Share

صدى ما لا يُرى

Author: احمد
last update publish date: 2026-04-02 07:04:34

لم ينم رامي تلك الليلة.

لم يكن الأمر متعلقًا بالأرق العابر، أو التفكير الزائد الذي يهاجم الإنسان أحيانًا، بل كان شيئًا أثقل، أعمق، كأن النوم نفسه أصبح فكرة بعيدة عنه. بقي مستلقيًا على سريره، محدقًا في السقف، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل، وكأن الزمن تعمد أن يثقل عليه أكثر.

كلما أغمض عينيه، عادت تلك اللحظة.

الصوت.

الوجه.

والكلمات.

أنا… الشيء الذي لم يكن يجب أن يعود.

فتح عينيه بسرعة، وكأن الفكرة وحدها كفيلة بخنقه. تنفس بعمق، محاولًا تهدئة ضربات قلبه، لكن دون جدوى. كان الإحساس ذاته لا يزال هناك، ذلك الشعور الغريب بأن شيئًا ما بدأ، وأنه لا يستطيع إيقافه.

رفع يده ببطء، ونظر إلى كفه.

بقعة الدم.

كانت لا تزال موجودة.

لم تختفِ.

لم تكن وهمًا.

جلس فجأة، وكأن ذلك الاكتشاف أعاد كل شيء إليه دفعة واحدة. نظر حوله في الغرفة، كأنه يتوقع أن يجدها هناك، واقفة في زاوية مظلمة، تراقبه بصمت.

لكن لم يكن هناك أحد.

نهض من سريره، واتجه نحو المرآة. نظر إلى نفسه مطولًا. وجهه شاحب، وعيناه تحملان إرهاقًا لم يكن موجودًا قبل ساعات.

فتح صنبور الماء، وغسل يده بسرعة، كأنه يريد التخلص من ذلك الأثر بأي طريقة. ظل يفرك كفه بقوة، حتى احمرّ جلده، لكن… البقعة لم تختفِ بسهولة كما توقع.

بل بدت وكأنها… أعمق.

توقف فجأة.

حدق بها.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

“هذا ليس طبيعيًا…”

همس بها لنفسه.

لكن ما الذي أصبح طبيعيًا أصلًا؟

عاد إلى الغرفة، محاولًا أن يجمع أفكاره. لا بد أن هناك تفسيرًا منطقيًا. لا يمكن أن تكون فتاة ظهرت واختفت بهذه الطريقة. لا يمكن أن تكون تعرف أشياء عن ماضٍ لا يتذكره هو نفسه.

لا يمكن أن تكون…

طرق خفيف على الباب.

انتفض.

التفت بسرعة، وحدق في الباب وكأنه يتوقع شيئًا غير مألوف.

لكن الصوت تكرر، هذه المرة أوضح.

“رامي؟ أنت مستيقظ؟”

تنهد بارتياح خفيف.

هذا صوت يعرفه.

تقدم نحو الباب وفتحه، ليجد صديقه واقفًا أمامه، بعينين نصف نائمتين، وشعرٍ أشعث، وكأنه لم يكن ينوي الاستيقاظ لولا شيء مهم.

“سامر… ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟”

نظر إليه سامر بتعجب

“هذا سؤالي أنا… كنت أحاول الاتصال بك منذ ساعة، ولم تجب. فقلت ربما حدث شيء.”

صمت رامي للحظة، ثم ابتعد قليلًا ليدعه يدخل.

دخل سامر الغرفة، وألقى نظرة سريعة حوله، ثم قال

“واضح أنك لم تنم.”

لم يجب رامي.

جلس على طرف السرير، واضعًا يديه معًا، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الارتجاف.

اقترب سامر قليلًا، وحدق فيه

“ما الذي حدث؟”

تردد.

هل يخبره؟

هل سيبدو مجنونًا؟

لكن الصمت لم يعد خيارًا مريحًا.

رفع نظره إليه وقال

“رأيت فتاة…”

رفع سامر حاجبه

“وهذا سبب كافٍ لتبدو وكأنك رأيت شبحًا؟”

ابتلع رامي ريقه

“لأنها ربما… كانت كذلك.”

ساد صمت قصير.

ثم ضحك سامر بخفة

“حسنًا… هذه بداية مثيرة، أكمل.”

لم يضحك رامي.

وهنا فقط، اختفت ابتسامة سامر تدريجيًا.

“أنا جاد.”

قالها رامي بنبرة ثابتة هذه المرة.

