分享

خيط في الظلام

作者: Frank
last update publish date: 2026-07-20 00:10:34

في الصباح التالي لاكتشافهم شهادة الميلاد والرسائل القديمة، اجتمع الإخوة الثلاثة في المكتبة الصغيرة الملحقة بمنزلهم القديم، ووضعوا كل ما وجدوه في العلية على الطاولة الخشبية الكبيرة: الرسائل، الصورة المصفرّة، وشهادة الميلاد التي تحمل اسم "يوسف". لم يكن أحد منهم يعرف من أين يبدأ بالضبط، لكن الجميع اتفق على أمر واحد: لا بد من الاستعانة بمحامي العائلة القديم، الأستاذ كريم الحلبي، الذي كان قد أشرف على تنفيذ الوصية منذ البداية.

اتصلت سلمى به على الفور، وطلبت منه الحضور إلى المنزل بأسرع وقت ممكن. حين وصل بعد ساعتين تقريبًا، ولمح الأوراق المنتشرة على الطاولة، تجمد وجهه للحظة، وبدا عليه ارتباك واضح حاول إخفاءه سريعًا خلف ابتسامة مهنية باهتة.

"أستاذ كريم،" قالت ريم بنبرة حازمة لم تترك مجالًا للمراوغة، "نريد أن نعرف كل ما تعرفه عن هذا الشخص. هل كنت تعلم بوجوده؟"

تردد المحامي طويلًا قبل أن يجيب، ثم زفر بعمق وقال: "والدكم رحمه الله كلّفني قبل وفاته بثلاث سنوات تقريبًا بمهمة سرية: متابعة أخبار شاب يُدعى يوسف، يعيش في مدينة صغيرة بعيدة عن هنا، دون أن أخبره من أنا أو لماذا أراقب حياته. كان والدكم يرسل له مبلغًا شهريًا عبر حساب مصرفي مجهول الهوية، ويطلب مني فقط أن أتأكد أنه بخير، وأن أرسل له تقريرًا كل ثلاثة أشهر."

صُدم عادل من هذا الكشف، وقال بصوت خافت: "إذن أنت كنت تعرف بكل شيء طوال هذه المدة، ولم تخبرنا؟"

أجاب المحامي بحذر: "لم يكن ذلك من حقي. الوصية نفسها نصت بوضوح على أن هذه المعلومات لا تُكشف إلا إذا اخترتم أنتم البحث عنها بأنفسكم خلال فترة الثلاثين يومًا. والدكم أراد أن يتأكد أن رغبتكم في معرفة الحقيقة نابعة منكم، لا مفروضة عليكم."

عندها فقط، تذكرت سلمى الرجل الغريب الذي شوهد يراقب المنزل تلك الليلة، وسألت المحامي مباشرة إن كان له علاقة بذلك. أومأ الأستاذ كريم برأسه بارتباك واضح، واعترف أخيرًا: "نعم، كان محققًا خاصًا استأجرته أنا شخصيًا بتكليف من والدكم قبل وفاته بأسابيع قليلة، لمراقبة المنزل من بعيد والتأكد من سلامتكم جميعًا خلال فترة الوصية، دون أن يتدخل مباشرة إلا إذا استدعى الأمر ذلك. لم يكن يقصد إخافتكم، لكنه أُمر بالانسحاب فورًا إن شعر بأنه اقترب أكثر من اللازم."

شعر الثلاثة بارتياح جزئي لحل أحد ألغاز تلك الأيام المضطربة، لكن السؤال الأكبر ظل معلقًا: أين يعيش يوسف بالضبط الآن، وهل يعرف شيئًا عن أصله الحقيقي؟

طلب عادل من المحامي الحصول على العنوان الأخير المسجل ليوسف دون تردد، لكن الأستاذ كريم أوضح أن آخر تقرير وصله كان قبل وفاة الوالد بأسبوعين فقط، وأن يوسف كان قد انتقل للتو من مدينته إلى مكان آخر مجهول، مما جعل تتبعه أكثر تعقيدًا مما توقعوا في البداية.

