LOGINهناك وحوش خُلقت لتُخشى... ووحوش خُلقت لتُقتل... لكن أخطر الوحوش على الإطلاق هي تلك التي خُلقت لتحب. منذ مئات السنين، تناقلت قبائل المستذئبين أسطورة مرعبة عن ذئبٍ أول، ملكٍ متوحش أُغرق العالم بالدماء حتى اجتمعت العشائر وختمت روحه داخل جسد وريثٍ لم يولد بعد. أسطورة اعتقد الجميع أنها انتهت. لكن الأساطير لا تموت... إنها تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتستيقظ. كان كاسر يعيش حياته وهو يحمل سرًا لم يعرفه أحد، يقاتل كل يوم للحفاظ على سيطرته على ذلك الوحش القابع في أعماقه، ذلك الصوت الذي يهمس له في الظلام، وتلك العينان الذهبيتان اللتان تظهران كلما ضعفت قيوده. أما نور... فلم تكن تعلم أن خطوة واحدة نحو ذلك الرجل ستغير قدرها إلى الأبد. لم تكن تعلم أن قلبها سيصبح ساحة حرب بين رجلٍ يحاول حمايتها بكل ما يملك، ووحشٍ مستعد لحرق العالم بأكمله من أجلها. في عالمٍ تحكمه الأسرار واللعنات والدماء، حيث يمكن للحب أن يكون نعمة أو كارثة، ستكتشف نور أن أكثر الأشياء رعبًا ليست الأنياب أو المخالب... بل المشاعر التي تنمو ببطء داخل قلب وحشٍ لا يعرف الرحمة. وحين تنظر إلى عينيه الذهبيتين... لن تعرف أبدًا من ينظر إليها. كاسر... أم الوحش الذي يسكنه؟
View More"إبعد عنها!"
دوّى الصوت داخل القاعة الحجرية الضخمة كالرعد، بينما كان عشرات الحراس يحيطون بالمكان بأسلحتهم المسلولة، وقد ارتسم الذعر على وجوههم وهم ينظرون إلى الرجل الواقف في المنتصف.
ابتسم كاسر ببطء.
ابتسامة لم تكن طبيعية.
ابتسامة جعلت الدم يتجمد في عروق الموجودين.
تقدّم والد نور خطوة للأمام وهو يضغط على أسنانه بغضب:
"كاسر... سيب بنتي حالًا."
رفع كاسر رأسه نحوه ببطء.
عيناه...
لم تعودا بشريتين.
كانتا ذهبيتين بالكامل.
تلمعان بطريقة مرعبة تحت أضواء المشاعل.
أما نور فكانت واقفة خلفه مباشرة، تنظر إليه بصدمة لم تستطع إخفاءها.
همست بصوت مرتجف:
"كاسر..."
التفت إليها.
وللحظة قصيرة جدًا عاد شيء من الوعي إلى عينيه.
شيء يشبهه.
شيء يشبه الرجل الذي عرفته.
لكن ذلك الشيء اختفى بسرعة.
وظهر بدله شخص آخر.
شخص لم تره من قبل.
ابتسم لها ابتسامة غريبة وقال بصوت عميق أجش:
"أنا مش كاسر."
ساد الصمت.
حتى أنفاس الموجودين توقفت.
ثم أكمل:
"أنا زاروك."
وفي اللحظة التالية انفجر المكان بالكامل...
---
قبل ذلك بثلاثة أشهر.
---
"أنا مستحيل أتجوز!"
قالتها نور بغضب وهي تضرب الطاولة أمامها بكل قوتها.
جلس والدها على رأس المائدة العملاقة داخل قصر عائلة الشهاب، أقدم وأقوى عائلات قطيع الهلال الفضي.
أما والدتها فتنهدت للمرة العاشرة.
قال الأب بصرامة:
"الموضوع مش اختيار يا نور."
ردت بسرعة:
"بالنسبة لي اختيار."
"لا."
"بقولك لا."
"وأنا بقولك لازم."
اشتعلت عيناها غضبًا.
كانت نور معروفة داخل القطيع كله بقوتها وعنادها.
ولم يكن أحد يجرؤ على مخاطبتها بهذه الطريقة سوى والدها.
قالت وهي تنهض:
"يعني بعد كل اللي حصل قبل كده لسه مصممين؟"
ساد الصمت للحظة.
لأن الجميع يعرف ما تقصده.
كل الرجال الذين اقتربوا منها ماتوا.
كلهم.
