تسجيل الدخولاهتزت القلعة بعنف حتى ارتجت الجدران الحجرية من حولهم، وتناثرت ذرات الغبار من السقف بينما انطفأت بعض المشاعل دفعة واحدة، وغرقت الممرات في ظلام مفاجئ لم يقطعه سوى الضوء الخافت المتسلل من النوافذ العالية، وفي اللحظة نفسها اندفع كاسر نحو نور دون تردد، أمسك بذراعها وجذبها إليه قبل أن تسقط فوقها إحدى الحجارة الصغيرة التي انفصلت من السقف، ثم رفع رأسه بسرعة وهو يصغي إلى الأصوات القادمة من الممرات."نور، إنتِ كويسة؟"أومأت بسرعة، رغم أن وجهها كان شاحبًا."أيوه... أنا كويسة."ظل ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يريد التأكد بنفسه، ثم ترك ذراعها ببطء، لكن يده بقيت قريبة منها.أما مالك، فكان قد استل سيفه بالفعل، وأخذ يراقب الممر المظلم."واضح إن القلعة كلها بدأت تتحرك."نظر إليه كاسر بحدة."مش القلعة."ثم أضاف وهو يحدق في الأرض التي كانت لا تزال تهتز تحت أقدامهم:"حد عايزنا نتحرك."رفعت نور عينيها إليه.كانت الرسالة التي وجدوها قبل الانفجار لا تزال عالقة في ذهنها."كاسر..."التفت إليها."إيه؟"ترددت للحظة، ثم قالت:"الصفحة كانت بتقول إن لازم تسألني عن اللي حصل في الليلة اللي بدأت فيها الأحداث."ساد صمت قص
الحقيقة التي اخفتها نوراهتزت القلعة بعنف حتى بدا أن الجبل نفسه قد تحرك تحت أقدامهم، وتساقطت قطع صغيرة من الحجارة من السقف، بينما تصاعد غبار كثيف في أرجاء الغرفة، واضطر مالك إلى رفع ذراعه أمام وجهه لحماية عينيه، أما كاسر فلم يتحرك من مكانه، ولم يبعد نظره عن نور ولو لثانية واحدة، وكأن الانفجار الذي هز القلعة بأكملها لم يعد يعني له شيئًا أمام الصمت الذي استقر بينهما بعد الكلمات الأخيرة.كانت نور واقفة أمامه، شاحبة الوجه، وعيناها تحملان خوفًا لم يره فيهما من قبل، لكنها لم تتراجع، ولم تحاول الهرب، وكأنها كانت تعرف أن اللحظة التي خشيتها طويلًا قد وصلت أخيرًا.اقترب كاسر منها خطوة.قال بصوت منخفض:"إنتِ تعرفي إيه يا نور؟"لم تجبه.اقترب أكثر، لكنه لم يرفع صوته."بصيلي."رفعت عينيها إليه ببطء."أنا بصيت لك طول عمري وأنا عارفة إن في حاجات كتير مستخبية جواك، وحاجات أنت نفسك مش عارفها... بس عمري ما خفت منك."توقفت أنفاس كاسر للحظة."ده مش رد على سؤالي."ابتلعت نور ريقها."عارفة.""يبقى جاوبيني."تدخل مالك بحذر، وهو يراقب مدخل الغرفة:"كاسر، يمكن الوقت مش مناسب للكلام ده، الانفجار اللي حصل فوق م
ما تخفيه القلعةلم يكن الصمت الذي أعقب الكلمات الأخيرة صمتًا عاديًا، فقد ظل كاسر واقفًا في مكانه للحظات، وعيناه معلقتان بالظلام الممتد أمامه، بينما كانت أصوات الحركة القادمة من أعماق القلعة تصل إليهم مكتومة، وكأن الجدران نفسها تحاول إخفاء ما يحدث خلفها، أما نور فكانت تقف إلى جواره، تراقب ملامحه التي لم تعد تحمل الغضب وحده، بل شيئًا أعمق، شيئًا يشبه القلق الذي يحاول رجل اعتاد السيطرة على كل شيء أن يخفيه عن الجميع.قال مالك أخيرًا وهو ينظر إلى الممر المظلم أمامهم:"إحنا مش هنفضل واقفين هنا طول الليل، صح؟"لم يجيبه كاسر مباشرة، بل انحنى قليلًا والتقط قطعة حجر صغيرة كانت قد سقطت من الجدار أثناء الانهيار، قلبها بين أصابعه، ثم رفع عينيه إلى نور."الرائحة اختفت هنا."أومأت نور."أيوه... كأنها اتقطعت فجأة."اقترب مالك منهما."يعني إيه؟"أجاب كاسر:"يعني إن اللي كان بيقودنا للمكان ده كان عايزنا نوصل لحد هنا وبس."تغيرت ملامح مالك."وإيه اللي في هنا يخليه يوقف المطاردة؟"لم يجب كاسر، لأن نور كانت قد تحركت بالفعل نحو الجدار المقابل، ومدت يدها فوق الحجارة ببطء، حتى توقفت عند جزء صغير بدا أكثر نعو