قررت سلمى حينها الاستعانة بمكتب تحقيقات خاص موثوق أوصى به المحامي نفسه، ودفعوا معًا الأتعاب اللازمة من حسابهم المشترك دون تردد، فقد أصبح العثور على يوسف، بالنسبة لهم جميعًا، أهم بكثير من أي جزء من الميراث المادي المتنازع عليه.

استغرق البحث أسبوعًا كاملًا من التتبع الدقيق عبر السجلات الرسمية والاتصالات المتكررة، حتى وصلهم أخيرًا خبر مؤكد: يوسف يعمل الآن مدرسًا للغة العربية في مدرسة ريفية صغيرة، يعيش حياة متواضعة وهادئة تمامًا، بعيدة كل البعد عن أي فخامة أو ثراء عرفته عائلته الحقيقية دون علمه.

وبينما كانت سلمى تنظر إلى العنوان المكتوب أمامها، شعرت بمزيج غريب من الخوف والأمل معًا، متسائلة كيف سيتقبل هذا الرجل، الذي عاش حياته كاملة بمعزل عن كل هذا، خبر انتمائه المفاجئ إلى عائلة لم يكن يعرف بوجودها من الأساس.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل الثامن والثلاثون: صوت من الظل الآخر

    في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة قصيرة من النوم المضطرب، اجتمعت العائلة مجددًا لمناقشة رسالة التحذير الغامضة التي وصلتهم بشأن سليم الزاهري. اقترح منير أولًا محاولة تتبع الرقم الذي أرسل منه هذه الرسالة، رغم علمه المسبق أن أصحاب مثل هذه الرسائل غالبًا ما يستخدمون أرقامًا مؤقتة يصعب تتبعها بسهولة. فوجئ الجميع حين نجح فعلاً، بمساعدة أحد معارفه التقنيين المتخصصين، في تحديد أن الرسالة أُرسلت من هاتف مسجل مؤقتًا في نفس المدينة التي جرى فيها لقاء سلمى وريم مع سليم قبل يومين فقط.شعر الجميع بقشعريرة عند سماع هذا التفصيل: من أرسل الرسالة كان قريبًا جدًا من مكان اللقاء نفسه، مما يعني احتمالين لا ثالث لهما تقريبًا: إما أن أحدًا كان يراقب اللقاء عن كثب دون أن يلاحظه أي منهم، أو أن المرسل كان شخصًا حاضرًا بالفعل بشكل ما ضمن دائرة الثقة القريبة جدًا من العائلة أو من سليم نفسه.اقترحت لينا التواصل مرة أخرى مع سليم مباشرة، لإخباره بهذه الرسالة الغامضة ومعرفة رد فعله عليها، معتبرة أن ردة فعله الصادقة أو المرتبكة قد تكشف الكثير عن مدى مصداقيته الحقيقية. وافق الجميع بحذر، واتصلت سلمى بالرقم الذي زودها به

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل السابع والثلاثون: من هو الناظر حقًا

