FAZER LOGINظهر الكيان الأسطوري ومتاهة الضباب
وفي خضم الأحداث ... واصل الحوت الضخم صعوده الرهيب من أعماق المحيط المظلمة، دافعاً بمياه المجهول جنباً إلى جنب، حتى استوت السفن الضخمة فوق سطحه العريض، كأنها رست فجأة على جزيرة صخرية متحركة. في تلك اللحظة الفاصلة، تحولت رحلة المتعة والرفاهية في لمح البصر إلى كابوس مفرط في الرعب. تعالت الصرخات الهستيرية، ودخل بعض الركاب في نوبة فزع عميق؛ فهناك من حاول القفز عشوائياً إلى مياه المحيط المظلمة نجواً بحياته، وهناك من سارع بإحضار الأسلحة الفردية يحاولون إطلاق النار على جلد الحوت الضخم لعلهم يزعزعونه أو يبعدونه عن طريقهم. لكن، وسط ذعر الجميع، تحرك الحوت ببطء شديد وبحرص مذهل، وكأنه كان واهياً بوجود بشر أبرياء على ظهره ولا يود إلحاق الأذى بهم. استغرب الجميع من هذه "الرحمة" الغريبة الصادرة عن كائن بحري عملاق، حتى راح بعضهم يصفقون ويحيون القبطان بذهول، معتقدين أن دهاءه وخبرته هما من أنقذاهم بإيقاف السفن في اللحظة المناسبة، فلو استمرت السفن في مسيرها العادي لكان الحوت قد شطرها إلى نصفين ودمرها شر تدمير. راح الجميع ينتظرون بتوجس أن يبتعد الحوت ويعود إلى أعماقه، لكنه لم يبرح مكانه، بل استمر يحملهم بهدوء نحو المجهول. وحين حلّ الظلام الدامس، وبقي الجميع يترقبون بحذر قاتل ما تخبئه الساعات القادمة، ارتكبت مجموعة من طيش الركاب خطأً أحمق؛ فقد رفعوا بنادقهم وانهالوا على الحوت بطلقات نارية متتالية. لم تهتز شعرة واحدة من جسد الحوت الضخم، ولم تتزعزع طلقاتهم منه ولو قيد أنملة، ليدرك الجميع حينها أن هلاكهم المحتوم قد اقترب لا محالة. ومع بزوغ فجر اليوم التالي ووضوح الرؤية، خرج الجميع إلى سطح السفينة لتصعقهم صدمة أعظم: توقف عمل البوصلة تماماً، انقطاع الاتصالات الخارجية، وضياع كافة بيانات وإحداثيات سفنهم في عرض المحيط. داخل غرفة القيادة، كان القبطان يتفقد شاشات الملاحة بعينين متسعتين، يعيد المحاولة تلو الأخرى لتوضيح الرؤية، لكن تشتت البيانات وانعدامها كانا يكفيان ليقلبا كل حساباته رأساً على عقب. ألقى القبطان نظرة على الأفق، وحدّث نفسه بصوت مخنوق بالغضب والمرارة: — «أعلم جيداً ما يحدث... لقد دخلنا بعداً آخر، أو أن هناك قاعدة عسكرية سرية بالقرب من هنا قد شتت مسارنا وبياناتنا، لعلهم اكتشفوا أمر نقلنا المحظور للسلاح! لكن... ما بال هذا الحوت؟ لا أظنه ضمن مخططاتهم الشيطانية. ولو لم نحضر العائلات معنا في هذه النزهة لكانت لي خطة أخرى للخروج، لكن الأولوية القصوى الآن هي لحماية هذه الأرواح البريئة. لا أهتم بأي مشروع سري، فالحياة الإنسانية أثمن عندي من كل مشاريعهم العفنة، وأعلم جيداً أنهم اعتدوا التضحية بالبشر ليثبتوا نجاحاتهم الزائفة!» ضرب القبطان الجدار بقوة غاضبة حتى تضرعت يده، وتطاير الشرر من عينيه كمقاتل مخضرم لا يهاب الموت، متمتماً بوعد قاطع: — «إذا كان البعض يبني نجاحه على جماجم وجثث الآخرين، فأنا مستعد لبناء موتي هنا لحماية