Mag-log inفي ليلةٍ لم تفهمها طفلة في السابعة، خرجت ليان من بيتها ممسكةً بيد جدتها، وتركت خلفها أمها، وبابًا مفتوحًا، ووشاحًا أبيض عالقًا على الخشب القديم. قالوا لها إن أمها ستعود. ثم قالوا إنها ضاعت. ثم همسوا بأنها هربت وتركتها. كبرت ليان وهي تحمل داخلها سؤالًا واحدًا يحرق قلبها كل ليلة: أمي، لماذا تركتِني؟ بعد عشر سنوات من الصمت، يظهر شاب غريب اسمه آدم يحمل ملفًا قديمًا عن المفقودين، وفي داخله اسم أمها: مريم. عندها تبدأ ليان رحلة بحثٍ مؤلمة بين الرسائل المخفية، والصور الممزقة، والمفاتيح القديمة، واعترافات الجدة التي تأخرت كثيرًا. لكن كل حقيقة تكتشفها لا تقربها من أمها فقط… بل تكشف لها أن مريم لم تكن امرأة هاربة، بل أمًا كانت تحاول حماية ابنتها من سرٍّ خطير، وحماية حكايات أطفال ضاعت أسماؤهم وسط الخوف والتهجير. ومع كل رسالة تجدها ليان، يتكسر جزء من كراهيتها، ويولد مكانه وجع أكبر: ماذا لو كانت أمها تبحث عنها طوال هذه السنوات؟ وماذا لو أن السؤال الحقيقي لم يكن: لماذا تركتني؟ بل: ماذا فعلتِ يا أمي كي أبقى حيّة؟ رواية عن طفلة ظنت أن أمها تخلّت عنها، وعن أمٍ تركت خلفها قلبها، ورسائلها، ووشاحها الأبيض… لتقول يومًا: "لم أترككِ يا ابنتي… كنتُ أحاول العودة."
view moreلم تكن ليان تعرف أن البيت يمكن أن يخون صاحبه.
كانت تظن أن البيت مثل حضن الأم؛ مهما اشتدّ الليل في الخارج، يبقى دافئًا من الداخل. كانت تظن أن الجدران لا تسقط، وأن الأبواب لا تُترك مفتوحة، وأن الأم لا تختفي قبل أن تكمل الحكاية. في تلك الليلة، كانت نائمة على طرف الفراش الصغير، وقد ضمّت دميتها البنية إلى صدرها. كان شعرها الأسود مبعثرًا فوق الوسادة، وكانت بقايا ابتسامة صغيرة عالقة على وجهها، كأنها ما زالت تسمع صوت أمها وهي تقول قبل النوم: "نامي يا روحي… أنا هون." كانت مريم تجلس قربها كل ليلة، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها، وتروي لها حكاية البيت القديم ذي الباب الأخضر، وحكاية البحر الذي لم تره ليان إلا في الصور، وحكاية شجرة الزيتون التي قالت لها أمها مرة إنها تشبه الجدات؛ صامتة، ثابتة، وتحفظ الأسرار. سألتها ليان قبل أن تنام: "ماما، لما أكبر، بتاخذيني عالبحر؟" ابتسمت مريم يومها، لكن ابتسامتها كانت حزينة بطريقة لم تفهمها ليان. قالت وهي تغطيها جيدًا: "بوعدك يا قلبي. يومًا ما سنذهب." "ومتى يومًا ما؟" ضحكت مريم بهدوء، ثم قبّلت جبينها. "لما يصير الطريق أحنّ علينا." لم تفهم ليان معنى أن يكون الطريق قاسيًا أو حنونًا. كانت طفلة في السابعة، وكل ما تعرفه عن الطرق أنها تأخذ الناس إلى السوق، أو المدرسة، أو بيت الجدة. لم تكن تعرف أن بعض الطرق تأخذ الناس ولا تعيدهم. أغلقت عينيها تلك الليلة وهي تفكر في البحر. تخيلت أمها تمسك يدها، وهما تمشيان فوق الرمل. تخيلت ثوب مريم الزيتوني يتحرك مع الهواء، وشعرها البني يظهر قليلًا من تحت الوشاح الأبيض. ثم غلبها النوم. لم يطل النوم كثيرًا. استيقظت على صوت ضخم هزّ كل شيء. لم يكن صوت رعد. الرعد