دون استثناء.
قالت والدتها بهدوء:
"مش ذنبك."
ضحكت نور بسخرية.
"مش ذنبي؟"
ثم أشارت لنفسها.
"الناس كلها بتقول إني ملعونة."
"كلام الناس مش مهم."
"مهم."
نظرت نحو والدها مباشرة.
"الخطيب الأول مات."
صمتت لحظة.
"والتاني مات."
ثم أضافت:
"والتالت قبل ما يطلب إيدي رسمي اختفى."
تنهد والدها بقوة.
لكنه قال:
"وبرضه الجواز هيتم."
شهقت بغضب.
"إنتوا مجانين؟"
"نور."
"لا فعلًا مجانين."
ثم أكملت بانفعال:
"هو مين أصلًا العريس العبقري اللي موافق يتجوز واحدة كل اللي قربوا منها ماتوا؟"
نظر والدها إليها للحظات.
ثم قال بهدوء:
"كاسر."
توقفت تمامًا.
اختفت العصبية من وجهها.
وحل مكانها الذهول.
"كاسر؟"
أومأ والدها.
"كاسر ابن ألفا قطيع القمر الأسود."
عقدت حاجبيها.
طبعًا كانت تعرفه.
من لا يعرفه؟
أصغر قائد حرب في تاريخ القطعان.
الرجل الذي حوّل خسائر مؤكدة إلى انتصارات مذهلة.
الاستراتيجي الذي تتحدث عنه جميع الممالك.
لكن...
قالت باستغراب:
"هو موافق؟"
رد والدها:
"هو اللي طلب التحالف."
جلست ببطء.
هذه كانت أول مرة تشعر بالفضول.
قالت:
"غريب."
ابتسم والدها بسخرية.
"إيه اللي غريب؟"
"إنه يوافق."
"ليه؟"
نظرت إليه.
"عشان الناس كلها فاكرة إني ملعونة."
ثم أكملت:
"والناس كلها فاكرة إنه بلا ذئب."
ساد الصمت.
ثم انفجر والدها ضاحكًا.
أما والدتها فهزت رأسها باستسلام.
---
بعد أسبوع.
---
كانت نور تقف فوق منصة التدريب، بينما عشرات المقاتلين يحيطون بها.
صرخ أحدهم:
"ابدأي!"
وخلال ثوانٍ فقط اندفعت كالسهم.
ضربة.
استدارة.
ركلة.
ثم طرحت خصمين أرضًا دفعة واحدة.
تعالت الصيحات.
بينما وقف قائد التدريب مذهولًا.
قال أحد المقاتلين:
"دي وحش."
رد الآخر:
"عشان كده محدش بيقدر يقرب منها."
ضحك الثالث.
"ولا يعيش أصلًا."
تجمدت الابتسامات عندما سمعوا صوتها خلفهم.
"عندكم مشكلة؟"
ابتلعوا ريقهم فورًا.
أما هي فأكملت التدريب وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن بداخلها كانت تفكر بشيء واحد.
كاسر.
الرجل الذي لم تره يومًا.
الرجل الذي سيصبح زوجها بعد أيام.
---
وفي الجهة الأخرى.
داخل قصر القمر الأسود.
كان كاسر يجلس أمام خريطة حرب ضخمة.
حولها عشرات القادة.
قال أحدهم:
"هنخسر الجبهة الشمالية."
رد آخر:
"جيشهم أكبر."
أما كاسر فظل صامتًا.
ثم مد يده.
وحرك قطعة صغيرة فوق الخريطة.
وقال بهدوء:
"بالعكس."
نظروا إليه.
فأكمل:
"إحنا هنكسب."
قال أحد القادة:
"إزاي؟"
ابتسم.
"عشان هم فاكرين إننا هنهاجم من الشمال."
"مش ده الطبيعي؟"
"بالضبط."
ثم أشار إلى منطقة أخرى.
"وده سبب إننا هنهاجم من هنا."
ساد الصمت.
وبدأت الصدمة تظهر على وجوه الجميع.
بعد دقائق كانوا جميعًا ينظرون إليه بإعجاب.
أما هو فظل هادئًا.
حتى سمع ذلك الصوت.
الصوت الذي لم يسمعه أحد سواه.
صوت عميق مظلم خرج من داخل رأسه.
"أخيرًا..."
تجمدت أصابعه.
وأغلق عينيه.
عاد الصوت مرة أخرى.
"وجدتها."
ضغط كاسر على أسنانه.
