، وتصاعد من صدره زئير لم يخرج يوما من حلق إنسان. همس باسمي كأنه آخر خيط يربطه بنفسه. لارا. اهربي قبل أن أنسى من أنت. لم أهرب. لا أعرف هل كان ذلك شجاعة أم جنونا. لكنني تذكرت وجه أمي في آخر ليلة لها، وهي تمسك يدي بقوة وتقول لي. إن وجدت النار يا لارا فلا تخافي منها. اذهبي إليها. فمشيت نحوه. خطوة ثم أخرى. الحرارة تلسع وجهي، والأرض تهتز، والزئير يملأ رأسي حتى لم أعد أسمع غير نبضي. مد مخلبه نحوي، وأغمضت عيني، ثم وضعت كفي على صدره. احترقت يدي. كان ألما يشبه الموت، لكنني لم أسحبها. وفجأة سكت كل شيء. اختفى الزئير. تراجعت الحراشف عن عنقه كأنها تسحب إلى الداخل، وانطفأ الذهب في عينيه حتى عاد رماديا وحزينا وبشريا. ترنح، ثم سقط على ركبتيه أمامي وهو يلهث. رفع رأسه ونظر إلى يدي التي ما زالت على قلبه، ثم نظر إلي. وقال بصوت مكسور. كيف؟ ثلاث نساء قبلك ولم يستطع أحد أن يوقفني. ابتسمت بشحوب وأنا أخفي كفي المحترقة خلف ظهري. لم أخبره الحقيقة. لم أخبره أنني لم آت إلى أودرين بالصدفة، ولا أنني أعرف اسم اللعنة التي تأكله، لأن اسم أمي كان مكتوبا عليها.الفصل الحادي والعشرون الحجر على الوسادةوصلنا إلى العاصمة في المساء، والأسير مقيد في عربة مغلقة بين دارين ورومان.كانت بوابات القصر مفتوحة والمشاعل مشتعلة على الجدران. وفي الساحة الكبرى اصطف الحرس والوزراء ونبلاء المجلس، ومن بينهم فالين في ثوبه الرمادي الأنيق، ويقف بجانبه هيرون وإلياس. وفي الصف الأول وقفت ماريسا تنظر إلينا بعيون واسعة وشفتين مرتجفتين.لم أصدق أن مشهدا بهذا النظام يمكن أن يكون مصادفة. لقد عرفوا موعد عودتنا بالضبط.وعندما مررت بجانب ماريسا رفعت يدها ببطء إلى شعرها ولمست زهرة ياسمين بيضاء مثبتة فوق أذنها. لم تنظر إلي. لكنني فهمت أنها تذكرني بالورقة التي دستها في الدفتر.ما إن نزل كايرون من حصانه حتى تقدم فالين وانحنى انحناءة عميقة بحرارة صادقة.مولاي الملك. قال بصوت يرتجف من الانفعال. حمدا لله على سلامتك. أمضيت الليلة الماضية أصلي من أجلك.لا بد أن صلواتك مستجابة يا فالين.رأيت ابتسامة صغيرة تنكسر في زاوية فمه ثم تعود فورا.سمعنا أن بعض اللصوص هاجموا القافلة. هل أصيب أحد؟لا شيء ل
الفصل العشرون الوادي الضيقلم أستطع إقناع نفسي بأن ما رأيته كان مجرد تمثيل.حين أخبرت كايرون بما رأيت ضيق عينيه ولم يقل شيئا، لكنه أمر دارين بأن يضع وردة في العربة المغلقة وأن يمنع أي رجل من الاقتراب منها. ثم أخذني من مرفقي ونظر في وجهي.سنتظاهر بأننا لم نر شيئا.ومتى نكشفه؟حين يخطئ. قال بهدوء. من يتقن الكذب كثيرا يطمئن لنفسه، ومن يطمئن يخطئ.انطلقت القافلة مع الفجر. أمامنا فرسان رومان في صف مرتب، وخلفنا عشرة آخرون، وفي الوسط عربتنا المغطاة. كان المطر قد توقف وتبخرت الغيوم، وبقي الطريق موحلا تلمع عليه قطرات الماء كالزجاج المتكسر.