ANMELDENالساعة الخامسة فجرًا. لا سيارات، لا مارة، لا صوت. طريق واحد في مدينة لا تنام، أُفرغ تمامًا خلال عشرين دقيقة. حواجز حديدية تُصفّ بصمت، رجال بزي أسود يتوزعون كل مئتي متر، أيديهم خلف ظهورهم، وعيونهم مثبتة على الأفق كأنهم ينتظرون شيئًا لا يُرى بعد. لا شارة عليهم، لا اسم، فقط دائرة صغيرة فيها ست نقاط، مطرزة على الكتف. ولا أحد يسأل. في أجيادا، هذا وحده كافٍ ليعرف الجميع: رجل واحد يعود، والمدينة كلها تتوقف من أجله. عاد، فتوقف الزمن عند بوابة المطار. اختفى كل متربص، وتراجع كل ظل كان يظن نفسه قريبًا من العرش. والعائلات الكبرى في المدينة — تلك التي لا تنحني إلا لخالقها — استيقظت في هذا الفجر البارد، تتمنى قربًا لم تجرؤ يومًا أن تطلبه، فأرسلت من يمثلها إلى المطار، ووقفت في الصفوف الخلفية، تنتظر مع من ينتظر. في صالة كبار الزوار المطلة على المدرج، حيث الزجاج يفصل بين الداخل الدافئ والفجر البارد في الخارج، وقف الإخوة الخمسة قرب النافذة الطويلة، أعينهم على المدرج الفارغ، ينتظرون. لم يكن انتظارًا عاديًا. “حد عارف احنا مستنيين إيه بالظبط، ولا الموضوع لسه مبهم للكل زيي؟” سأل يونس، من غير أن يرفع صوته كثيرًا، عيناه تتنقلان بين وجوه إخوته الواحد تلو الآخر. لم يرد عليه أحد فورًا. كان يوسف منشغلًا بشاشة حاسوبه المحمول، يراجع بيانات الكاميرات المحيطة بالمطار بصمت، وياسين واقفًا قرب الزجاج، ذراعاه مطويتان، عيناه على المدرج البعيد. “مفيش حد هيرد عليّ؟” أضاف يونس بابتسامة خفيفة. “سيبنا نركز يا يونس، مش وقته دلوقتي” رد أدم، من غير أن يبعد نظره عن شاشة المراقبة أمامه. نظر يونس إليه، ثم إلى الباقين، وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه يحاول تخفيف الجو من غير ما يزعج أحدًا: “طيب، هسكت. بس اعرفوا إني هسيب السكوت ده يتحسبلي”
Mehr anzeigenوصل حمزة وليث إلى مقر القيادة العليا بعد رحلة صمت طويلة، لم يتبادلا فيها كثيرًا من الكلام، كل واحد منهما غارق في أفكاره الخاصة عن هذا الاستدعاء المفاجئ بعد عشرين عامًا من الغياب الكامل عن عالم الجيش. كانت الطرقات المؤدية إلى المقر مزدحمة بحركة عسكرية غير مألوفة، شاحنات وآليات تتحرك في كل الاتجاهات، ووجوه جنود شابة تحمل توترًا واضحًا لم يعرفه الاثنان من قبل في أيامهما الأولى بالجيش. استقبلهما قائد كبير في مكتب واسع تحيط به خرائط عسكرية مفصلة، خطوط حمراء وزرقاء متشابكة تغطي أغلب مساحة الجدار، وشرح لهما الموقف بجدية بالغة: البلاد تتعرض لهجوم واسع من قوى معتدية عبرت الحدود الشمالية، تسعى للاستيلاء على أراضٍ واسعة وسط دمار وخسائر متصاعدة بين المدنيين، والجيش في حاجة ماسة لقادة ميدانيين ذوي خبرة نادرة وسجل قتالي استثنائي، وسجل حمزة وليث القديم، رغم مرور السنين، لم يُنسَ يومًا في أرشيف القيادة. “إحنا مش هنكذب عليكم” قال القائد بصراحة، وهو يشير إلى نقاط حمراء متناثرة على الخريطة. “الوضع خطير، والخسائر كبيرة. محتاجين قادة يقدروا يرفعوا الروح المعنوية في الجبهة، ومحتاجين خبرتكم في القتال الم
