Compartir

الفصل 5

Autor: سمكة
كانت مجرد جملة عابرة في ظاهرها، لكنها انغرست في صدر ليانة كحد نصل حاد، تمزق لحم القلب تمزيقًا.

ذلك القلب المثقل بالشقوق والجراح بدا وكأنه يُنتزع من مكانه، حتى صار الألم فوق ما يُحتمل.

كان رأسها يطن طنينًا متواصلًا، ولم يبقَ في عينيها سوى خدرٍ أجوف وفراغ بارد.

ولم تدرِ متى غادر الجميع القاعة، حتى لم يبقَ فيها سواها، وسوى الأضواء الحادة التي كشفت آثار الجراح على جسدها بلا رحمة.

تحاملت على نفسها ونهضت بصعوبة، ثم التقطت معطفًا كان أحد الندل قد تركه قربها بحسن نية، ولفته حول جسدها، وغادرت المكان مترنحة الخطى.

وفي الخارج، كانت السماء تمطر بغزارة. لكنها دخلت المطر وكأنها لا تشعر بشيء.

كانت قطرات المطر الباردة ترتطم بوجهها، ثم تنساب عليه واحدة تلو الأخرى، فتشبه الدموع إلى حد موجع.

إلا أنها لم تعد قادرة على ذرف دمعة واحدة.

لم تكن تعرف إلى أين تمضي، فظلت تمشي بلا هدف، تشق الشوارع على غير هدى.

وبعد وقت قصير، توقفت سيارة إلى جوارها.

وانخفض زجاج النافذة، فظهر وجه فراس، بملامحه الباردة الوسيمة.

"اركبي."

لكن ليانة مضت في طريقها كأنها لم تسمع شيئًا، تجر جسدها المثقل بصعوبة تحت المطر.

فعقد حاجبيه، واشتد صوته قليلًا:

"اركبي."

توقفت ليانة أخيرًا، ثم رفعت وجهها الشاحب، الذي خلا من أي لون، ونظرت إليه.

"لا داعي لاهتمامك، السيد فراس. أنا مجرد سكرتيرة، لا أكثر."

كان برد نبرتها أشبه بالصقيع، حتى إن قلبه اضطرب بعنف.

فتح باب السيارة، وخرج تحت المطر، ثم اقترب منها وأمسك يدها بقوة.

"ما حدث الليلة… لم أُحسن التعامل معه. لكنني فقدت لُجين مرة من قبل، ولا أستطيع أن أفقدها للمرة الثانية. أما ما تعرضتِ له من إهانة، فسأجد طريقة أعوضك بها عنه، فلا تغضبي مني بسبب هذا الأمر."

لكن هذه المرة، لم تتنازل ليانة.

فبآخر ما تبقى لها من قوة، أفلتت يدها من قبضته، وتراجعت بضع خطوات، ثم قالت بصوت ساكن كالماء الراكد:

"أنت تمزح، السيد فراس. فشخص عادي مثلي، كيف يجرؤ على أن يخاصم أمثالكم، أنت والآنسة لُجين، وأنتم من أبناء العائلات المترفة؟ لقد كنت في السابق ساذجة إلى حد يثير السخرية، حين لم أعرف موقعي الحقيقي. أما من الآن فصاعدًا، فسأتذكر دائمًا أنني مجرد سكرتيرة، ولن أعود إلى إزعاج حياتك مرة أخرى. هل هذا يرضيك؟ هل يمكنني أن أغادر الآن؟”

وكلما مضت في هذا الكلام، ازداد غضبه أكثر.

بردت ملامحه، وبدا واضحًا أنه فقد السيطرة على مشاعره.

"أنت تعلمين جيدًا أنني لا أقصد هذا! لم أحتقرك يومًا، وما قلته هناك لم يكن إلا لتهدئة لُجين. في نظري، أنتِ وجمانة…"

أما ما قاله بعد ذلك، فلم تسمع منه ليانة حرفًا واحدًا.