يأتي من السماء ويترك خلفه مطرًا. هذا الصوت جاء من الأرض، من الجدران، من داخل صدرها الصغير. فتحت عينيها فجأة، وشعرت أن الفراش تحتها ارتجف كأنه يريد أن ينهض ويهرب. بقيت لحظات لا تفهم أين هي. الغرفة التي نامت فيها لم تعد تشبه غرفتها. الغبار يملأ الهواء، والنافذة مفتوحة بعنف، والستارة البيضاء التي كانت أمها تغسلها كل يوم جمعة تمزقت من طرفها. الكوب الأزرق قرب سريرها كان مكسورًا، والماء امتزج بتراب الأرض. مدّت يدها تتحسس المكان بجانبها، كأنها تبحث عن دفء أمها. كان المكان فارغًا. رفعت رأسها ببطء. "ماما؟" خرج صوتها صغيرًا، ضعيفًا، كأنه يخاف أن يسمعه الظلام. لم يجب أحد. جلست على الفراش، وبدأ قلبها يخفق بسرعة. خارج الغرفة، كانت تسمع أصواتًا كثيرة: صراخ، ركض، أبواب تُفتح وتُغلق، أسماء تُنادى، وبكاء لا تعرف مصدره. كررت بصوت أعلى: "ماما… وينك؟" لم تأتِ مريم. حاولت ليان النزول من السرير، لكن قدميها لم تلمسا الأرض حتى شعرت بشيء حاد تحتها. صرخت، ورفعت قدمها بسرعة. كانت قطعة زجاج صغيرة قد خدشت جلدها. نظرت إلى الأرض فرأت بقايا إطار الصورة الذي كان معلقًا على الجدار. كانت الصورة لعائلتها الصغيرة: مريم، وليان، ورجل لم تكن تتذكر صوته جيدًا، لكنها تعرف أنه والدها سامر. الصورة انكسرت. وجه مريم فيها كان ما زال واضحًا، أما وجه سامر فقد شقّه الزجاج. تقدمت ليان خطوة، لكنها تجمدت عندما انفتح الباب فجأة. دخلت جدتها سعاد. لم تكن الجدة كما تعرفها ليان. لم تكن المرأة التي ترتب خبز الطابون في قطعة قماش، ولا التي تقول لها دائمًا: "تعالي يا ستي كلي لقمة." كانت أمامها امرأة شاحبة، على وجهها غبار، وحجابها مائل، وعيناها واسعتان كأنهما رأتا شيئًا لا يحتمله القلب. قالت بصوت مخنوق: "ليان، قومي. بسرعة." ركضت ليان نحوها، لكنها لم تعانقها. أمسكت بطرف ثوبها وسألت: "وين ماما؟" ارتجفت يد سعاد. لم تجب فورًا. نظرت خلفها نحو الممر المظلم، ثم عادت تنظر إلى ليان. في تلك اللحظة، شعرت الطفلة أن جدتها تخفي شيئًا كبيرًا، شيئًا أكبر من البيت، وأكبر من الليل. قالت سعاد وهي تمد يدها: "تعالي معي." "بدي ماما." "ليان، ما في وقت." تشبثت ليان بمكانها. كان الخوف يجعل جسدها صغيرًا، لكنه جعل صوتها عنيدًا. "لا. بدي ماما. وين ماما؟" أغمضت سعاد عينيها لحظة قصيرة. عندما فتحتهما، كان فيهما ألم غريب. انحنت نحو ليان وأمسكت وجهها بين كفيها. "اسمعيني يا روحي. أمك رح تلحقنا." "متى؟" "بعد شوي." "وعد؟" ابتلعت سعاد شيئًا في حلقها، ثم قالت: "وعد." لم تكن ليان تعرف أن بعض الوعود تُقال فقط كي يستطيع الإنسان أن يواصل التنفس. أخذتها سعاد من يدها وبدأت تركض. لم تسمح لها أن ترتدي حذاءها، ولا أن تأخذ دميتها. صرخت ليان: "دبدوبتي!" لكن الجدة شدتها أكثر. "خليها، يا ستي. المهم أنتِ." خرجتا إلى الممر. كان البيت غريبًا، كأن أحدًا عبث بذاكرته. الباب الداخلي مكسور، وصورة البحر التي كانت مريم تحبها سقطت على الأرض، والمرآة قرب المدخل تشققت حتى صار وجه ليان فيها مقسمًا إلى وجوه