LOGINكانت المحاضرات أكثر هدوءًا ذلك اليوم، إذ لم يظهر آدم في أيٍّ منها، وهو ما منح لمار بعض الراحة التي افتقدتها مؤخرًا. لم تأتِ إلى الجامعة لتكون جزءًا من نزوات شاب مدلل اعتاد الحصول على كل ما يريد، بل لتدرس ما تحبه بعيدًا عن استفزازاته. كانت من الطالبات المتميزات، لا بدافع المنافسة، بل لشغفها الحقيقي بتخصصها. فما إن يتناول أحد الأساتذة موضوعًا يثير اهتمامها حتى تتبدل ملامحها، وتلمع عيناها بتركيز يجعلها تنسى العالم من حولها. ولعل ذلك ما جعلها محط أنظار زملائها، بين إعجاب البعض وغيرة الآخرين، لكنها لم تكن تكترث لأيٍّ من ذلك. جلست في المكتبة كعادتها، منشغلة بكتبها وملاحظاتها، حين توقفت مها إلى جوار طاولتها. — مرحبًا بالطالبة المجتهدة! رفعت لمار رأسها، وما إن وقعت عيناها على مها حتى تذكرت رؤيتها بالأمس مع آدم. تسلل الحرج إلى ملامحها، فالتقطته مها وجلست قبالتها، تخفي ابتسامة متفهمة. أمسكت يدها برفق وقالت: — اسمعي، أعلم أن آدم حقير، ولست الوحيدة التي تعرف ذلك. نصف فتيات الجامعة لديهن قصة سيئة معه، والنصف الآخر لم تتح لهن الفرصة بعد! أفلتت من لمار ابتسامة صغيرة، وإن ظل التردد ظا
كان آدم مستلقيًا على السرير، منشغلًا بهاتفه، ولا يرتدي سوى شورت قصير. تقدمت لمار بحذر، مطأطئة رأسها حتى أخفت معظم ملامحها، ثم مدت إليه الكأس قائلة بصوت خافت أجش قليلًا:— تفضل، سيدي.رفع آدم عينيه إليها، ولاحظ ارتجاف يديها وانحناءة رأسها المبالغ فيها، قبل أن تستقر نظراته على قطعة القماش التي غطّت بها وجهها. عقد حاجبيه بفضول. لكنه ما إن فتح فمه ليسألها حتى انحنت فجأة وأطلقت سلسلة من السعلات الحادة، حتى بدت وكأنها تكافح لالتقاط أنفاسها.تناول الكأس منها بسرعة .تراجع آدم بنظره إليها.— هل أنتِ مريضة؟أومأت بسرعة، ثم أجابت ببحة متعمدة:— إنفلونزا.ظل يتأملها لحظة، ثم نهض ودار حولها محاولًا رؤية وجهها. ازدادت لمار توترًا، فخفضت رأسها أكثر، وأتبعت حركته بسعلة أخرى.قطب آدم حاجبيه.— ولماذا جئتِ إلى العمل وأنتِ بهذه الحالة؟ ألم يكن بإمكانك أخذ إجازة حتى تتعافي؟ارتبكت، ثم أجابت بأول ما خطر لها:— أنا جديدة هنا، ولم أرد التغيب منذ البداية.راقبها لثوانٍ، محاولًا فهم إصرارها الغريب على إخفاء وجهها. لكنه لم يكن مهتمًا بإجراء تحقيق معها، بقدر ما كان منشغلًا باحتمال أن تكون مريضة فعلًا.نظر إلى
منذ أن تعرّفت لمار إلى روتين آدم في الفندق، وضعت لنفسها خطة دقيقة تتبعها كل يوم؛ فبمجرد وصولها، كانت تتوجه إلى جناحه، وتنجز المهام الموكلة إليها بسرعة، ثم تتسلل عائدة إلى بقية أعمالها قبل أن يحضر.نجحت حيلتها طوال الفترة الماضية، ولم تضطر إلى مواجهته أو الاحتكاك به إلا في أضيق الحدود.لكن كابوس هذا الصباح بدد شعورها بالأمان، وأعاد إليها خوفًا ظنت أنها بدأت تتجاوزه.وصلت إلى الفندق في الموعد المحدد، وبدلت ملابسها بزي العمل، ثم اتجهت مباشرة إلى جناحه، على أمل أن تنتهي من تنظيفه قبل وصوله كعادتها.لم تكن تخشى آدم وحده، بل ما قد يترتب على اكتشاف هويتها. فقد حرصت منذ التحاقها بالجامعة على إبقاء ظروفها المادية سرًا، حتى عن أقرب زميلاتها. كانت معظم ملابسها ماركات عالمية مستخدمة، ورغم محاولاتها إخفاء مستوى معيشتها، لم تسلم أحيانًا من نظرات متفحصة أو تساؤلات مبطنة.وكانت الجامعة التي ترتادها، بأبنائها المنتمين إلى عائلات ثرية، آخر مكان ترغب في أن تنكشف فيه حقيقتها. أما عملها في الفندق، فكان ضرورة لا تستطيع التخلي عنها بسهولة؛ فمن أين ستأتي بمصاريف المنزل إن خسرت مصدر دخلها؟زفرت ببطء، وألقت نظ