أخذ المشهد أمامها يزداد ضبابية، وكانت جفونها تهبط مثقلة كأنها محشوة بالرصاص.

وكانت قد استنزفت آخر ذرة من قوتها. فما لبث جسدها أن مال إلى جانب، وغابت عن الوعي…

ولا تدري كم مضى من الوقت، لكنها حين فتحت عينيها مجددًا، وجدت نفسها في المستشفى.

كانت ثيابها المبللة قد استُبدلت، وجراحها عولجت وضُمّدت، كما وُضعت إلى جوار سريرها الأدوية وكوب من الماء الدافئ.

وكانت الممرضة تضبط المحلول الوريدي، فلما رأت أنها استيقظت، ابتسمت لها ابتسامة ودودة.

"استيقظتِ أخيرًا؟ حبيبكِ ظل ساهرًا عندك طوال الليل، وقد غادر قبل قليل فقط."

فتحت ليانة شفتيها الجافتين، وكان صوتها مبحوحًا إلى حد بعيد.

"هو ليس حبيبي، ولم يكن يومًا كذلك."

فما بينها وبين فراس، منذ البداية، لم يكن إلا حادثة عابرة.

وباستثناء كونها سكرتيرته، لم يعترف يومًا بأن بينهما أي علاقة أخرى.

في الماضي، كانت تخدع نفسها، وتترك قلبها ينسج أوهام المستقبل.

أما الآن، فلم تعد تريد سوى أن توقظ نفسها من هذا الوهم.

ثم ترحل عن هذا المكان إلى الأبد، وألا تعود إليه أبدًا.
Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 23

    بعد عام كامل، تلقت جمانة رسالة من ليانة. كانت صديقتها المقربة ستتزوج، بل ودعتها لتكون إحدى وصيفات العروس! كادت جمانة تطير من الفرح. فتركت كل ما كان في يدها، وبدأت فورًا تحجز تذكرة السفر لتلحق بها. ومن خلال أخته، علم فراس بهذا الخبر أيضًا.توقفت يده لحظة، ثم خفض عينيه وسأل متظاهرًا بعدم الاكتراث:"أبهذه السرعة تستعد للزواج؟"خلال هذا العام، كان كثيرًا ما يعرف أخبار ليانة عن طريق أخته، وكان يعلم أيضًا أن لها حبيبًا يحبها كثيرًا، لكنها فجأة أصبحت على وشك الزواج. ولم يعرف فراس ما الذي يشعر به بالضبط، كل ما عرفه أن ما أمامه بدأ يتشوش، وأنه لم يعد يرى ما يخطه قلمه بوضوح. وفي تلك اللحظة، سمع من هاتف جمانة الموضوع على مكبر الصوت صوتًا رقيقًا هادئًا يأتي من الطرف الآخر."نعم، لقد حان وقت الزواج. وبعد أن التقيت أخيرًا بالشخص المناسب، لم أعد أرغب في الانتظار."كانت ليانة، صوتها هادئ، لكن داخله خفة ابتسامة واضحة، يكفي أن يسمعه المرء ليعرف أنها تعيش بسعادة حقيقية.كانت جمانة ترتب أمتعتها وهي تتحدث معها."صحيح، لكن هل تنويان الاستقرار في الخارج وعدم العودة؟ وتتركينني أركض ذهابًا وإيابًا، ولا يخطر ب