كثيرة. رائحة غبار ودخان ملأت المكان. عند باب البيت، توقفت ليان فجأة. رأت وشاح أمها الأبيض. كان عالقًا بمسمار خشبي قرب الباب، يتدلى بصمت، وطرفه يتحرك مع الهواء الداخل من الخارج. عرفته فورًا. هذا الوشاح كانت مريم تضعه عندما تخرج إلى السوق، وكانت ليان تحب أن تضع وجهها فيه لأنه يحمل رائحة أمها: صابون الغار، وخبز الصباح، وشيء دافئ لا اسم له. سحبت يدها من يد الجدة وحاولت الاقتراب منه. "هذا وشاح ماما." صرخت سعاد: "ليان!" لكن الطفلة مدت يدها نحو الوشاح. قبل أن تلمسه، دوى صوت آخر في الخارج، أقرب من الأول. اهتز الباب، وسقط تراب من أعلى الجدار. صرخت ليان، فحملتها سعاد بين ذراعيها رغم ألم ظهرها، وخرجت بها إلى الزقاق. كان الليل خارج البيت أسوأ من داخله. الناس يركضون في كل اتجاه. امرأة تحمل طفلًا نائمًا أو فاقد الوعي، لا تعرف ليان. رجل عجوز يجلس على الأرض ويمسك مفتاحًا كبيرًا، يكرره بين أصابعه وهو يقول: "بيتي… بيتي…" وشاب ينادي اسم أخيه بصوت مبحوح. الأبواب كلها مفتوحة. هذا ما رعب ليان أكثر من الأصوات. كانت تعرف أن الأمهات يغلقن الأبواب في الليل. مريم كانت تفعل ذلك دائمًا، ثم تتأكد مرتين. أما الآن، فكل الأبواب مفتوحة، كأن البيوت نفسها خرجت تبحث عن أصحابها. وضعت ليان رأسها على كتف جدتها، لكنها ظلت تنظر إلى الوراء. كان باب بيتهم الأخضر مفتوحًا. والوشاح الأبيض ما زال هناك. رفعت صوتها بكل ما تستطيع: "ماما!" لم تخرج مريم. لم تظهر عند الباب. لم تركض خلفهما. لم تقل: "أنا هون." حاولت ليان أن تنزل من بين ذراعي جدتها، فشدّت سعاد عليها بقوة. "اتركيني! بدي أرجع!" "لا ترجعي، يا روحي." "ماما هناك!" "أمك رح تلحقنا." "أنتِ كذابة!" خرجت الكلمة من فمها قبل أن تفهمها. تجمدت سعاد للحظة، لكنها لم تغضب. فقط شدّت الطفلة إلى صدرها أكثر، ومضت تركض بين الناس. كان الهواء باردًا، لكن جسد ليان كان يحترق. كانت تبكي وتضرب كتف جدتها بيديها الصغيرتين. "بدي ماما! بدي ماما!" لم تقل سعاد شيئًا. كانت دموعها تنزل بصمت، تختلط بالغبار على وجهها. وكلما صرخت ليان، ازداد صمتها عمقًا. وصلا إلى بيت صغير في طرف الحي، بيت لا تعرفه ليان. كانت هناك نساء كثيرات وأطفال ملتفون ببطانيات. رائحة الخوف كانت في المكان، ثقيلة، حتى إن ليان شعرت أنها تستطيع لمسها بيدها. وضعتها سعاد على الأرض قرب جدار بارد. جاءت امرأة لا تعرفها وقدمت لها كوب ماء. "اشربي يا حبيبتي." دفعت ليان الكوب بعيدًا. "بدي أمي." نظرت المرأة إلى سعاد، ثم أشاحت بوجهها. كرهت ليان تلك النظرة. كانت نظرة الناس عندما يعرفون شيئًا ولا يريدون قوله. جلست سعاد قربها، ومدت يدها لتلمس شعرها، لكن ليان ابتعدت. "أنتِ خليتِها هناك." قالت سعاد بصوت متعب: "أنا أخذتك لأن أمك طلبت مني." توقفت ليان عن البكاء لحظة. "ماما قالت لكِ؟" نظرت سعاد إلى الأرض. "آه." "طيب ليش ما إجت معنا؟" لم تجب الجدة. عادت ليان تسأل، وهذه المرة كان صوتها أضعف: "هي زعلانة مني؟" رفعت سعاد رأسها بسرعة، كأن السؤال طعنها. "لا يا ليان. لا