تسجيل الدخولسليلة المرجان "في عمق البحار حيث تصمت الأمواج، تتحدث الأسرار... وتستيقظ العروش المفقودة." عن الرواية: بين غموض المحيطات وصراع العروش السري، تبدأ رحلة «ليونا»، الفتاة التي حملت في عينيها سر المرجان وفي عروقها دماء إمبراطورية غارقة. بين عالمين لم تنتمِ لأي منهما بالكامل، تُسحب "ليونا" إلى قلب معركة ملحمية تُجبِرها على مواجهة ماضيها واكتشاف حقيقة نسبها الملكي. في طريقها نحو استعادة عرش أبيها، تتداخل خيوط القدر؛ بين تضحيات «آلي بين» ووفائه الذي يتحدى الظلال، وبين صراعات التحالفات الصعبة والمواجهات الدامية. لكن السحر الحقيقي ينبع من أعمق نقطة في البحر، حيث تفتح الصدفة العتيقة أبوابها، وتتجلى «لؤلؤة» لتنسج من النور والوفاء بداية لعهد جديد. «سليلة المرجان» ليست مجرد أسطورة بحرية، بل هي ملحمة تشويق، حب، وتضحية... تثبت أن أقوى العروش هي تلك التي تُبنى بالوفاء والصمود في وجه التلاطم. إسم المؤلف : Karima Na (Ou Doo)
عرض المزيدهناك، في أقصى أقاصي المحيط، تقبع جزيرةٌ مفقودة، بعيدة كل البعد عن الأضواء وعن دراية البشر. رغم ما وصل إليه العلم من تقدمٍ باهر، ورغم وجود الغواصات الحديثة وأجهزة المسح الأقمار الصناعية المتطورة، إلا أن جميع المحاولات للوصول إليها أو حتى تحديد موقعها على الخرائط باءت بالفشل؛ وكأنها كوكبٌ مستقلٌّ اختار أن ينفصل عن العالم.
لم يكن اندثارها قديماً جداً، بل يعود لزلزالٍ مدمر ضرب أحشاء المحيط منذ زمن ليس ببعيد. يومها، ثارت العواصف العاتية واجتاحت الأمواج الكاسرة كل أشكال الحياة على سطحها، لتدفع بها الطبيعة الغاضبة إلى إحداثيات مجهولة، بعيداً عن أعين البشر. فيما مضى، كانت تلك الجزيرة تعج بالحياة والرفاهية؛ يتوافد إليها أثرياء العالم، المنقبون، والعلماء للاستجمام—أو هكذا كان يظن سُكّان المدن المجاورة. لكن الحقيقة التي خفتت تحت وطأة الأيام، هي أن سر اهتمام العلماء والمنقبين بها يعود لأمورٍ غامضة ومظلمة لم يكتشفها أحد. كانت الشائعات تحوم حولها كأطياف الليل، وكثيراً ما تكون الشائعات هي وجه الحقيقة الخفي، حتى انقطعت أخبارها تماماً واندثرت أحلام الجميع مع غرقها في الأفق. مع مرور السنين، كان هناك مشروع سري للغاية يجري الإعداد له في الخفاء. وللتمويه على تحركاته، أُعدّت رحلة بحرية فاخرة تُصاحبها مجموعة من العائلات التي ظنت أنها محض نزهة حلموا بها طويلاً. كانت السفينة تشق باب المياه بهدوءٍ ساحر، والنسيم الربيعي المعتدل يداعب وجوه الأطفال وأضحوكات العائلات على المتن... حتى شُقّ هذا الهدوء فجأةً بصوت صافرة الطوارئ الحاد! صوتٌ مرعب، متواصل وارتجاجي، ينبعث من مكبرات الصوت ليقطع أنفاس الجميع. تجمدت الضحكات على الشفاه، وتسرب الفزع سُماً بطيئاً في العروق. تساءل الجميع بذهول وهلع: لماذا يُطلق إنذار الخطر الشديد والجو ربيعيّ مشمس والبحر كمرآة صافية لا أثر فيه لعاصفة؟! وفجأة، جأر صوت القبطان عبر المكبرات، حاداً ومضطرباً تختنق فيه أنفاسه: — «ليدخل الجميع إلى المقصورات فوراً! أخلوا المنصة! غيروا الاتجاه... سنعد أدراجنا في الحال!» انفجر الموقف في ثوانٍ معدودة إلى فوضى عارمة. انهمرت الصرخات، وتدافع الناس في كل الاتجاهات بين الذهول والخوف المطبق، يتساءلون