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 22

    خلال هذه الفترة، ذاقت لُجين من العذاب ما لم تتخيله يومًا. لم تكن تشبع من الطعام، ولا تنعم بالنوم، وكل ما فعلته بليانة عاد إليها مضاعفًا أضعافًا كثيرة.كانت ترتجف في القبو، جسدًا وروحًا. وحين انفتح الباب ودخل الضوء، لم تستوعب في البداية ما الذي يحدث. لكن ما إن رأت فراس يدخل، حتى استفاقت كأنها كانت في حلم، وزحفت نحوه بسرعة، تتشبث به كما يتشبث الغريق بخشبة النجاة."فراس، أخطأت! سامحني، أرجوك! لن أعود إلى التدخل بينك وبين ليانة، وسأبتعد عنكما تمامًا، ولن أقف في طريقكما مرة أخرى. فقط دعني أذهب، أنا حقًا عرفت خطئي!"كانت تبكي وتستجدي، وقد تمزق صوتها من كثرة النحيب، حتى بدا منظرها بائسًا إلى حد كبير.أما فراس، فلم ينطق بشيء. كان يحدق في وجهها طويلًا، في ذلك الوجه الذي فقد ما كان يراه فيه يومًا من براءة وجمال، ولم يبقَ فيه الآن إلا الجشع والرغبة التي لا تنتهي. كيف خسر أهم إنسانة في حياته بسبب هذه المرأة؟ما إن خطرت له هذه الفكرة حتى اشتعل الغضب في صدره، وكاد يود لو يفتك بلُجين. لكن جمانة وليانة لم تكونا مخطئتين، فحين يعود إلى أصل الأمر، يجد أن السبب الحقيقي هو أنه هو من أعمته لحظة من الوهم، أم

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 21

    لم يمضِ وقت طويل حتى وصلت جمانة. فما إن تلقت اتصال ليانة حتى أسرعت بالمجيء فورًا. وكان قد مر شهر كامل منذ آخر مرة التقتا فيها، لذلك ما إن دخلت حتى ارتمت في حضن صديقتها بقوة."ليانة!"ولانت ملامح ليانة في الحال، وفتحت ذراعيها لها."جمانة، لقد جئتِ."جلستا معًا وتبادلتا بضع كلمات، لكن حين حان وقت الوداع، لم تستطع جمانة أن تخفي شعورها بالذنب."آسفة يا ليانة، لم يكن عليّ أن ألين وأسمح لأخي بأن يأتي إليك. لقد سببت لك متاعب كثيرة."فمدت ليانة يدها وقرصت خدها برفق."لا بأس. حتى لو لم تخبريه أنتِ، كان سيجد طريقته بنفسه. ثم إن مواجهة الألم دفعة واحدة أهون من إطالته. من الجيد أن الأمور اتضحت هذه المرة."ومع ذلك، لم يخفف هذا كثيرًا من تأنيب جمانة لنفسها. فهي نفسها لم تكن تتوقع أن يصل أخوها إلى هذا الحد من الجنون، حتى يقف تحت المطر طوال ليلة كاملة كأنه لم يعد يعبأ بحياته. ثم التفتت تنظر إلى الرجل القائم غير بعيد، يحدق نحوهما بشوق مكبوت وتردد ظاهر، وسألت السؤال الذي ظلت تريد أن تعرف جوابه منذ زمن."ليانة… لو… أقصد لو فقط… لو أن لُجين لم تظهر أصلًا، هل كنتِ ستبقين مع أخي؟"وكان فراس أيضًا يتوق إلى م

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 20

    ظل فراس جالسًا في المقهى على تلك الحال، حتى أُغلقت الأبواب واضطر إلى المغادرة.لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان الألم يملأ داخله إلى حد يكاد يخنقه، وكلما ازداد هذا الألم، ازداد يقينه بمدى أهمية ليانة في حياته، وأنه فقدها هكذا بيديه.لو أن لُجين لم تعد…لو أنه أدرك حبه لليانة قبل ذلك بقليل…لو أنه لم يخذلها…مرت في ذهنه احتمالات لا حصر لها، لكن لم يعد هناك طريق للعودة.راح يتسكع في شوارع المدينة الغريبة عليه، تائهًا. وفجأة شق البرق السماء، ثم انهمر المطر بغزارة. أسرع المارة إلى بيوتهم ومداخل الأبنية اتقاءً للمطر، أما فراس فلم يكن يعرف إلى أين يذهب.ظل يمشي تحت المطر وهو يردد اسم ليانة، حتى ابتل جسده كله.وفجأة، رن هاتفه. تناوله بسرعة ولهفة، لكنها كانت رسالة من جمانة."أخي، عد."نظر إلى الجملة القصيرة، وشعر فجأة بعجز هائل. كيف وصلت الأمور بينه وبين ليانة إلى هذا المصير؟وفي قلب العاصفة، خرّ على ركبتيه، يبكي ويصرخ، لكن صوت المطر كان أعلى من كل شيء، حتى من وجعه.سار مترنحًا حتى بلغ البناية التي تقيم فيها ليانة. كان الباب الخارجي مغلقًا، ولم يجرؤ على طرقه، فاكتفى بأن ينكمش عند المدخل. هناك، عند ب