تحكي هيك. أمك بتحبك أكثر من حالها." "طيب ليش تركتني؟" كان السؤال صغيرًا، لكنه ملأ الغرفة كلها. سكتت النساء. حتى الأطفال الذين كانوا يبكون خفّ صوتهم قليلًا، كأنهم ينتظرون جوابًا. وضعت سعاد كفها على فمها، ثم أنزلته ببطء. "في أشياء… ما بتنفهم هلأ." "أنا بدي أفهم." "لما تكبري." "أنا كبيرة." كادت سعاد تبتسم من الألم، لكنها لم تستطع. مدت يدها مرة أخرى، وهذه المرة لم تبتعد ليان. مسحت الجدة الغبار عن خدها، ثم قالت: "أنتِ صغيرة يا روحي. صغيرة كثير على هالقهر." لم تفهم ليان معنى القهر، لكنها شعرت به. كان يشبه حجرًا في صدرها. حجرًا يمنعها من التنفس. في زاوية الغرفة، كانت امرأة تهدهد طفلًا وتغني له بصوت خافت. الأغنية كانت قديمة، تعرفها ليان لأن مريم كانت تغنيها لها أحيانًا. عند أول جملة، انفتح الجرح من جديد. "يمّا مويل الهوى…" شهقت ليان، ووضعت يديها على أذنيها. "لا تغني!" توقفت المرأة فورًا. نظرت إليها سعاد بحزن، ثم ضمّتها إلى صدرها. هذه المرة لم تقاوم ليان. كانت متعبة، خائفة، وحافية القدمين. وضعت رأسها على صدر جدتها، لكنها لم تشعر بالأمان. كان صدر سعاد يرتجف، واليد التي تمسح ظهرها باردة. مرت ساعات، أو ربما دقائق. لم تكن ليان تعرف الوقت. كلما أغمضت عينيها رأت الباب الأخضر، والوشاح الأبيض، ووجه أمها الذي لم يظهر. في لحظة ما، سمعت همسًا قريبًا. كانت امرأتان تتحدثان قرب النافذة. قالت الأولى بصوت منخفض: "الله يعين البنت… أمها راحت." ردت الثانية: "راحوا كثير الليلة." "بس مريم… مريم كان وراها قصة." رفعت ليان رأسها. مريم. اسم أمها. تظاهرت بأنها لا تسمع، لكنها حبست أنفاسها. قالت المرأة الأولى: "سعاد بتعرف أكثر مما بتحكي." ردت الثانية بسرعة: "اسكتي. البنت صاحيا." استدارتا نحوها. أغمضت ليان عينيها بسرعة وتظاهرت بالنوم. بقي قلبها يدق بعنف. سعاد تعرف. جدتها تعرف شيئًا. عند الفجر، خفتت الأصوات في الخارج. صار المكان رماديًا، لا ليلًا ولا نهارًا. فتحت ليان عينيها فوجدت نفسها مغطاة ببطانية خشنة. قدماها تؤلمانها، وحلقها جاف من البكاء. كانت سعاد تجلس قرب الباب، تحدق في الفراغ. لم تنم. بدا وجهها أكبر بكثير مما كان في الأمس. نهضت ليان بهدوء، وسارت نحوها. "تيتة." التفتت سعاد بسرعة. "صحيتِ؟" "بدي أروح عالبيت." تغير وجه الجدة. "لا." "بس ماما هلأ رجعت." "ليان…" "أنتِ قلتي بعد شوي. صار الصبح." لم تجد سعاد جوابًا. اقتربت ليان منها أكثر، وكانت عيناها حمراوين من البكاء. "كذبتي عليّ؟" فتحت سعاد فمها، ثم أغلقته. كأن الحقيقة وقفت على لسانها، لكنها خافت أن تخرج. في تلك اللحظة، دخل رجل إلى البيت. كان يحمل كيسًا صغيرًا وبعض الأغطية. عرفته ليان؛ كان جارهم أبو يوسف. كان وجهه متعبًا، وعندما رأى سعاد، اقترب منها وهمس بشيء. لم تسمع ليان كل الكلام، لكنها سمعت كلمة واحدة. "مريم." وقفت. "شو صار لماما؟" ارتبك أبو يوسف. نظر إلى سعاد، ثم إلى الطفلة. قالت سعاد بحدة: "ولا كلمة." لكن ليان صرخت: "أنا بنتها! بدي أعرف!" ساد صمت ثقيل. انحنى أبو