جلس سامر أمامه مباشرة

“حسنًا… ماذا حدث بالضبط؟”

بدأ رامي يسرد كل شيء.

منذ اللحظة التي سمع فيها صوته، إلى ظهورها، إلى كلماتها، إلى اختفائها.

لم يقاطعه سامر.

لكنه، مع كل كلمة، كان تعبير وجهه يتغير.

وحين انتهى…

ساد صمت طويل.

ثم قال سامر ببطء

“أنت متأكد أنك لم تكن تحلم؟”

هز رامي رأسه

“كانت حقيقية…”

ثم رفع يده

“وهذا دليل.”

نظر سامر إلى كفه.

قطب حاجبيه

“هذا… دم؟”

“نعم.”

اقترب أكثر، محاولًا تفحصه

“هل جرحت نفسك؟”

“لا.”

سكت سامر للحظة، ثم قال

“حسنًا… لنفترض أن ما رأيته لم يكن حلمًا… هذا لا يعني أنها… شيء خارق.”

نظر إليه رامي

“إذن ماذا؟”

تردد سامر، ثم قال

“ربما شخص يعرفك… يحاول العبث معك.”

“وكيف اختفت؟”

لم يجد سامر إجابة مباشرة.

وهنا بدأ الشك يتسلل إليه.

لكن قبل أن يقول شيئًا…

صدر صوت.

خفيف.

من داخل الغرفة.

تجمّد الاثنان.

التفتا ببطء نحو المصدر.

كان الصوت… من المرآة.

اقترب رامي خطوة، وقلبه يدق بعنف.

نظر إليها.

انعكاسه… كان هناك.

وانعكاس سامر… أيضًا.

لكن…

لم يكن هذا كل شيء.

لجزء من الثانية…

رأى شيئًا خلفه.

شيئًا لم يكن موجودًا في الغرفة.

ظل.

واقف.

ينظر إليه.

تجمدت أنفاسه.

“هل ترى ذلك؟”

همس بها.

“ماذا؟”

قالها سامر وهو يقترب.

لكن حين رمش رامي…

اختفى.

لم يبقَ شيء.

فقط انعكاسهما.

تراجع ببطء، ويده ترتجف

“كانت هناك…”

نظر إليه سامر بقلق واضح

“رامي… لا يوجد شيء.”

لكن المشكلة…

أن رامي كان متأكدًا

أنه لم يكن وحده في تلك اللحظة

وأن ما عاد…

لم يكن ليلى فقط

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما يراقب من الداخل   الهدوء الذي يسبق الكارثة

    لم يكن ذلك الهدوء طبيعيًا. رامي كان جالسًا على الأرض، رأسه مرفوع، عيناه مفتوحتان، ينظر إلى ليلى… لكن بدون أي تعبير. لا ألم. لا خوف. لا حتى بقايا الانهيار الذي كان قبل لحظات. وهذا… ما أخافها. “رامي…؟” قالتها بصوت حذر، وهي تقترب ببطء. لم يجب. فقط… ظل ينظر. خطوة أخرى. “إذا كنت تسمعني… أعطني أي إشارة.” توقفت أمامه. ركعت على الأرض، لتصبح بمستواه. “رامي…” مدّت يدها ببطء نحو وجهه. لم يتحرك. لكن… في اللحظة التي لمست فيها خده… أمسك يدها. بسرعة. لكن دون عنف. تجمّدت. قلبها تسارع. “رامي…؟” رفع نظره إليها. ثم… قال: “أنا بخير.” صوته كان طبيعيًا. هادئًا. لكن… بارد. بارد أكثر مما يجب. سحبت يدها ببطء. لم تقتنع. “ماذا حدث؟” سألته. “لا أعرف.” قالها ببساطة. وقف. ببطء. حركاته كانت دقيقة… متحكم بها… وكأن كل خطوة محسوبة. وهذا لم يكن رامي الذي تعرفه. “كنت… أفقد السيطرة.” أكمل. “لكن الآن… كل شيء واضح.” ضيّقت عينيها. “واضح؟” التفت نحوها. “نعم.” ثم ابتسم. ابتسامة خفيفة. لكنها لم تصل إلى عينيه. “أخيرًا…