حياة الآخرين!» وقبل أن يجد مخرجاً، دوى صرخات مفاجئة من الخارج: لقد حلّ الضباب! غشى المكان ضباب كثيف ومرعب حجبت معه الرؤية كلياً، فلم يعد يُرى شيئاً سوى عتمة بيضاء باردة. خرج القبطان بأعصاب حديدية، يأمر الجميع بالدخول والتعقل، مؤكداً بصوت ثابت أن لا شيء يدعو للخوف وأن الأمور تحت السيطرة، ومشدداً على ضرورة تجهيز متطلبات البقاء الأساسية ووضعها على متن سفن الطوارئ، تحسباً لأي خطر داهم قد يباغتهم في أي لحظة. رعب السطح: بين عويل الأطفال وصمود الرجال فوق سطح السفينة، وسط تلاطم الأمواج واهتزاز الحوت العنيف، كانت الصورة تمزق القلوب: الأطفال الصغار قد أجهشوا بالبكاء النحيب، تعلقت أصواتهم البريئة بخوف أعمى وهم يختبئون خلف الكراسي وتحت المظلات، بينما كانت الأمهات المذعورات متمسكات بأبنائهن بقوة مرعبة، يضمنهن إلى صدورهن بأذرع ترتجف، مغمضات العيون وهن يردن الأدعية والصلوات، وكلما مالت السفينة مع حركة الموج الهائج، علت صرخاتهن خوفاً من أن يفلت طفل من بين أيديهن ليتبعه الهلاك في المياه السوداء. وفي الجهة المقابلة، كان الرجال الأقوياء يصارعون الموت وجهاً لوجه لإنقاذ من على البواخر. لم يستسلموا للهلع، بل تسلحوا بالشجاعة؛ فرموا بالحبال الثقيلة والصنارات الحديدية الطويلة لتلتف وتتثبت بإحكام حول حراشف الحوت الضخم البارزة. بأجساد متوترة وعضلات مشدودة، أمسك الرجال بنهايات الحبال يشدونها بكل ما أوتوا من قوة، محافظين على توازن السفينة المهتزة، مانعين إياها من الانقلاب أو السقوط مع كل حركة تنفس أو التواء مفاجئ لهذا الكائن الأسطوري العملاق. لقد تحولت السفينة إلى ساحة صراع قاسية؛ صراع بين براءة طفولة تبكي، وأمهات تحمين أطفالهن بدموعهن، ورجال يربطون مصيرهم بحبال الصمود فوق ظهر وحشٍ غامض يحملهم نحو مجهول لا يعلم مداه إلا الله.وقفتُ ألهث وأسترد أنفاسي خلف السارية الحجرية، بينما تقدم الجد بخطوات ثابتة وهو يتكئ على عصاه بوقار، وقد بدأت ملامحه الصارمة تعود للظهور، متجاهلاً تماماً تعليقات الخال كاريون الذي كان لا يزال يقهقه في خلفية الباحة. هتف الجد بصوت حازم صدى في أرجاء المكان: — «كفى لغواً ولعباً يا ابنتي! إن كنتِ تظنين أن دماء السلالة وحدها ستنقذكِ أو تحيي هذه الأرض، فأنتِ واهمة. الطاقة العظيمة تشبه المارد النائم؛ إن لم توقظيها بجهدك وعرَقكِ، التهمتْكِ قبل أن تدركي كنهها!» اعتدلتُ في وقفتي، وأنا أمسح قطرات العرق عن جبيني، وأردف بنبرة متذمرة خافتة: — «حسناً، حسناً يا جدي... لكن ألم يكن بالإمكان التدريب بطريقة هادئة لا تتضمن عصاً خشبية موجهة نحو رأسي مباشرة؟» أشار إليّ ببطء أن أتقدم نحوه، وتوسطنا الباحة الحجرية الواسعة التي كانت تحيط بها جدران القصر المتهالكة والمرجان باهت اللمعان. — «اجلسي ترفعي على الأرض، واشبكي يديكِ هكذا»، قالها وهو يوجهني بحركة صارمة، ثم تابع بصوت عميق: «أغمضي عينيكِ تماماً، وأبعدي عن رأسكِ كل ترهات البشر وصخب الحياة التي عشتِها طوال السنين الماضية. استشعري ما تحت قدميكِ؛