لم يتحرك كاسر لعدة ثوانٍ بعد أن سمع اسم قطيعه على رأس القائمة، وظلت عيناه معلقتين بالخريطة التي نشرها الكشاف فوق الطاولة، بينما كانت علامات سوداء صغيرة تحيط بخمس مناطق مختلفة، وكل علامة منها تقع بالقرب من أحد أكبر القطعان المرتبطة بمجلس التحالف، إلا أن العلامة الأولى كانت تحمل دائرة إضافية حولها، دائرة أكبر وأوضح من بقية العلامات، وكأن من رسم الخريطة أراد أن يؤكد أن تلك المنطقة تحديدًا ليست مجرد هدف عابر.اقترب مالك من الطاولة، وانحنى فوق الخريطة وهو يحدق في العلامات."دي مش خريطة هجوم عشوائي."رفع كاسر عينيه إليه."عارف."أشار مالك إلى العلامة الثانية."بص هنا... المسافة بين كل نقطة والتانية محسوبة، والطرق اللي بينهم كمان."وضعت نور يدها على طرف الخريطة، ثم قالت بهدوء:"هما مش بيخططوا يهاجموا القطعان في نفس الوقت."نظر إليها كاسر."إيه اللي خلاكي تقولي كده؟"أشارت إلى الخطوط الدقيقة المرسومة بين المواقع."لأن لو كان هدفهم تدمير أكبر عدد ممكن من القطعان، كانوا اختاروا أماكن أقرب لبعض، لكن العلامات دي موزعة بطريقة تخلي أي قطيع يتعرض للهجوم معزول عن التاني."ساد الصمت.قال رئيس المجلس ب
ظل الصمت يخيّم على الغرفة بعد كلمات الحارس، وكأن الجميع يحاول استيعاب المعنى الحقيقي للجملة التي وُجدت مع القتيل."الخونة لا يستحقون الرحمة."لم تكن رسالة موجهة إلى كاسر هذه المرة...بل إلى شخص آخر.تقدم كاسر نحو الجثة التي أُحضرت إلى داخل القلعة، ثم انحنى بجوارها، وأخذ يتأملها بعناية دون أن ينبس بكلمة، بينما وقف مالك ونور على مقربة منه يراقبان كل حركة.قال الطبيب بعد أن انتهى من فحصها:"الضربة واحدة... سهم اخترق القلب مباشرة."عقد مالك ذراعيه وقال:"واضح إن اللي ضربه محترف."رفع كاسر رأسه وسأل بهدوء:"المسافة؟"أجاب أحد الرماة من الحراس:"على الأقل مية وخمسين متر."اتسعت عينا مالك قليلًا."مية وخمسين؟! ده حتى أفضل رماة المجلس هيلاقوا صعوبة."أومأ الحارس."والسهم دخل بين الضلوع من غير ما يلمس العظم."ساد الصمت.همست نور:"يعني اللي قتله كان عايزه يموت فورًا... من غير ما يعاني."نظر إليها كاسر.ثم عاد يتفحص الجثة.لاحظ أن أصابع الرجل كانت منقبضة بقوة، وكأنه تمسك بشيء قبل موته.أمسك يده بحذر، ثم فتحها ببطء.خرجت منها قطعة جلد صغيرة ممزقة.تناولها كاسر.كانت سوداء اللون.تشبه القماش الذي
الحرف المفقود...لم يغادر الصمت الممر الحجري حتى بعد انقشاع الدخان.وقف كاسر في منتصف الممر، وعيناه معلقتان بالخنجر المغروس في الأرض، بينما كانت قبضته تشتد شيئًا فشيئًا حول مقبضه البارد.كان الحرف المنقوش على ظهر الخنجر واضحًا..."ك".ليس شعارًا...ولا رقمًا...بل حرف واحد فقط.اقتربت نور ببطء، ثم وقفت إلى جواره.همست وهي تحدق في النقش:"شايفه..."أخرج كاسر الخنجر بحركة واحدة، فصدر صوت احتكاك المعدن بالحجر، ثم قلبه بين يديه عدة مرات.لم يكن على النصل أي دم.كأنه لم يُصنع للقتل...بل ليُسلَّم إليه.قال مالك وهو يقترب:"واضح إنه سابهولك مخصوص."أومأ كاسر دون أن يرفع عينيه."أيوه."ثم أضاف بعد لحظة:"وسابه من غير ما يحاول يسترجعه."عقد مالك حاجبيه."تقصد إيه؟"رفع كاسر الخنجر أمام الضوء القادم من النافذة."أي مقاتل بيسيب سلاحه غصب عنه... بيحاول يرجعله."توقف لحظة."لكن ده..."نظر إلى الحرف المنقوش."...كان عايزني آخده."ساد الصمت.ثم مدت نور يدها."ممكن؟"ناولها الخنجر.مررت أصابعها برفق فوق النقش، قبل أن تغلق عينيها لثوانٍ.كانت تحاول استدعاء أي تفصيلة مرت بذهنها.ثم همست:"الحرف محفور