  • ما يراقب من الداخل   عندما يبدأ الانهيار

    لم يعد رامي كما كان قبل دقائق. كان جالسًا على الأرض، لكنه لم يشعر بها. عيناه مفتوحتان… لكنهما لا تريان. كل شيء داخله انهار بصمت، وكأن الحقيقة التي سمعها لم تترك له شيئًا يتمسك به. “أنا… السبب…” همس بها ببطء، كأنه يتذوق الألم في كل حرف. ليلى تقدمت خطوة نحوه. “رامي… لا تفكر بهذه الطريقة…” لكنه رفع يده، يوقفها. “لا.” قالها بهدوء… لكنه كان هدوءًا مخيفًا. “لا تقتربي.” تجمدت مكانها. لم يكن صوته غاضبًا… بل كان مكسورًا. وهذا كان أسوأ. “أنتِ… متِّ بسببي.” رفع رأسه ببطء، وعيناه تلتقيان بعينيها. “واخترتِني… بدل نفسك.” لم تجب. لأنها لم تستطع. “وكنتِ هنا… طوال الوقت… ترينني… وأنا لا أتذكر.” صوته بدأ يهتز. “ولا أفهم… ولا أعرف…” ثم ضحك. لكنها لم تكن ضحكة طبيعية. كانت قصيرة… حادة… مليئة بالانكسار. “كم مرة… حاولتِ إخباري؟” سكتت. “وكم مرة… فشلتِ؟” اقتربت خطوة. “رامي… كنت أحاول أحميك…” “من ماذا؟!” صرخ فجأة. صوت ارتطم بالجدران. “من الحقيقة؟!” ساد صمت ثقيل. “أم… من نفسك؟” قالها بصوت أخفض. لكنها كانت أقسى. تراجع خطوة إلى الخلف. ثم جلس مجددًا، واضعًا يديه على رأسه.

  • ما يراقب من الداخل   حين لا تعود الأرواح

    لم يتحرك رامي.لم يكن قادرًا على ذلك.كلمة واحدة فقط ظلت تتردد في رأسه…“متِّ…”نظر إلى ليلى وكأنه يراها لأول مرة.نفس الملامح… نفس العيون… نفس الصوت…لكن الآن… كل شيء بدا مختلفًا.أبرد.أبعد.أخطر.“قولي شيئًا…”قالها بصوت مكسور، بالكاد خرج من بين شفتيه.لكن ليلى لم تجب فورًا.وقفت هناك، تنظر إليه، عيناها مليئتان بشيء لم يكن قد رآه من قبل… ليس خوفًا… بل حزنًا عميقًا، قديمًا، كأنه لم يُشفَ منذ زمن طويل.“كنت سأخبرك…”قالتها أخيرًا.صوتها هادئ… لكنه أثقل من أي صراخ.“لكن ليس بهذه الطريقة.”ضحك الصوت داخل رامي.“دائمًا تؤجلين الحقيقة… كعادتك.”شدّ رامي رأسه بيديه، محاولًا إيقاف الصوت، لكن هذه المرة لم يكن مجرد همس… كان حاضرًا، قويًا، وكأنه يستمتع بما يحدث.“اسكُت!”صرخ بها، لكنه لم يكن يعرف لمن يصرخ.لها؟أم له؟أم لنفسه؟تقدم خطوة نحو ليلى.“أريد الحقيقة… الآن.”صمتت للحظة.ثم…بدأت.“في تلك الليلة…”خفضت عينيها، وكأن الكلمات نفسها تثقلها.“لم يكن الحادث مجرد اصطدام.”ابتلع رامي ريقه.قلبه بدأ ينبض بعنف، وكأن جسده يعرف ما سيأتي قبل أن يسمعه.“كنت أعرف بوجوده… قبل الحادث.”رفعت نظرها نح