عما يخبئه لهم هذا الخطر المجهول في جوٍّ هادئ كهذا. وقبل أن يستوعب أحد ما يجري، صاح القبطان مرة أخرى بصوت هائل يحاول اختراق ضجيج الهلع: — «تمسكوا ببعضكم البعض! تشبثوا بكل قوتكم! نحن على وشك الارتطام بشيء ضخم جداً... إنه يرتفع بسرعة مرعبة نحو السطح من العمق! لا تفزعوا... تمسكوا بالحياة، سنكون بخير!» في تلك اللحظات الفاصلة، انعدمت الجاذبية على متن السفينة. ألقى البحر بوداعته جانباً، وبدأت المياه تحتهم تغلي وترتفع كأنها وحشٌ خفي يستيقظ من نومه الأبدي! لعب الموج بالسفينة الضخمة وكأنها لعبة خشبية هشة بين يدي طفل غاضب؛ رفعتها قمة موجة مفاجئة إلى الأعلى لتتركها تهوي في قاع سحيق. كراسٍ معدنية وطاولات فاخرة أخذت تتطاير في الهواء وتحطم النوافذ الزجاجية، وأطقم الصحون والزينة الملونة اندفعت لتتكسر على الأرضية وتتطاير شظاياها كالمطر. وعلى المتن، تحول الدفء العائلي إلى ملحمة رعب حقيقية؛ أُمٌّ ألقَت ببلوزتها وجسدها فوق طفلها الصغير، ضامةً إياه إلى صدرها بأصافر غارقة في ثيابه، تحميه بظهرها من الأشياء المتطايرة وهي تنتحب بصوت مكتوم: "يا رب... احمِ طفلي!"، فيما جلس أبٌ أُخرى جاثياً على ركبتيه، يمسك بيدي زوجته وابنته برعشة تصك أسنانها، وعيناه متسعتان ذهولاً وهو يرى أعماق المحيط تتفتق من تحتهم عن ظلال غامضة ومظلمة ترتفع نحوه بسرعة إعصار! الأرضية تحتهما مالت بزاوية حادة، وانزلق العشرات على الأرض يصرخون ويتشبثون بأي حاجز أو عمود مثبت. ارتطم أحدهم بالجدار لينزف رأسه، فيما كانت الحقائب والأمتعة تدور وتتحرك باهتزازات عنيفة تعكس حجم الكارثة. لقد انتهت النزهة... وبدأت معركة البقاء على قيد الحياة! ترى ماذا ينتضرهم من خطر خفي ؟.....لم أحتمل صمت الجدران أكثر، فانفلت صوتي محملاً بفضولٍ مشوب بالخوف:— «عذراً يا جدي... لكن، ما الذي يعنيه حقاً أن نكون نحن؟ لماذا ترون فيّ معجزةً لم أتبين ملامحها بعد؟ لقد استمر هذا العالم في غيابنا دهراً!»تنهد الجد، فكأنما أخرج من جوفه صقيع السنين ومرارة التاريخ، وقال بصوتٍ شابه نحيب مكبوت:— «لأن دماءكم عتيقة يا ليونا... ليست مجرد دماء تسري في عروق، بل هي "مِعراج" طاقة مقدسة قادرة على بعث الحياة في هذا المرجان الميت الذي جثم عليه دمار الأجداد. لقد كان ازدهارنا مرهوناً بهذا السحر؛ كنا سادة هذا العمق الأحيائي، واليوم... لا نقتات إلا على فتات المنفى.»عقدت حاجبيّ بذهول مطبق، وهمست بتهدّج:— «أي طاقةٍ تقصد يا جدي؟ أنا حقاً... لا أدرك شيئاً!»وفي قرارة نفسي، سرت قشعريرة جليدية لا علاقة لها ببرودة المكان، إذ تذكرت تلعثمي بالأمس، وتلك الرؤيا المرعبة حين استشعرت ذاكرة "لؤلؤة" وأبصرت قصر أخي يرتعش في لحظة عناق!قطع الجد أفكاري بصوتٍ مشبع بالرجاء واليأس معاً:— «ولأجل هذا السر بالذات... جلبكِ كاريون إلى هنا.»خطا العجوز نحوي بخطواتٍ متهدجة، ومد يده المرتعشة ليلامس جبهتي، حيث بدأت عينا