يوسف قليلًا حتى صار قريبًا من مستوى عينيها. كان رجلًا طيبًا، لكنها رأت في عينيه شفقة كرهتها. قال بصوت مكسور: "أمك امرأة طيبة يا ليان." "وينها؟" لم يجب. "وينها؟" أشاحت سعاد بوجهها. قال أبو يوسف بعد لحظة: "ما حدا بعرف." كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت على ليان كحجر. ما حدا بعرف. يعني أن مريم ليست في البيت. وليست في الطريق. وليست خلف الباب. وليست قادمة بعد قليل كما قالت الجدة. يعني أن أمها ضاعت. أو تُركت. أو تركتها. ركضت ليان نحو الباب، لكن سعاد لحقت بها وأمسكتها. "اتركيني!" "لا يا ليان!" "بدي أجيب ماما!" "ما بتقدري!" "ليش؟ ليش ما بتخلوني؟" لم تستطع سعاد احتمال السؤال. سقطت على ركبتيها أمام الطفلة، وأمسكت كتفيها بقوة. "لأن أمك طلبت مني أحميكِ!" تجمدت ليان. كان صوت سعاد قد خرج أعلى مما أرادت، وانكسر في نهايته. حدقت الطفلة فيها بذهول. "تحميني من شو؟" سكتت سعاد فورًا، كأنها أدركت أنها قالت أكثر مما يجب. عاد الخوف إلى عينيها. "من الدنيا." لم تقتنع ليان. لكنها لم تكن تملك كلمات أكثر. جلست على الأرض ببطء، وضمّت ركبتيها إلى صدرها. لأول مرة منذ بداية الليل، لم تصرخ. لم تبكِ. فقط نظرت إلى الباب. لم يكن باب بيتهم. لم يكن أخضر. ولم يكن عليه وشاح مريم. شعرت أن شيئًا داخلها أغلق بصمت. في مساء ذلك اليوم، عاد أبو يوسف ومعه كيس صغير. قال إنه وجد بعض الأشياء قرب بيتهم. لم يسمحوا لليان بالخروج، لكنها رأت الكيس في يد الجدة. بقيت تراقبه حتى جلست سعاد في الزاوية وفتحته. كان داخله قطعة قماش، وصورة مكسورة، وشيء أبيض. نهضت ليان دفعة واحدة. "وشاح ماما!" مدت يدها بسرعة، لكن سعاد أخذت الوشاح قبلها وضمته إلى صدرها. "أعطيني إياه!" "ليس الآن." "هو إلي!" نظرت سعاد إليها طويلًا، ثم مدت الوشاح ببطء. أخذته ليان كأنه طفل صغير. ضمته إلى وجهها واستنشقت رائحته. كانت رائحة مريم ما زالت هناك، خفيفة، مكسورة، لكنها موجودة. عندها فقط بكت. بكت بصمت، بلا صراخ، بلا كلمات. بكت لأنها فهمت أن الوشاح عاد، لكن أمه لم تعد. في تلك الليلة، نامت ليان وهي تضم الوشاح الأبيض بدل دميتها. وقبل أن يغلبها النوم، سمعت جدتها تهمس وهي تظنها نائمة: "سامحيني يا مريم… ما قدرت أحكي لها." فتحت ليان عينيها في الظلام. لم تتحرك. لم تتنفس تقريبًا. أي شيء لم تستطع الجدة أن تقوله؟ ولماذا تطلب السماح من مريم؟ ومنذ تلك اللحظة، لم يعد سؤال ليان واحدًا فقط. لم تعد تسأل: أين أمي؟ بل صار السؤال يكبر في قلبها، ويتحول إلى جرح لا يلتئم: لماذا تركتني أمي؟ ولم تكن تعرف أن الجواب سيحتاج سنوات طويلة، ورسائل مخفية، وصورًا ممزقة، ومفتاحًا صغيرًا، ورجلًا غريبًا يعرف اسم مريم… قبل أن يصل إليها. لكن في تلك الليلة، كانت ليان مجرد طفلة حافية القدمين، تضم وشاح أمها، وتحدق في باب لا يشبه باب بيتها. أما الباب الحقيقي، الباب الأخضر، فقد بقي مفتوحًا خلفها. وبقيت هي، في أعماقها، واقفة عنده إلى الأبد.مرّ عام كامل منذ فُتح باب البيت الأخضر للناس.