"اصمت."
ضحك الصوت.
ضحكة باردة مرعبة.
"نور..."
همس الاسم داخل عقله.
فتوتر جسده بالكامل.
"قلت اصمت."
"سأراها قريبًا."
وقف كاسر فجأة.
مما جعل القادة ينظرون إليه باستغراب.
لكنهم لم يجرؤوا على السؤال.
لأنهم رأوا شيئًا غريبًا.
شيئًا ظهر للحظة واحدة فقط.
وميض ذهبي مر داخل عينيه...
ثم اختفى.
---
بعد أيام.
وصل يوم اللقاء الأول.
وقفت نور داخل القاعة الملكية العملاقة محاطة بالحراس والنبلاء.
كانت ترتدي فستانًا أسود فخمًا يليق بابنة أقوى العائلات.
بينما كانت تحاول إخفاء توترها.
وفجأة...
فُتحت الأبواب الضخمة.
ودخل كاسر.
ساد الصمت في القاعة كلها.
ليس خوفًا.
بل هيبة.
كان أطول مما توقعت.
وأقوى بنية مما سمعت.
ملامحه حادة.
هادئة.
باردة.
لكنها جذابة بشكل مستفز.
أما هو فتوقفت عيناه عليها فورًا.
وكأن القاعة كلها اختفت.
لا يوجد سوى نور.
شعرت بشيء غريب يجتاحها.
إحساس لم تعرفه من قبل.
تقدّم حتى وقف أمامها مباشرة.
ثم قال لأول مرة:
"أهلًا يا نور."
رفعت رأسها ونظرت إليه بثبات.
وقالت:
"أهلًا يا كاسر."
وفي تلك اللحظة بالتحديد...
تردد صوت آخر داخل عقل كاسر.
صوت جعل الدم يتجمد في عروقه.
صوت زاروك.
الذي قال بهدوء مخيف:
"أخيرًا وجدتك..."
"رفيقتي."
وتحوّلت عينا كاسر إلى اللون الذهبي لثانية واحدة فقط...
ثانية كانت كافية لتجعل نور تراها.
"وأخيرًا... خرجت."ما إن صدرت الكلمات من فم كاسر حتى شعر كل من في الحديقة بأن الهواء نفسه قد تغيّر، وكأن شيئًا مفترسًا وقديمًا استيقظ فجأة وسطهم، بينما كانت عيناه الذهبيتان المتوهجتان مثبتتين على الرجل الملثم فوق السور، ولم يكن في ملامحه أي أثر لذلك الهدوء الذي اعتاد الجميع رؤيته، بل كانت هناك وحشية باردة جعلت الحراس يتراجعون دون وعي.أما نور فكانت لا تزال جالسة على الأرض بعد أن دفعها بعيدًا عن الخنجر، وقد التصقت أنظارها بالدماء التي سالت من كتفه ثم بعينيه اللتين لم تعودا عيني كاسر.قالت بصوت متوتر:"كاسر..."لكن الذي التفت إليها لم يكن كاسر.ابتسم زاروك ابتسامة صغيرة.ابتسامة غريبة لم تستطع تفسيرها.ثم قال بهدوء:"إنتِ كويسة؟"تجمد الجميع.حتى نور نفسها.لم تكن تتوقع هذا السؤال.ولا بهذه النبرة.لكن قبل أن تجيب، تحرك الرجل الملثم فوق السور بسرعة محاولًا الهرب.وهنا اختفت الابتسامة من وجه زاروك.وفي اللحظة التالية...اختفى من مكانه.شهقت نور.بينما قفز الحراس مذعورين.ولم يستوعب أحد ما حدث إلا عندما ظهر زاروك فوق السور مباشرة أمام الملثم.ارتفع صوت اصطدام قوي.ثم سقط الرجل أرضًا داخل
"إنت اللي بعت الرسالة دي؟!"دوّى صوت نور داخل الغرفة بقوة جعلت الحراس الواقفين خارج الباب يتبادلون النظرات بقلق، بينما كانت تمسك الورقة الحمراء بقبضة مرتجفة وتقف أمام كاسر مباشرة، أما هو فظل يحدق في الكلمات المكتوبة فوقها وكأنها أعادته إلى مكان لا يريد العودة إليه أبدًا.الدور القادم عليك يا كاسر.رفع عينيه نحوها ببطء."لا."ردت فورًا:"يبقى مين؟""معرفش."ضحكت بسخرية."غريبة."عقد حاجبيه."إيه الغريب؟"اقتربت منه خطوة."