تجولنا في ذاك السوق الشعبي المزدحم، حيث تتقاطع خيوط اليأس بالصمود، وما إن وطأت أقدامنا الساحة حتى توقفت إحدى الجنيات العجائز عن بيع أعشابها، وحدقت مطولاً نحو رفيقتنا. لم تمضِ ثوانٍ معدودات حتى انطلق صوتها مخترقاً ضجيج السوق بذهول:— «لؤلؤة؟! أأنتِ حقاً لؤلؤة؟! كيف ظهرتِ فجأة بعد عشرين عاماً من الغياب؟ كيف عدتِ والموت كان رداء تلك الليلة؟!»كحريق سرى في الهشيم، التفتت الأنظار نحونا، وتسمّر الجميع في أماكنهم لبرهة قبل أن ينفجر السوق بهتافات مدوية وصيحات ممزوجة بالدموع:— «عادت لؤلؤة! لقد عادت لؤلؤة!»تجمهر الحشد حولنا في لحظات، وتقدم الجميع بملامح يملؤها الشوق العارم، متشوقين لمعرفة تفاصيل ذلك الاختفاء الأسطوري، كأنما وجدوا وميض أمل شحيح في عتمة أيامهم الطويلة. التفتُّ إليها مذهولة من هذا الفيضان البشري الجارف، وهمست بصوت خفيض يملؤه التعجب:— «يالؤلؤة... كيف يعرفكِ كل هذا الكم الهائل من الناس؟ وكأنكِ كنتِ هنا بالأمس فقط!»التفتت إليَّ لؤلؤة بابتسامة حنونة ومشاكسة، وأجابتني بخفة:— «يا صبيتي، لؤلؤة ليست اسماً عابراً هنا؛ فأنا الجنية الوحيدة الباقية من جيل الخفقات الأولى في أرضهم.»ول
في صباح اليوم التالي، لملمنا أمتعتنا وانطلقنا بحذر، مغادرين نحو مدينة عشيرتي. وما إن اقتربنا حتى تبدت لنا على حقيقتها؛ مدينةً تزخر بالحركة وتملأ الضحكات أركانَها، رغم أن أسوارها العتيقة قد غطتها الشقوق، وباتت قطع المرجان التي تزين بنيانها متهالكةً كعظام متعبة. بدت المدينة كأنها تنبض بروح مستقلة بذاتها؛ روح جُرحت عمقاً لدرجة يستحيل معها التئام ندوبها إلا بعد مرور آلاف السنين.. هكذا حدثني الخال كاريون بنبرة يملؤها الأسى والوقار. ومع ذلك، كان أهلها يواصلون الحياة بهدوء وصمود أسطوري.التفتُّ إلى الخال وأنا أتأمل التفاصيل من حولي متسائلة:— «يا خال.. المدينة لا تحتاج لحاكم حقيقي، فلماذا قد تحتاج لحاكم أصلاً مادام الشعب يعيش حياته هكذا؟»أجابني الخال بنبرة حكيمة وهادئة وهو يرسل نظراته بعيداً في الأفق:— «هذا الشعب لا يعيش يا بنيتي، إنه يقاوم فقط ليبقي رمقه على قيد الحياة.. وعليكِ أن تعلمي، لقد عيّنوا سيداً لهذه العشيرة من شيوخها، أكبرهم سناً ومقاماً، ليدير شؤونهم بمعية مجلس الشيوخ.»ثم أردف محذراً بنبرة حازمة:— «يا لؤلؤة.. سنتجه إليهم الآن، لكن إياكِ ثم إياكِ أن تفصحي عن هويتك الحقيقية
بمجرد أن أحاطت ليونا الجنيةَ «لؤلؤة» بذراعيها في عناقٍ دافئ، تحول الزمان حولهما إلى سائل زجاجي مهدد بالانكسار في أي لحظة. لم يكن عناقاً عادياً، بل كان بوّابة سحرية خفية انفتحت بلا ميعاد؛ فبدأت أطياف المكان وذكرياته تتناثر في الأفق كشظايا من النور الأرجواني والذهبي. غرقت ليونا في ذاك العالم الساحر بخيالها الواسع، متخطية حدود الزمان والمكان، كأنما غاصت في قاع محيط عميق ينبض بأسرار الطفولة الأولى ودفء الذكريات الدفينة.في تلك اللحظة الفاصلة، انطلق صوت «لؤلؤة» مخترقاً غشاوة الرؤية بحدة وألم:— «آآه... ليونا، أترُكيني! ما بكِ؟! تكادين تكسرين جناحاي بهذه الشدة!»لكن ليونا كانت في عالم آخر تماماً؛ فقد أدركت بيقين ساطع وهي غائصة في أعماق الرؤية المدهشة، أن بإمكانها العبور إلى ما هو أبعد. تبدت لها الحقيقة المذهلة بوضوح ساطع: تلك الغابة الكثيفة وتلك الأشجار العتيقة المهيبة لم تكن سوى «تمويه» محكم وخداع بصري عظيم، يستر خلفه عالماً أسطورياً لا يراه البشر العاديون أبداً!إنها بلدة الجنيات الخفيّة؛ معمورة مقدسة للجان تنبض بالسحر والجمال الخارق، تقع على مقربة شديدة من ذلك القصر الأسطوري... قصر أخ
المراجعات