تغيّرت أشياء كثيرة خلال ذلك العام، وبقيت أشياء أخرى تحتاج إلى وقت أطول. لكن الحقيقة لم تعد مختبئة في حقيبة بنية، ولا خلف رقم في سجل قديم، ولا في ذاكرة امرأة يخشى الجميع سماعها.خرجت الملفات كلها إلى العلن.أُعيدت الأسماء الحقيقية إلى أصحابها، وصُححت السجلات التي زُوّرت، وأصبحت شهادات مريم وسلوى وزينب وسعاد جزءًا من القضية التي لم يعد أحد قادرًا على إغلاقها.أما الذين شاركوا في إخفاء الأطفال وتغيير هوياتهم، فقد بدأت محاكمتهم. لم تعد أسماؤهم أهم من أفعالهم، ولم يعد الخوف منهم أكبر من أصوات النساء اللواتي وقفن أمام المحكمة وروين ما حدث دون أن يخفضن رؤوسهن.في اليوم الذي صدر فيه الحكم الأخير، لم تذهب ليان إلى المحكمة.جلست تحت شجرة الزيتون أمام البيت الأخضر، وبجانبها مريم. كان بينهما إبريق شاي وصمت هادئ لا يشبه صمتهما القديم.قالت مريم:"ألا تريدين معرفة الحكم؟"قالت ليان:"سيخبروننا عندما ينتهي كل شيء.""كنت أظن أنكِ ستريدين أن تكوني هناك."نظرت ليان إلى البيت."قضيت سنوات أنتظر أن يعاقَب أحد حتى أشعر أنني استعدت حياتي. لكن حياتي ليست داخل ال
لم تدخل نور الغرفة دفعة واحدة.كانت تقف على العتبة الداخلية، وبينها وبين المرأة الجالسة قرب النافذة سنوات طويلة من الغياب، وأرقام، وملفات، وبيوت مغلقة، واسم كاد يتحول إلى حالة.قالت بصوت مكسور:"أنا نور يا أمي."سكتت المرأة.لم تنهض. لم تمد ذراعيها فورًا. لم تصرخ كما تخيلت نور في بعض لياليها الصامتة. بقيت جالسة، ويداها فوق غطاء أبيض، وعيناها تبحثان في وجه الفتاة الواقفة أمامها كأنهما تحاولان عبور سنوات كاملة في لحظة واحدة.قالت المرأة بصوت ضعيف:"نور؟"أومأت نور، والدموع تنزل بصمت."نعم. نور."رفعت سلوى يدها ببطء، كأنها تخاف أن تتحرك بسرعة فينكسر الحلم."اقتربي."خطت نور خطوة، ثم توقفت.لم تكن خائفة من أمها فقط. كانت خائفة من أن تكتشف أن كل ما بحثت عنه أكبر من قدرتها على احتماله.قالت سلوى: "لا تخافي مني."ضحكت نور ضحكة صغيرة مخنوقة."أنا لا أخاف منكِ. أخاف أن أصدق."امتلأت عينا سلوى بالدموع."وأنا أيضًا."اقتربت نور خطوة أخرى.قالت سلوى: "كنت أقول لنفسي: إذا جاءت، سأعرفها. ثم كبرتِ في الغياب، وصرت أخاف أن يأتي وجهكِ ولا يعرفه قلبي."قالت نور: "هل عرفني؟"وضعت سلوى يدها على صدرها."قل
لم يكن اسم الزيت البعيد يشبه اسم قرية فقط.كان يشبه مكانًا يُرسل إليه الناس عندما يصبحون قريبين أكثر مما يجب من الحقيقة. زيتون كثير، تلال منخفضة، طريق طويل يلتف كأنه لا يريد أن يصل، وبيوت قليلة تتناثر حول معصرة قديمة عند آخر البلدة.جلست نور في السيارة وهي تضم صندوق سلوى إلى صدرها.لم تكن تبكي الآن. كان وجهها ساكنًا بطريقة أقلقت زينب أكثر من دموعها. فالدموع، مهما كانت موجعة، تعني أن القلب يخرج شيئًا. أما هذا السكون، فكان كأنه يحبس عاصفة كاملة في مكان واحد.قالت زينب بهدوء: "نور، احكي معي."لم تلتفت نور."عن ماذا؟""عن الذي يدور في رأسك."ابتسمت نور ابتسامة صغيرة بلا فرح. "رأسي صار مثل دفاترهم. اسم فوق اسم، وطريق فوق طريق."قالت ليان من المقعد الأمامي: "أعرف أن ظهور اسم ليان مرة أخرى سرق جزءًا من طريقكِ."نظرت نور إليها بسرعة."لا تقولي هذا."قالت ليان: "لكنه حدث. كنا نبحث عن سلوى، وفجأة ظهر اسمي من جديد."قالت نور بحزم خافت: "اسمكِ لم يسرق طريقي. الذين استخدموا اسمكِ هم من حاولوا سرقة طريقنا جميعًا."سكتت ليان.تابعت نور: "أمي لم تبحث عني وحدي. هذا يؤلمني ويفخرني في الوقت نفسه. يؤلمني