إن كل حاجة بتحصل في القصر بقت مرتبطة باسم واحد.""نور.""لا سيبني أكمل."ثم أشارت إلى الورقة."رسائل."وأشارت إلى الزهور."تهديدات."ثم ضربت صدره بإصبعها."وزاروك."ساد الصمت.كانت هذه أول مرة تنطق اسمه أمام الآخرين بهذه الصراحة.شعر كاسر بتوتر واضح.أما مالك الذي كان يقف قرب الباب فقد أغلقه فورًا.وقال:"خلينا نهدى."التفتت إليه."إنت متدخلش.""أنا بحاول أصلح الكارثة قبل ما تكبر."ردت بعصبية:"متكبرتش؟!"ثم التفتت مجددًا إلى كاسر."أنا عايزة الحقيقة."هذه المرة لم يهرب.لم يصمت.بل قال بهدوء:"وأنا هقولها."فتجمد الجميع.---قبل ذلك بساعتين.---كان كاسر يقف وحده فوق
"سلموا لنا نور."ساد الصمت في الممر الطويل بينما كانت الدماء لا تزال تتساقط من الحائط الحجري أسفل الكلمات المكتوبة، أما الحارس الملقى على الأرض فقد كانت عيناه المفتوحتان تعكسان الرعب الذي عاشه في لحظاته الأخيرة، وكأن من قتله لم يكن مجرد مقاتل عادي.وقف الجميع متجمدين.لكن نور كانت أول من تحرك.تقدمت نحو الجدار.حدقت في الرسالة.ثم التفتت فجأة نحو القادة.وقالت بحدة:"حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟"لم يجب أحد.نظرت إلى مالك.فأشاح بوجهه.نظرت إلى القادة.فصمتوا.وأخيرًا نظرت إلى كاسر.كان الوحيد الذي لم يبعد عينيه عنها.قالت بغضب:"أنا بسأل سؤال واضح."رد بهدوء:"وأنا هجاوب."اتجهت إليه الأنظار كلها.لكن كاسر لم يهتم.بل اقترب من نور.وقال:"في حد عايز يضرب التحالف."ضحكت بسخرية."بس؟""بس."هزت رأسها بعصبية."يبقى ليه الرسالة باسمي؟"لم يرد.وهنا شعرت أنها اقتربت من شيء لا يريد قوله.بعد نصف ساعة.تم إخلاء الممر بالكامل.وأُعيد انتشار الحراس.لكن نور لم تهدأ.كانت تسير داخل إحدى القاعات بعصبية واضحة.وفجأة سمعت خطوات خلفها.التفتت.لتجد كاسر.توقفت.وتوقف هو أيضًا.ساد صمت قصير.قبل أن تق
"لو حد لمسها... هقتله."خرج صوت كاسر باردًا بصورة مرعبة وهو يقف أمام نور مباشرة، بينما كان عشرات الحراس يحيطون بالممر الملطخ بالدماء، والجميع ينظر إلى الجملة المكتوبة على الحائط.سلموا لنا نور.أما العين الذهبية المرسومة أسفلها فقد جعلت الدم يتجمد داخل عروق كاسر.لأنه يعرف هذا الرمز.ويعرف صاحبه.لكن المشكلة الحقيقية...أنه لا يعرف كيف ظهر.قال أحد القادة بغضب:"إحنا لازم ننقل الآنسة نور لمكان آمن فورًا."رد آخر:"واضح إن الهدف الأساسي هي."التفتت نور نحوهما بعصبية."أنا واقفة هنا على فكرة."صمت الرجلان فورًا.أما كاسر فظل ينظر إلى الجدار.ثم قال بهدوء:"مش هيقدروا ياخدوها."قال مالك:"إنت متأكد؟"أجاب دون أن يلتفت:"أيوة."لكن في داخله...لم يكن متأكدًا من أي شيء.قبل ذلك بساعة.كان كاسر يقف داخل غرفة قديمة مهجورة في أحد أجنحة القصر المنسية.الغرفة لا يدخلها أحد.ولا يعرف بوجودها سوى أفراد العائلة.وفي منتصفها كان يوجد باب حديدي ضخم مغطى برموز قديمة.اقترب منه ببطء.ثم وضع كفه فوق المعدن البارد.فورًا بدأت الرموز تضيء.وانبعث صوت عميق من الداخل."أخيرًا رجعت."أغلق كاسر عينيه."عايز





