LOGINهناك تجارب لا يجب أن تُجرى.. وبعض الأبواب لا يجب أن تُفتح أبداً." في ممرات مشفى غامض يفوح برائحة الموت والكيماويات، تستيقظ الكيميائية الشابة "ليال" لتجد نفسها وسط كابوس لم تتخيله. لم تكن جدران المشفى مكاناً للاستشفاء، بل كانت غطاءً لمشروع شيطاني يُدعى "فينيكس"، حيث البشر مجرد عينات، والأرواح مجرد أرقام في سجلات الفشل. الصدمة الكبرى لم تكن في الحقن الغامضة أو الأجهزة الباردة، بل في اكتشافها أن والدها هو العقل المدبر خلف هذا المسلخ البشري، وأن شقيقها الصغير "ياسين" هو الضحية القادمة لتجاربه النانوية القاتلة. بين مطرقة المنظمة السرية وسندان خيانة العائلة، تقرر ليال التمرد. مسلحةً بذكائها الكيميائي الفذ وحقيبة سوداء تحتوي على أسرار قد تحرق الأخضر واليابس، تبدأ رحلة هروب انتحارية من قلب "مختبر الجحيم". هل ستنجح ليال في إنقاذ ما تبقى من عائلتها وفضح المؤامرة للعالم؟ أم أن الموت سيكون أسرع من خطواتها المثقلة بالدماء والأسرار؟ رحلة تحبس الأنفاس بين العلم والجنون.. بقلم: ليال الكاشف
View Moreكانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست" المعدنية تئن تحت ثقلي، بدأتُ ألملم ما تبقى من شتات نفسي بعد يوم طويل وشاق من العمل المهين.
لقد قضيتُ ثماني ساعات في تنظيف المحلات المجاورة، أفرك الأرضيات بيدي التي تآكلت من المنظفات الرخيصة، كل ذلك لأُطعم أخاً غير شقيق لا يرى فيّ سوى خادمة خلقت لراحته، وأباً مات قلبه منذ زمن، ولم يعد يعرف من الأبوة سوى ملمس كفه الخشنة التي تترك آثارها الحمراء على وجهي كلما ضاقت به الدنيا. أخرجتُ هاتفي ذو الشاشة المشروخة من جيب مئزري، كانت الشقوق تشبه تماماً حياتي المبعثرة. مسحتُ الغبار عن الشاشة وأنا أراجع للمرة الألف بريدي الإلكتروني، والنبض في عروقي يتسارع لدرجة شعرتُ معها أن قلبي سيقفز من صدري. هناك، بين مئات الرسائل التافهة والإعلانات، كانت تقبع "الرسالة الحلم". رسالة باللغة الفرنسية، تبدأ بكلمة "Félicitations". خطاب القبول من جامعة السوربون في باريس، تخصص الكيمياء الحيوية. كانت الكلمات تتراقص أمام عيني الضبابيتين، تهمس لي بأن هناك عالماً آخر بعيداً عن صراخ زوجة أبي، وعن رائحة الفقر والظلم التي تفوح من جدران غرفتي الضيقة التي تشبه القبر. تخيلتُ نفسي هناك، وسط الأبنية الحجرية العريقة في باريس، أرتدي المعطف الأبيض الناصع الذي حلمتُ به، أقف في المختبر بين الأنابيب الزجاجية والمحاليل الملونة، أفكك شفرات الحياة الكيميائية كما حاولتُ دائماً تفكيك شفرة حياتي المعقدة التي لا حل لها. كانت الكيمياء هي لغتي الوحيدة، المهرب الذي لا يستطيع أحد أن يضربني فيه أو يمنعني منه. لكن خيالي انقطع فجأة، تحول الأمل إلى رعب محض حين سمعتُ وقع أقدام ثقيلة تقترب من الباب. لم تكن هذه خطوات والدي المترنحة، بل كانت هي.. "سمية". انفتح الباب ببطء غير معتاد، وظهرت خلفه بابتسامة صفراء باهتة لم أرها منذ سنوات. كانت ترتدي ثوباً منزلياً زاهياً لا يناسب جو البيت الكئيب، وتضع من العطر الرخيص ما يكفي لخنق غرفة كاملة. تقدمت نحوي، وضعت يدها على كتفي بنعومة مقززة جعلت شعر بدني يقشعر، وقالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله حنوناً، لكنه خرج كفحيح الأفعى: — "ليال حبيبتي.. أراكِ متعبة اليوم، هل كان العمل في المحلات شاقاً؟ يا ابنتي، قلبي يتقطع وأنا أراكِ ترهقين نفسكِ هكذا." تصلب جسدي تماماً. هذه النبرة لا تبشر بخير أبداً، فسمية لا تعرف الحنان إلا إذا كانت تنصب فخاً. نظرتُ إليها بعينين تملؤهما الريبة، ورددتُ ببرود جاف: — "ماذا تريدين يا زوجة أبي؟ ادخلي في الموضوع مباشرة. القناع الذي ترتدينه الآن لا يليق بوجهكِ، وهذه الطريقة في الكلام لا تشبهكِ أبداً." اتسعت ابتسامتها لدرجة مرعبة، وجلست بجانبي على السرير، حتى كدتُ أشعر بأنفاسها المعطرة برائحة الزيف. قالت: — "أوه، كم أنتِ قاسية القلب يا ليال! ألا يمكن للأم أن تطمئن على ابنتها التي ربتها لسنوات؟ لقد حان الوقت لننسى الخلافات القديمة. أنتِ الآن شابة جميلة، الكيمياء التي تدرسينها تزيدكِ ذكاءً، والجمال يفيض من وجهكِ كأنكِ نسخة من أمكِ الراحلة." قاطعتها بحدة، وقد بدأ صبري ينفد، وشعرت بغصة في حلقي عند ذكر أمي: — "أنا ليس لدي أم، أمي توفيت وأخذت معها كل معاني الحنان إلى قبرها. أما أنتِ، فقد أخذتِ دور الجلاد ببراعة منذ اليوم الأول. قولي ما عندكِ واخرجي من غرفتي، أريد أن أدرس قبل أن ينقطع التيار الكهربائي." في تلك اللحظة، سقط القناع تماماً. تلاشت الابتسامة المصطنعة وحل محلها الوجه الحقيقي الذي أعرفه جيداً، الوجه الذي لا يحمل سوى الحقد. تحولت عيناها إلى جمرتين من الغضب، وفي لمح البصر، شعرتُ بحرارة كفها وهي تصطدم بوجنتي بقوة هائلة. دوت الصفعة في أرجاء الغرفة، وجعلت أذني تصفر بصوت مزعج وشعرت بطعم الدم يملأ فمي. — "يا لكِ من فتاة سليطة اللسان! تظنين أنكِ كبرتِ لأنكِ تدرسين تلك الكتب اللعينة؟" صرخت في وجهي وهي تقبض على شعري وتجذب رأسي للخلف بقوة جعلتني أتأوه ألما. "احترمي نفسكِ، وإن لم تحترميني، فاحترمي ذلك الرجل الذي انكسر ظهره ليوفر لكِ ثمن كتبكِ التافهة!" ضحكتُ بسخرية وسط وجعي، وقلت بصوت مخنوق بالدموع والغضب: — "الرجل الذي تدافعين عنه.. أنا أشك حتى أنه والدي! أي أب يترك زوجته تهين ابنته، ويجبرها على العمل كالعبيد؟ أنا أكرهكم جميعاً، أكره هذا البيت، وأكره اليوم الذي ولدت فيه بينكم." كادت أن تضربني مرة أخرى، لكنها تمالكت نفسها فجأة، وتنفس الصعداء كأنها تذكرت شيئاً أهم من ضربي. قالت بصوت يقطر سماً وهدوءاً مرعباً: — "حسناً، بما أنكِ تريدين الحقيقة المباشرة فإليكِ الخبر الذي سيغير حياتكِ.. أخوكِ ياسين، ابني المدلل الذي طالما كرهتِه، مريض جداً. الأطباء في "المشفى الخاص" يقولون إن حالته نادرة، إنه يعاني من ضمور عصبي نادر، وأنه يحتاج إلى متبرع بمواصفات جينية فريدة لإنقاذ حياته." صمتت قليلاً لتستمتع برؤية علامات الحيرة على وجهي، ثم تابعت: — "أنتِ الوحيدة المتطابقة معه جينياً يا ليال. العملية دقيقة جداً، وتتطلب استئصال جزء معين من نسيج دماغكِ، نسيج حيوي لزرعه له. يقول الأطباء إنكِ قد تعيشين، أو قد تصابين ببعض 'الآثار الجانبية' البسيطة.. ربما فقدان ذاكرة، ربما شلل جزئي، ربما تفقدين القدرة على النطق.. لا يهم، المهم أن ابني، وريث هذا البيت، يعيش." شعرتُ وكأن الأرض تميد بي. هل فقدت عقلها؟ تبرع بنسيج من المخ؟ هذا ليس تبرعاً، هذا إعدام! — "أنتِ مجنونة! هذا يعني قتلي! تريدين التضحية بعقلي وحياتي من أجل ابنكِ الذي لم يقدم لي سوى السوء؟" صرختُ بها بأعلى صوتي: "لن يحدث! لن ألمس شعرة من جسدي لأجلكم! سأسافر، سأهرب، سأحقق حلمي في الكيمياء وأترككم تتعفنون هنا في قذارتكم!" في تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف حطم قفله الضعيف. كان والدي "عثمان" يقف هناك، أنفاسه متلاحقة وعيناه تلمعان بغضب أعمى تحت تأثير الكحول أو القهر، لا أعرف. ارتمت سمية في حضنه فجأة بمكر، مجهشة ببكاء كاذب: — "رأيت يا عثمان؟ ابنتك تقول إنها تتمنى الموت لياسين! تقول إنها لن تنقذ أخاها الوحيد ولو مات أمام عينيها! إنها تريد السفر لتعيش حياتها في باريس وتتركنا ندفن ابننا!" اقترب والدي مني بخطوات ثقيلة زلزلت قلبي. لم يتكلم، لم يسألني عن الحقيقة، لم يلحظ حتى دموعي. رفع يده الثقيلة وانهال عليّ بضربات متتالية وهو يصرخ بجنون: — "التعليم؟ الكيمياء؟ أهذا ما تعلمتِه من الكتب؟ القسوة على أخيكِ؟ أقسم بالله يا ليال، إن لم تفعلي ما يُطلب منكِ وتنقذي ياسين، سأدفنكِ في هذه الغرفة حية. لقد أنفقتُ عليكِ لسنوات، وحان الوقت لتردي الجميل.. بدمكِ، بنخاعكِ، بحياتكِ، لا يهم!" سقطتُ على الأرض، جسدي يرتجف، غارقة في دمي ودموعي، بينما كانا يخرجان ويغلقان الباب بالمفتاح من الخارج. ساد الصمت إلا من صوت دقات الساعة اللعينة. زحفتُ ببطء نحو السرير، نظرتُ إلى حقيبتي المخبأة في الفتحة السرية تحت الخشب، وإلى جواز سفري الذي حصلتُ عليه بشق الأنفس. المعركة الآن لم تعد من أجل "السوربون" أو العلم فقط، بل أصبحت معركة حياة أو موت.. معركة من أجل حماية نخاعي وروحي من مختبر الجحيم الذي يريد والدي وزوجته إدخالي إليه.كان الظلام كثيفًا.لم تعد ليال تسمع سوى أنفاسها.ثم...ثلاث طرقات أخرى.طرقة.طرقة.طرقة.رفعت ليال يدها نحو الجدار.— أبي؟لم يجبها أحد.أضاءت المرأة مصباحًا صغيرًا.كانت وجوههم جميعًا متوترة.قال سليم:— لا تقتربي من الجدار.نظرت إليه ليال.— لماذا؟— لأننا لا نعرف ما الذي ينتظرنا خلفه.أجابته:— وأنا لا أعرف شيئًا منذ أن بدأت هذه الرحلة.ثم وضعت يدها على الجدار.ضغطت في المكان الذي كانت الطرقات تأتي منه.صدر صوت ميكانيكي.تحرك جزء من الجدار إلى الداخل.وانفتح ممر ضيق.لم يتكلم أحد.دخلت ليال أولًا.قال سليم:— ليال، انتظري.لكنها لم تتوقف.كان الممر قصيرًا.وفي نهايته غرفة صغيرة.لا أجهزة.لا مختبرات.لا شاشات.فقط كرسي.وطاولة.وعلى الطاولة جهاز تسجيل قديم.اقتربت ليال منه.كان عليه اسمها.ليال.جلست أمامه.وضغطت زر التشغيل.صدر صوت والدها.هذه المرة لم يكن تسجيلًا رسميًا.كان صوته هادئًا.كأنه يتحدث إليها وهي طفلة.— إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أنك تذكرتِ.أغمضت ليال عينيها.— وربما تكونين غاضبة مني.ارتجفت شفتاها.— ومن حقك أن تغضبي.توقفت الرسالة لحظة.ثم تابع:— لكنني لم أخفِ
لم تستطع ليال أن تتحرك.كانت المرأة تقف عند نهاية الممر، تحت ضوء أبيض خافت، والمفتاح رقم 17 يتدلى من يدها.لم تكن شبحًا.ولم تكن صورة قديمة.كانت حقيقية.حية.قالت المرأة:— أخيرًا... عدتِ يا ليال.تقدمت ليال خطوة.— من أنتِ؟ابتسمت المرأة ابتسامة غامضة.— السؤال الذي يجب أن تطرحيه ليس: من أنا؟ثم رفعت المفتاح أمام عينيها.— بل: لماذا أخفى والدك وجودي عنك؟التفتت ليال نحو سليم.كان وجهه قد تغير.قالت:— أنت تعرفها.لم يجب.— سليم!أغمض عينيه لحظة، ثم قال:— نعم.ساد الصمت.شعرت ليال بشيء ينكسر داخلها.— منذ متى؟— منذ البداية.تراجعت خطوة.— ومن البداية التي تقصدها؟نظر سليم إلى المرأة.— قبل أن يولد المشروع الذي تعرفينه.قالت المرأة:— وقبل أن يصبح والدك جزءًا منه.رفعت ليال الملف.— إذن أخبروني الحقيقة كاملة.اقتربت المرأة ببطء.— والدك لم يكن أول من اكتشف التجربة.— أعرف.— ولم يكن أول من حاول استخدامها.صمتت ليال.تابعت المرأة:— لكنه كان أول من أدرك أن التجربة نجحت بطريقة لم يتوقعها أحد.— ماذا تقصدين؟نظرت المرأة مباشرة إلى عينيها.— أقصدك أنتِ.تجمدت ليال.— أنا؟— نعم.قال سلي
لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.