    استمر سليم الزاهري في الحديث بصوت هادئ، وكأنه يتحرر أخيرًا من عبء ثقيل حمله بمفرده لسنوات طويلة جدًا: "دخلت هذه الدوائر الخارجية للشبكة بعد وفاة فادي مباشرة، ليس رغبة مني في الانتقام أو الثراء، بل لأنني أدركت أن الطريقة الوحيدة لفهم من تسبب حقًا في مأساة أخي، ومن يقف خلف كل هذه الشبكة المعقدة، هي أن أقترب منها بما يكفي لأراقبها من الداخل، دون أن أصبح جزءًا فعليًا من قراراتها الإجرامية المباشرة."سألت سلمى بحذر: "هل عرفت إذن هوية 'الناظر' الحقيقية؟" ابتسم سليم ابتسامة مريرة، وأجاب: "هذا هو الجزء الأكثر تعقيدًا في كل هذه القصة. 'الناظر' ليس شخصًا واحدًا ثابتًا كما تتصورون، بل هو في الحقيقة مجلس صغير جدًا من ثلاثة أشخاص فقط، يتناوبون على اتخاذ القرارات المصيرية للشبكة، ويحمل كل واحد منهم اللقب في فترات معينة حسب طبيعة القرار المطلوب اتخاذه، بينما يبقى الاثنان الآخران في الظل تمامًا خلال تلك الفترة."شعرت ريم بصدمة عند سماع هذا التعقيد الجديد، وسألت: "وهل تعرف هوية هؤلاء الثلاثة الحاليين؟" أجاب سليم بحذر: "أعرف هوية اثنين منهم بشكل شبه مؤكد، لكن الثالث ظل دائمًا الأكثر غموضًا، حتى بالنسبة

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل السادس والثلاثون: الرد المتأخر

    صاغت لينا الرسالة بعناية فائقة، بمساعدة سلمى وعادل، حريصين على أن تحمل كل كلمة فيها صدقًا حقيقيًا دون أي محاولة لتبرير أخطاء الأب أو التقليل من ألم عائلة الزاهري. جاء في الرسالة، بعد مقدمة مهذبة، اعتراف صريح: "نعرف الآن قصة فادي، ونعرف أن والدنا تحمل جزءًا من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور تلك الليلة المأساوية. لسنا هنا لتبرئته، ولا لطلب الصفح باسمه، بل لنقول إننا نحمل نحن أيضًا وزر أخطائه، ونرغب بصدق في إنهاء هذا الصراع القديم الذي أثقل عائلتينا لسنوات طويلة جدًا، بطريقة إنسانية بعيدة عن كل هذا الغموض والخوف المتبادل."أرسلت لينا الرسالة عبر البريد الإلكتروني الرسمي لمكتب إدارة أصول عائلة الزاهري، مرفقة بملاحظة قانونية مهذبة تؤكد جدية الطلب ورغبته الصادقة في حوار مباشر لا يحمل أي نية عدائية. انتظرت العائلة بأكملها بقلق شديد طوال الأيام التالية، دون أي رد يُذكر، حتى بدأ القلق يتحول تدريجيًا إلى يأس هادئ، واعتقد البعض أن الرسالة ربما لم تصل إلى سليم نفسه على الإطلاق، أو أنه ببساطة اختار تجاهلها كليًا.بعد عشرة أيام كاملة من الانتظار المتوتر، وصل أخيرًا رد غير متوقع، ليس عبر البريد الإل

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل الخامس والثلاثون: أخ سليم

    بدأت لينا فورًا في البحث عن أي سجل قديم يخص وفاة أو اختفاء أحد أفراد عائلة الزاهري، مستعينة هذه المرة بأرشيف الصحف المحلية القديمة، إذ افترضت أن حادثة بهذا الحجم، إن كانت تخص عائلة ثرية ومعروفة نسبيًا، ربما تركت أثرًا صحفيًا صغيرًا حتى لو حاولت العائلة التكتم عليه قدر الإمكان. استغرق البحث ثلاثة أيام كاملة من التنقيب في الأرشيفات الرقمية القديمة، حتى عثرت أخيرًا على خبر صغير جدًا، منشور في زاوية هامشية من إحدى الصحف المحلية القديمة، يعود تاريخه إلى نفس الفترة التقريبية لاختفاء سامي الرشيدي.كان الخبر مقتضبًا للغاية: "وفاة رجل الأعمال الشاب فادي الزاهري إثر سقوطه من شرفة منزله في ظروف لا تزال قيد التحقيق." لم يتضمن الخبر أي تفاصيل إضافية، ولم يُنشر أي متابعة لاحقة للقضية، وكأن التحقيق أُغلق بهدوء تام دون أي إعلان رسمي عن نتيجته النهائية، تمامًا كما حدث مع قضايا أخرى واجهتها العائلة من قبل خلال هذه الرحلة الطويلة.جمع الجميع في المكتبة فور وصول هذا الخبر، وقرأته لينا بصوت مرتفع أمامهم جميعًا. شعرت الأم بارتجاف واضح، وقالت بصوت متهدج: "فادي الزاهري... أتذكر الآن أن زوجي ذكر هذا الاسم مرة