««ملاحظة تم تعديل السابق »»تابع آدم بصوت اعلى كي يسمعه الحضور — ماذا ؟! هل ظننتِ أنني لن أكتشف أنك تعملين خادمة في الفندق الذي أملكه؟ تجمدت لمار. كيف علم بذلك؟ ومتى اكتشف الحقيقة التي حرصت على إخفائها؟ كانت تظن أنها نجحت في إخفاء فقرها وحاجتها الدائمة إلى المال، فإذا به يكشفها أمام الجميع، وكأن عملها الشاق وصمة ينبغي أن تخجل منها. تجنبت نظرات الحاضرين، لكن تعليقاتهم الساخرة اخترقت أذنيها، وكلما حاولت التماسك، شعرت بأن الكلمات تنتزع منها ما تبقى من ثقتها بنفسها. لم يكن الفقر اختيارًا اتخذته، ولم تكن حاجتها إلى العمل دليلًا على نقصها. لقد بذلت كل ما تستطيع لتصل إلى هنا، ولم تطلب من أحد أن يمنحها ما لم تستحقه. فلماذا كان عليها أن تدفع ثمن ظروفها حتى في اللحظة التي ظنت فيها أنها تغلبت عليها؟ التفت آدم إلى الحاضرين مجددًا. — سأعطيها شهادتها إذا وافقتم على ذلك. ما رأيكم؟ هل تستحق متسولة حقيرة أن تصبح مسؤولة عن أرواحكم؟ جاءته الإجابات من جهات مختلفة: — بالتأكيد لا! — لا نريد طبيبة مثلك! — من تظنين نفسك حتى تقفي بيننا؟ تراجعت لمار خطوة، وشعرت بأن القاعة تضيق حولها. قبل قليل،
حدقت لمار في عينيه اللتين تبدلتا من الذهول إلى برود ولا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه. فكرت بغيظ: هل يستهين بها؟ أَيعتقد أنها لن تقدم على هذه الخطوة؟ وقف ثابتًا في مكانه، يداه في جيبيه، ونظرته الغامضة تستفزها أكثر. قالت بسخرية حين طال صمته الخانق: أكمل... أنا أسمعك. لقد أتيت من أجل ماذا؟ كانت نظراته إليها غير مفهومة. كم تمنت لو ترى الخوف والندم على وجهه، لو تسمع توسلاته من أجل حياته كي تعفو عنه. لكن ما هذه الثقة التي يواجهها بها، بينما مسدسها مصوب نحوه وقد يسلبه حياته في أي لحظة؟ جاءت كلماته لتزيد اختناقها: لأكن صادقًا... لم أتوقع هذا أبدًا. ابتسم بسخرية من نفسه وتابع: لكن كان عليّ توقعه، أليس كذلك؟ كم أنا غبي. اشتعلت عيناها وهتفت بمقت: مؤسف ألا تسير كل الأشياء وفق توقعاتك. ضاقت عيناه على يدها التي تقبض على السلاح حتى برزت عروقها. كانت ترتجف، وأنفاسها متسارعة. إن لم يكن صوت الأمواج الهادرة يغطي المكان، لربما سمع خفقان قلبها. قال ببرود: هل تعرفين كيف تطلقين النار؟ ارتفع حاجباها بصدمة. لم تسأل نفسها ذلك من قبل. كيف يُستخدم هذا السلاح أصلًا؟ اللعنة... ربما كان عليها إيق
تجمدت في مكانها. للحظة، لم تستوعب ما حدث. ثم التفتت ببطء. كان أحد الشبان يبتسم بوقاحة، وكأن شيئًا لم يحدث. اتسعت عيناها. كيف تجرأ؟ لم تفكر. رفعت يدها وصفعته بقوة. دوّى صوت الصفعة في المطعم، وتوقف كل شيء حولها للحظة. ساد الصمت. حتى الزبائن في الطاولات القريبة التفتوا نحوهم. وقف الشاب مذهولًا، واضعًا يده على خده. — أنتِ مجنونة؟! صرخت لمار، وقد انفجر كل ما كانت تكبته منذ بداية اليوم: — المسني مجددًا، وسوف أقطع يدك! اندفع طاهر من الداخل، وقد جذب المشهد انتباهه. نظر إلى الشاب، ثم إلى لمار، ثم إلى الزبائن الذين بدأوا يلتفتون ويتجمعون حولهم بفضول. — ماذا يحدث هنا؟! بدأ الشاب بالصراخ والشكوى، فاقترب منه طاهر سريعًا. — أنا آسف جدًا، أرجوك تقبل اعتذاري. ثم أمسك بذراع لمار وسحبها إلى الداخل. كانت غاضبة إلى درجة أن صدرها كان يعلو ويهبط بعنف. وما إن أغلق الباب خلفهما حتى انفجر طاهر: — ماذا فعلتِ؟! حدقت فيه غير مصدقة. — ماذا فعلت أنا؟ — صفعتِ زبونًا أمام الجميع! — لأنه... قاطعها بحدة: — لا يهمني ما فعله! أنتِ هنا لخدمة الزبائن وإرضائهم. ض