مرت الأشهر التالية بسرعة مذهلة، وسط عمل متواصل ونجاح لم يتوقعه حتى الستة أنفسهم. اكتملت جزيرة العقرب بالكامل، وانتقل إليها أهالي الحي القدامى بفرح غامر، بينما استقرت العائلات الجديدة التي اختارها أدهم بعناية في البيوت التي تركها من رحلوا، ليستمر معنى الحي حيًا كما أراد حمزة تمامًا. كانت تقارير أدهم الأسبوعية عن تلك العائلات الجديدة تحمل دومًا قصصًا مؤثرة — أرملة بأربعة أطفال كانت تكافح للبقاء، عامل فقد وظيفته ومنزله في نفس الشهر، وشاب يتيم عاش سنوات في الشوارع قبل أن يجد أخيرًا مكانًا يستحق أن يُسمى بيتًا. وفي الوقت نفسه تقريبًا، اكتملت المرحلة الأولى من مدينة الفرسان، بأحيائها الدائرية الأولى ومساجدها الشامخة وبيوت طعامها المجانية، من غير أي عقبة تُذكر تستحق الذكر، وكأن المشروع كله كان محاطًا ببركة خفية منذ يومه الأول. بدأ البيع الرسمي للوحدات السكنية، بأسعار رمزية للعائلات المحتاجة ومدعومة بالكامل لبعضها، وبدأت العائلات الأولى في الانتقال والاستقرار، تملأ الشوارع الدائرية بحياة حقيقية لم تشهدها تلك الأرض من قبل. قرر الستة أن يُقام حفل افتتاح كبير يليق بحجم الإنجاز، دُعي إليه أهال
بعد أسابيع من نجاح مشروع جزيرة العقرب وتقدمه بخطى ثابتة، حيث بدأت البيوت الأولى تكتمل وسط فرح أهالي الحي القدامى والجدد على حد سواء، اجتمع الستة، ومعهم نوران وياسين وخلود، في قاعة الاجتماعات الكبرى بالبرج، حول طاولة واسعة انتشرت عليها مخططات ورسومات هندسية أولية، أعدها ليث بنفسه خلال الأسابيع الماضية بمساعدة فريق من المهندسين الموثوقين، بعضها ملون بعناية ليوضح كل تفصيلة من تفاصيل الرؤية الكبرى. “عايز أعرض عليكم رؤيتي الكاملة لمدينة الفرسان” قال حمزة، وهو يقف أمام الطاولة، عيناه تلمعان بذلك الحماس الهادئ الذي يظهر فقط حين يتعلق الأمر بأحلامه الكبرى. “مش مجرد حي تاني زي العقرب، دي مدينة كاملة، بتصميم مختلف تمامًا عن أي حاجة موجودة في أجيادا، أو حتى في المنطقة كلها بصراحة” فرش ليث المخطط الرئيسي على الطاولة، رسمة دائرية معقدة تتكون من طبقات متداخلة، كل طبقة منها بلون مختلف يوضح وظيفتها. “المدينة هتتقسم لأحياء دائرية” بدأ ليث الشرح بهدوئه المعتاد، وهو يشير بإصبعه إلى مركز كل دائرة. “وفي وسط كل حي، مسجد فخم كبير، على الطراز الأندلسي، لكن بحجم وعظمة بناء تليق بمكانته كقلب الحي” نظرت خل
اتفق الجميع، من غير الحاجة لنقاش طويل، على اسم الجزيرة الجديدة: جزيرة العقرب، تيمنًا بالحي الذي أنقذ حياة مئات العائلات، والذي كان على وشك أن يمنحهم فرصة جديدة أوسع من أي وقت سابق. حين وصل الجميع إلى قصر الجزيرة، حاملين معهم السجلات القديمة وحماس المشروع الجديد الذي بدأ يتشكل في أذهانهم، جلس حمزة في الصالة الرئيسية، وطلب من أدهم أن يقترب منه لحديث خاص. “أدهم، عندي طلب مهم منك” قال حمزة بجدية، وهو ينظر إليه مباشرة. “أهل حي العقرب هيسيبوا الحي، وينتقلوا هنا للجزيرة. بس مش عايزين الحي يفضل خالي بعد كل اللي بناه فينا من معنى” نظر أدهم إليه بانتباه، منتظرًا التفاصيل. “عايزك تبدأ تدور على ناس تانية، فقدوا الأمل زينا يومًا، وتحطهم مكان اللي هيسيبوا الحي. الحي مش لازم يفضل خالي، لازم يفضل معنى حي دايمًا موجود، مش مكان فاضي” أضاف حمزة. أومأ أدهم برأسه بحزم، وهو يشعر بثقل المسؤولية الجديدة، لكنه شعر أيضًا بذلك الدفء المألوف الذي يشعر به دائمًا حين يتعلق الأمر بمنح فرصة لمن فقدها. “هبدأ فورًا لما نرجع أجيادا. هدور في الشوارع، في المستشفيات، عند أي حد محتاج بداية جديدة” “ورتب الأمر بحكمة،