  • ما يراقب من الداخل   ما أخفته ليلى

    لم يعد الصمت في الغرفة مريحًا.كان ثقيلاً… يضغط على صدر رامي، وكأن الهواء نفسه يحمل شيئًا غير مرئي، شيئًا يراقبه، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد.جلس رامي بهدوء، لكنه لم يكن هادئًا من الداخل. ما رآه قبل لحظات لم يكن مجرد وهم أو مواجهة عابرة. لقد شعر به… شعر بوجوده، ببرودته، بطريقة لا يمكن تفسيرها.رفع نظره ببطء نحو ليلى.كانت واقفة بالقرب من النافذة، ظهرها إليه، والضوء الخافت يحيط بها، لكنه لم يكن كافيًا ليخفي التوتر في وقفتها.“ليلى…”قالها بصوت منخفض.لم تجب فورًا.وهنا… بدأ الشك.نهض ببطء، وتقدم نحوها خطوة خطوة، وكأن كل خطوة تقرّبه من حقيقة لا يعرف إن كان مستعدًا لمواجهتها.“أنتِ تعرفين أكثر مما تقولين… أليس كذلك؟”سكتت.ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول اتخاذ قرار صعب.“نعم…”قالتها أخيرًا.توقف رامي مكانه.“من البداية… كنتِ تعرفين.”استدارت نحوه ببطء.كانت عيناها هذه المرة مختلفتين… لا تخفيان شيئًا.“لم أكن أعرف كل شيء… لكني كنت أعرف كفاية لأخاف.”قطب حاجبيه“تخافين من ماذا؟ مني؟ أم من الشيء داخلي؟”سكتت للحظة.ثم قالت“من الاثنين.”ساد صمت ثقيل.شعر رامي بشيء في صدره ينقب

  • ما يراقب من الداخل   مواجهة الظل

    الصمت عاد، لكنه كان مشحونًا بالإدراك، بالغموض، وبإحساس بأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. الظلال التي تحيط بهم لم تعد مجرد ذكريات، بل مؤشرات على أسرار أكبر، ومفتاح لماضي ليلى الذي سيكشف تدريجيًا، ومعه كل الغموض الذي يحيط برامي. الليل في الغرفة بدا أعمق، كل زاوية مظلمة تلتهم أي ضوء ضعيف، وكل نفس بدا كأنه يثقل الجو. رامي جلس أمام ليلى، عينيه مثبتتان على الفراغ، لكنه شعر بشيء يتحرك داخله، شيء لم يره من قبل بشكل واضح. الشيء الذي عاش معه خمس سنوات، صوت خافت يسيطر على أفكاره، أصبح الآن أكثر حضورًا ووضوحًا. “لقد حان الوقت، رامي… لتعرف كل شيء”، همست ليلى بصوت حازم، بينما يديها تضغطان على كتفيه بشكل داعم. “لن أخذلك. ركّز معي.” رامي أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه، محاولًا استدعاء القوة الداخلية التي بدأ يشعر بها في الفصول السابقة. فجأة، ظهر أمامه الظل… ليس مجرد فكرة في ذهنه، بل شكل واضح، له ملامح مشوهة، عينان سوداوان تنظران إليه بلا رحمة. صوت داخله ارتفع: “أخيرًا… وصلت إلى هنا. أنت ضعيف كما كنت دائمًا.” شعر رامي بالخوف يشتد، لكن هذه المرة لم يستسلم. رفع رأسه، وعيونه تتلاقى بعيني الظل، محاولة

  • ما يراقب من الداخل   أسرار ليلى الغامضة

    ابتسمت ليلى، وعرفت أن هذه البداية الحقيقية لمعركة لم تكن تتعلق بالسيطرة فقط، بل بفهم الحقيقة كاملة، مواجهة الماضي، ومعرفة أسرار كل منهما… وأول خطوة في طريق طويل مليء بالغموض والرعب النفسي، حيث لا أحد يعرف من سينجو ومن سيستسلم للظلام. الهدوء في الغرفة لم يدم طويلًا، فكل جزء من عقل رامي كان لا يزال متوترًا، كل فكرة فيه محاطة بظل الشيء الذي يحاول السيطرة عليه. لكنه شعر بشيء جديد… إحساس بأن ما يمر به ليس مجرد صراع داخلي، بل أنه على وشك اكتشاف حقيقة أكبر، حقيقة تتعلق بماضي ليلى نفسه. ليلى جلست أمامه على الأرض، ضوء خافت ينعكس على ملامح وجهها، تاركًا جزءًا من عينيها مخفيًا في الظل. لم تعد مجرد الفتاة الداعمة التي تحاول مساعدته، بل بدأت تظهر كمقاتلة غامضة، تحمل أسرارًا لا تقل خطورة عن الشيء الذي يعيش داخل رامي. “رامي…” بدأت بهدوء، لكن صوتها كان مليئًا بالعاطفة والتحذير، “هناك شيء عني يجب أن تعرفه، شيء قد يغير كل ما تعتقده عني.” ارتجف رامي، قلبه ينبض بسرعة، لكنه شعر بأن فضوله أقوى من خوفه. “ماذا… عنك؟” سأل، صوته يخرج متقطعًا بين الخوف والريبة. ليلى التقطت نفسًا عميقًا، ثم قالت: “قبل خمس س

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status