لم أحتمل صمت الجدران أكثر، فانفلت صوتي محملاً بفضولٍ مشوب بالخوف: — «عذراً يا جدي... لكن، ما الذي يعنيه حقاً أن نكون نحن؟ لماذا ترون فيّ معجزةً لم أتبين ملامحها بعد؟ لقد استمر هذا العالم في غيابنا دهراً!» تنهد الجد، فكأنما أخرج من جوفه صقيع السنين ومرارة التاريخ، وقال بصوتٍ شابه نحيب مكبوت: — «لأن دماءكم عتيقة يا ليونا... ليست مجرد دماء تسري في عروق، بل هي "مِعراج" طاقة مقدسة قادرة على بعث الحياة في هذا المرجان الميت الذي جثم عليه دمار الأجداد. لقد كان ازدهارنا مرهوناً بهذا السحر؛ كنا سادة هذا العمق الأحيائي، واليوم... لا نقتات إلا على فتات المنفى.» عقدت حاجبيّ بذهول مطبق، وهمست بتهدّج: — «أي طاقةٍ تقصد يا جدي؟ أنا حقاً... لا أدرك شيئاً!» وفي قرارة نفسي، سرت قشعريرة جليدية لا علاقة لها ببرودة المكان، إذ تذكرت تلعثمي بالأمس، وتلك الرؤيا المرعبة حين استشعرت ذاكرة "لؤلؤة" وأبصرت قصر أخي يرتعش في لحظة عناق! قطع الجد أفكاري بصوتٍ مشبع بالرجاء واليأس معاً: — «ولأجل هذا السر بالذات... جلبكِ كاريون إلى هنا.» خطا العجوز نحوي بخطواتٍ متهدجة، ومد يده المرتعشة ليلامس جبه
تجولنا في ذاك السوق الشعبي المزدحم، حيث تتقاطع خيوط اليأس بالصمود، وما إن وطأت أقدامنا الساحة حتى توقفت إحدى الجنيات العجائز عن بيع أعشابها، وحدقت مطولاً نحو رفيقتنا. لم تمضِ ثوانٍ معدودات حتى انطلق صوتها مخترقاً ضجيج السوق بذهول:— «لؤلؤة؟! أأنتِ حقاً لؤلؤة؟! كيف ظهرتِ فجأة بعد عشرين عاماً من الغياب؟ كيف عدتِ والموت كان رداء تلك الليلة؟!»كحريق سرى في الهشيم، التفتت الأنظار نحونا، وتسمّر الجميع في أماكنهم لبرهة قبل أن ينفجر السوق بهتافات مدوية وصيحات ممزوجة بالدموع:— «عادت لؤلؤة! لقد عادت لؤلؤة!»تجمهر الحشد حولنا في لحظات، وتقدم الجميع بملامح يملؤها الشوق العارم، متشوقين لمعرفة تفاصيل ذلك الاختفاء الأسطوري، كأنما وجدوا وميض أمل شحيح في عتمة أيامهم الطويلة. التفتُّ إليها مذهولة من هذا الفيضان البشري الجارف، وهمست بصوت خفيض يملؤه التعجب:— «يالؤلؤة... كيف يعرفكِ كل هذا الكم الهائل من الناس؟ وكأنكِ كنتِ هنا بالأمس فقط!»التفتت إليَّ لؤلؤة بابتسامة حنونة ومشاكسة، وأجابتني بخفة:— «يا صبيتي، لؤلؤة ليست اسماً عابراً هنا؛ فأنا الجنية الوحيدة الباقية من جيل الخفقات الأولى في أرضهم.»ول
في صباح اليوم التالي، لملمنا أمتعتنا وانطلقنا بحذر، مغادرين نحو مدينة عشيرتي. وما إن اقتربنا حتى تبدت لنا على حقيقتها؛ مدينةً تزخر بالحركة وتملأ الضحكات أركانَها، رغم أن أسوارها العتيقة قد غطتها الشقوق، وباتت قطع المرجان التي تزين بنيانها متهالكةً كعظام متعبة. بدت المدينة كأنها تنبض بروح مستقلة بذاتها؛ روح جُرحت عمقاً لدرجة يستحيل معها التئام ندوبها إلا بعد مرور آلاف السنين.. هكذا حدثني الخال كاريون بنبرة يملؤها الأسى والوقار. ومع ذلك، كان أهلها يواصلون الحياة بهدوء وصمود أسطوري.