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 19

    كان المكان الذي اتفقا على اللقاء فيه مقهًى صغيرًا. وحين دفع فراس الباب، رن جرس معلق فوقه رنة خفيفة. دخل إلى الداخل، وما إن رفع عينيه حتى رآها ليانة، كانت تجلس في زاوية هادئة من المكان.لم يمضِ على آخر مرة رآها فيها سوى شهر واحد، لكنه في شعوره كان أشبه بعام كامل من العذاب. حتى إنه، في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها أخيرًا، انتابه إحساس غريب بالدوار وعدم التصديق.لقد تغيرت كثيرًا.حين كانت إلى جانبه، وبحكم كونها سكرتيرته، كانت غالبًا لا ترتدي إلا الملابس الرسمية، وحتى بعد انتهاء الدوام، ورغم ما كان يحدث بينهما من لحظات خاصة في المنزل، ظلت ليانة في نظره دائمًا امرأة رزينة ومتماسكة.أما الآن، فقد كانت ترتدي ملابس بسيطة ومريحة، وشعرها مرفوع يكشف عن عنق أبيض ناعم. وبمشهدها هذا، شعر وكأنه عاد إلى البداية، إلى تلك الأيام الأولى، حين كانت فتاة خجولة تحبه في صمت.توقف لثوانٍ قبل أن يقترب منها. ثم قال مبتسمًا:"ليانة، لم أركِ منذ وقت طويل."وكان يقاوم بكل ما فيه رغبة جامحة في أن يضمها إلى صدره فورًا، بينما عيناه تتشبثان بملامحها بشغف لا يخفيه.لكنها لم تكن في مزاج يسمح بأي حديث عن الذكريات. ار

  • لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ   الفصل 18

    أرسلت جمانة رسالة إلى ليانة، لكن فارق التوقيت بين الداخل والخارج كان عدة ساعات.وحاولت أن تقنعه بأن يعود أولًا، وأكدت له أنها ستخبره فورًا ما إن يصلها رد منها، لكن فراس رفض أن يغادر مهما قيل له.ظل في منزل أخته بإصرار، ينام على الأريكة، وما إن يسمع أي حركة بسيطة حتى يستيقظ، على أمل أن تكون قد وصلت أخبار من ليانة.ولم يصل الرد إلا في مساء اليوم التالي."حسنًا، سأقابله مرة واحدة."كانت كلمات قليلة جدًا، لكنها وحدها منحت فراس بصيص أمل جديد. ليانة ما تزال مستعدة لأن تراه! وهذا يعني أن الباب بينهما لم يُغلق تمامًا بعد!وقد اشتعل في صدره أمل لا يكاد يُحتمل، فسارع في الحال إلى حجز أقرب رحلة جوية.لكن جمانة أمسكت به، وعقدت حاجبيها اعتراضًا:"أخي، ارتح يومًا واحدًا أولًا ثم اذهب. يبدو أنك لم تنم جيدًا منذ أيام، أليس كذلك؟ ما دامت ليانة قد قالت إنها ستراك، فهي لن تخلف وعدها."لكن فراس أفلت يده من يدها."لم أعد أستطيع الانتظار. منذ أن رحلت ليانة عني، وأنا لا أكف عن التفكير فيها ليلًا ونهارًا. الآن لا أريد إلا أن أراها." كان في صوته، وفي عينيه، من الرقة ما جعل جمانة تنظر إليه بحيرة لا تخلو من مرار

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status