مررنا بقرى نائمة وحقول خضراء رطبة، وبدا العالم كله وديعا كأن لا أحد فيه يخطط لقتل أحد. شممت رائحة التراب المبلل من نافذة العربة وتمنيت لو أن الحياة بهذه البساطة. فتاة تسافر في عربة، ورجل يركب بجانبها، ولا شيء خلف الأفق إلا الصباح.جلست في العربة بجانب وردة، وكايرون يركب بجانب النافذة على حصانه. كان دارين في المقدمة قرب رومان يتبادلان حديثا قصيرا هادئا. ولم أستطع أن أجزم أيهما يخدع الآخ
الفصل التاسع عشر الخاتم الفضيكان قلبي يدق بقوة حتى خشيت أن يسمعه الفرسان الواقفون في الأسفل. فكرت في وردة المرتجفة خلفي، وفي دارين الذي لا أعرف لأي جانب هو، وفي كايرون الواقف أمام عشرة سيوف بلا درع. لم يعد في العالم حولي غير هذه القاعة.ساد الصمت في قاعة النزل حتى سمعت قطرات المطر تنزل من أطراف ثياب الفرسان على الأرضية الخشبية.وقف كايرون على الدرج بقامته الطويلة، وقد أسقط القلنسوة عن رأسه. لم يعد يشبه الفلاح الذي كان في العربة. لمعت عيناه الرماديتان في ضوء الفوانيس، وقال بصوت هادئ يسمعه كل من في القاعة.قم يا رومان.نهض الضابط ببطء. كان يضع قبضته على صدره بحركة الجندي المحترف، وابتسامته ما زالت مرسومة بإتقان.المستشار قلق على سلامتك يا مولاي. قال. وصل إليه خبر أن بعض قطاع الطرق يتجولون في هذه المنطقة.ومن أخبره أنني في هذه المنطقة؟لا أعلم. كل ما أعلمه أن أمرا ملكيا ختمه المستشار وصلني ليلة أمس.أمر ملكي لم أكتبه. قال كايرون ببرود. أراه عجيبا.لم تتغير ملامح رومان. شعرت بالتوتر يشتد في القاعة
الفصل الثامن عشر عاصفة النزلتغير الجو في العربة بعد مغادرتنا الوادي.لم يقل أحد شيئا. جلست وردة بيننا ملتفة بشال صوفي، ويداها تقبضان على صندوق صغير فيه ما تملكه. ومن مقعد السائق كان دارين يقود البغلين بصمت، وظهره مشدود كوتر.وكلما نظرت إلى ندبة حاجبه من الجانب رأيتها أوضح.في منتصف الطريق مالت وردة نحوي وهمست بصوت لا يسمعه غيري.أنت ابنة الشافية. أليس كذلك يا ابنتي؟تجمدت.كنت أخدم في قصر الملك ألدريك قبل أن أصير وصيفة. قالت وهي تنظر إلى الأرض. عيناك هما عيناها. لن أقول لأحد، أقسم لك.أومأت لها فقط، وأمسكت يدها بقوة. لم يكن لدي ما أقوله.لا. قلت لنفسي. رجل كهذا لا يمكن أن يكون قاتلا. رجل ينزف من أجل أطفال غرباء.لكنني تذكرت كلمات أمي. احذري كل من يضع الختم على يده أو ثوبه. ولم تقل شيئا عن من يخفي الختم في قلبه.عند منتصف الطريق بدأت الغيوم السوداء تتجمع فوق الجبال، ثم هبت ريح باردة، وانهمر مطر غزير حول العربة كأن السماء انفتحت. تحول الطريق إلى طين، وغاصت العجلات حتى كادت البغال تتوقف.