التفتُّ إلى الخال وأنا أتأمل التفاصيل من حولي متسائلة:— «يا خال.. المدينة لا تحتاج لحاكم حقيقي، فلماذا قد تحتاج لحاكم أصلاً مادام الشعب يعيش حياته هكذا؟»أجابني الخال بنبرة حكيمة وهادئة وهو يرسل نظراته بعيداً في الأفق:— «هذا الشعب لا يعيش يا بنيتي، إنه يقاوم فقط ليبقي رمقه على قيد الحياة.. وعليكِ أن تعلمي، لقد عيّنوا سيداً لهذه العشيرة من شيوخها، أكبرهم سناً ومقاماً، ليدير شؤونهم بمعية مجلس الشيوخ.»ثم أردف محذراً بنبرة حازمة:— «يا لؤلؤة.. سنتجه إليهم الآن، لكن إياكِ ثم إياكِ أن تفصحي عن هويتك الحقيقية
بمجرد أن أحاطت ليونا الجنيةَ «لؤلؤة» بذراعيها في عناقٍ دافئ، تحول الزمان حولهما إلى سائل زجاجي مهدد بالانكسار في أي لحظة. لم يكن عناقاً عادياً، بل كان بوّابة سحرية خفية انفتحت بلا ميعاد؛ فبدأت أطياف المكان وذكرياته تتناثر في الأفق كشظايا من النور الأرجواني والذهبي. غرقت ليونا في ذاك العالم الساحر بخيالها الواسع، متخطية حدود الزمان والمكان، كأنما غاصت في قاع محيط عميق ينبض بأسرار الطفولة الأولى ودفء الذكريات الدفينة.في تلك اللحظة الفاصلة، انطلق صوت «لؤلؤة» مخترقاً غشاوة الرؤية بحدة وألم:— «آآه... ليونا، أترُكيني! ما بكِ؟! تكادين تكسرين جناحاي بهذه الشدة!»لكن ليونا كانت في عالم آخر تماماً؛ فقد أدركت بيقين ساطع وهي غائصة في أعماق الرؤية المدهشة، أن بإمكانها العبور إلى ما هو أبعد. تبدت لها الحقيقة المذهلة بوضوح ساطع: تلك الغابة الكثيفة وتلك الأشجار العتيقة المهيبة لم تكن سوى «تمويه» محكم وخداع بصري عظيم، يستر خلفه عالماً أسطورياً لا يراه البشر العاديون أبداً!إنها بلدة الجنيات الخفيّة؛ معمورة مقدسة للجان تنبض بالسحر والجمال الخارق، تقع على مقربة شديدة من ذلك القصر الأسطوري... قصر أخ
تمتمت ليونا باسمها كمن تعيد تهجئة تعويذة سحرية قديمة:— «مرجانة... مرجانة!»رفعت رأسها فجأة، واتسعت عيناها بذهول ممتزج بالرعب الجميل كأنما صاعقة من النور ضربت عقلها. هبت واقفة من على الفراش الوثير، وخطت نحو الخال بخطوات متسارعة، وصوتها يرتجف بوقع الاكتشاف:— «انتظر يا خال... مرجانة! اسمعني جيداً، لقد سمعت هذا الاسم... نعم، سمعته من تلك السيدة الغامضة التي نقلتني إلى قصرها، نعم سيدة الماء التي التقيْتُ بها في ذاك العالم الغريب .. والتي نظرت إلى عمق عينيّ وقالت لي بصوت يشبه خرير الموج: "اذهبي واكتشفي سر الترابط الخفي بالمكان"!»التفتت «لؤلؤة» بسرعة، وقد انعكس وميض الحيرة على وجهها، بينما تسمّر الخال في مكانه، وابتسامة هادئة .— «لم يكن اسماً عابراً سمعته صدفة... لقد كانت هي! خالتي مرجانة نفسها هي من التقيْتُ بها في بداية الدرب، وهي من وجهت خطاي إلى هنا !»لاكن لماذا لم تخبرني أنها خالتي ولماذا تركتني وحيدة .يتطلع الخال «كاريون» إلى «ليونا» بنظرة تجمع بين الفخر والأسى الخفيف، ثم يعدل نظاراته الفضية ويبتسم بمرارة واضحة ليجيب عن تساؤلاتها المعلقة:— «لا أضن أنها أرادت ترككِ وحيدة ي