لم تنم نور تلك الليلة.جلست قرب النافذة التي لم تصلها النار، وبين يديها الورقة التي جاءت من طريق الشمال. كانت تقرأ الاسم مرة بعد مرة، كأنها تخاف أن يتبخر إن رفعت عينيها عنه.سلوى بنت حامدكانت الكلمة الأولى التي عرفتها عن أمها كاملة. لم تعد سلوى مجرد امرأة في ملف، ولا صوتًا غامضًا في ذاكرة مريم، ولا سطرًا في سجل الأحياء. صار لها اسم أب، وطريق، وبلدة، وأثر قريب لا يفصلها عنه إلا قرار الخروج.اقتربت زينب منها بهدوء، تحمل كوب ماء.قالت: "اشربي قليلًا يا نور."لم تتحرك نور."إذا شربت، أخاف أن أضيع الجملة."جلست زينب أمامها، ولم تأخذ الورقة من يدها."الجملة لن تضيع لأنكِ شربتِ. هي هنا، وهنا."أشارت إلى الورقة، ثم إلى صدر نور.قالت نور بصوت متقطع: "كنت أظن أنني أريد فقط أن أعرف اسمها. الآن عرفت اسمها، فصار الوجع أكبر.""لأن الاسم فتح الباب.""كنت أعتقد أن معرفة الاسم ستريحني."قالت زينب: "الاسم لا يريح دائمًا. أحيانًا يوقظ ما كان نائمًا تحت الخوف."نظرت نور إليها، وعيناها ممتلئتان بدموع لم تنزل."هل أخاف أن أجدها؟"أجابت زينب بصدق: "نعم."ارتجفت نور."كان يمكن أن تقولي لا."ابتسمت زينب بحزن
وقف الرجل العجوز في منتصف الطريق المؤدي إلى عين التوت، يحمل عصاه بيد، وورقة قديمة باليد الأخرى.قال بصوت مرتجف:"تأخرتِ كثيرًا يا مريم. لكن شهادتي لم تمت."لم تتحرك مريم في البداية.كانت تنظر إليه كأنها تحاول أن تعبر سنوات كاملة في وجه واحد. كان وجهه متعبًا، مليئًا بالتجاعيد، لكن عينيه كانتا واضحتي
وصلوا إلى بلدة الساقية بعد العصر.كانت البلدة صغيرة، تقع بين الساحل والبلدة القديمة، كأنها محطة بين الغياب والعودة. بيوتها قديمة، وأزقتها ضيقة، وفي وسطها ساقية ماء قديمة تمر بجانب شجرة توت كبيرة.ما إن نزلت مريم من السيارة حتى توقفت.نظرت إلى الماء الجاري في الساقية، ووضعت يدها على صدرها.قالت ليان
مرّ الطريق إلى بساتين السرو بصمت طويل.كانت ليان تجلس في المقعد الخلفي، وبين يديها صندوق أمينة. في داخله رسائل امرأة لم تعرفها، لكنها شعرت بها قريبة بطريقة مؤلمة. أمينة لم تحملها، ولم ترَ طفولتها، لكنها حفظت اسمها في قلب مريم عندما حاولوا محوه.كان سامر في السيارة الأمامية، لا يتكلم. منذ عرف أن أمه
لم يتحرك أحد داخل المعصرة.كانت الحقيبة البنية مفتوحة أمامهم، والورقة التي خرجت من بطانتها ما زالت في يد ليان. خارج الباب المائل، وقف محمود في الظلام، وقال جملته الأخيرة بوضوح:"الورقة التي أخذتها منها قبل أن أخبئها كانت تقول من يجب أن تثق به ليان بعد اختفاء مريم."ثم أضاف:"ولم يكن آدم."نظر آدم إ
Rebyu