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل الرابع والثلاثون: اسم خلف الجزيرة

    بعد أسبوعين من العمل الدؤوب، وصل أخيرًا خبر من المحامي الدولي الذي استعانت به لينا: تمكن، بعد جهد قانوني معقد جدًا استغرق وقتًا أطول من المتوقع، من اختراق طبقة واحدة على الأقل من طبقات الحماية القانونية المحيطة بالشركة القابضة المسجلة في تلك الجزيرة البعيدة. اتصلت لينا بالعائلة فورًا، وطلبت اجتماعًا عاجلًا في المنزل القديم لمناقشة هذا التطور المهم.جلس الجميع حول طاولة المكتبة، بمن فيهم سميرة ومنير، وشرحت لينا بحماس مكتوم: "استطعنا الحصول على وثيقة قانونية داخلية، عبر قناة رسمية بحتة هذه المرة دون أي مخاطرة، تكشف أن الشركة القابضة الأم لـ'مجموعة السبعة' مملوكة فعليًا، ولو بشكل غير مباشر عبر ثلاث طبقات وسيطة أخرى، لصندوق استثماري عائلي خاص، مسجل باسم عائلة واحدة فقط: عائلة 'الزاهري'."ساد صمت مطبق في الغرفة عند سماع هذا الاسم الجديد كليًا. سألت سلمى بحذر: "هل هذا اسم مألوف لأي منكم؟" هز الجميع رؤوسهم بالنفي، باستثناء الأم التي بدت شاحبة الوجه فجأة، وقالت بصوت متردد: "أعتقد أنني سمعت هذا الاسم مرة واحدة فقط، منذ سنوات طويلة جدًا، حين كان زوجي يتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض جدًا مع شخص لم ي

  • لغز الوصية الغامضة    الفصل الثالث والثلاثون: العلامة الصغيرة في القائمة

    ظلت سلمى تتجنب النظر مباشرة إلى الاسم الذي وضعت بجانبه تلك العلامة الصغيرة في قائمتها الطويلة، محاولة إقناع نفسها أنها مجرد وسواس زائد نتيجة كل هذا التوتر المتراكم منذ أسابيع طويلة. لكن حين جلست بمفردها في غرفتها تلك الليلة، أخرجت الورقة مرة أخرى، وقرأت الاسم بصوت خافت جدًا لنفسها فقط: "الدكتور نبيل حمدان."كان نبيل حمدان الطبيب الذي فحص منير بعد عودته من رحلته المضطربة، وهو من اكتشف أثر الحقنة الغامضة على ذراعه. تذكرت سلمى أن هذا الطبيب لم يكن طبيب العائلة المعتاد الذي يعرفونه منذ سنوات طويلة، بل اقترحه منير نفسه بحجة أنه "أكثر خبرة في مثل هذه الحالات النادرة"، دون أن يوضح كيف تعرف عليه بالضبط أو من أين أتت هذه التوصية المفاجئة.شعرت سلمى بذنب فوري لمجرد التفكير في الشك بطبيب بدا محترفًا وهادئًا تمامًا خلال الفحص، لكنها قررت التحقق من الأمر بهدوء قبل إخبار أي أحد. طلبت من ريم، دون كشف كل التفاصيل، مساعدتها في البحث عن خلفية هذا الطبيب: أين درس، ومنذ متى يعمل في عيادته الحالية، وما إذا كانت له أي علاقة سابقة معروفة بمنير أو بأي شخص آخر من دائرة العائلة المقربة.استغرق هذا البحث يومًا

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status