Masukوها قد أُلغي الزفاف للمرة الثامنة والثمانين اليوم، أمسكت هاتفي واتصلت بشريكي في العمل وقلت بهدوء: "سأقدم طلبي للذهاب إلى مدينة ناريا لكي نؤسس لنا فرعًا هناك". فقال لي بصوت مصدوم: "هل فكّرتِ في الأمر جيدًا؟ إن الذهاب إلى ناريا، يعني أنكِ لن تعودي إلا بعد عشر سنوات. لقد تزوجتِ اليوم فقط، هل ستنفصلين عن زوجكِ منذ اللحظة الأولى؟! هل فكرتِ إن كان زوجكِ سيوافق على الأمر؟ أو والديكِ؟ ألا تتمنين أن تبقي إلى جانبهما؟!" وقفت أنظر حولي للكنيسة الفارغة، وضحكت بمرارة، ثم قلت له: " لقد ألغي الزفاف اليوم كذلك، أي زوج هذا الذي تتحدث عنه؟! أما والديّ فيكفيهما وجود لارا". صمت شريكها في العمل قليلًا ثم قال: "حسنًا، استعدي! سنغادر غدًا". أغلقت المكالمة. مددتُ يدي أتحسّس فستان الزفاف الذي لا زلت أرتديه، وسقطت آخر دمعة في صمت مؤلم. عاودت أختي المتبناة لارا نوبة الاكتئاب وحاولت الانتحار اليوم مرة أخرى، فألغى مازن زفافنا مرة أخرى. نظرتُ إليه بعجزٍ ويأس، وقلت: "هذه هي المرة الثامنة والثمانون". طأطأ رأسه، يواسينـي بنبرةٍ مثقلة بالذنب: "امنحيني بعض الوقت يا ليلى، إنكِ تعرفين أن حالة لارا النفسية غير مستقرة منذ ذلك الحادث. أنا خائف حقًا أن تفعل شيئًا أحمق". ثم أردف: "اطمئني، هذه المرة سأتحدّث معها بوضوح، وبعدها سنتزوّج فورًا". لكن والديّ استعجلاه أن يذهب إلى لارا، قالا لي بحدّة: "ليلى! اتركي مازن على الفور، لولا أنه قد خاطر بحياته لإنقاذكِ في ذلك اليوم، لما اختُطفت لارا وأصيبت بالاكتئاب وأصبحت حالتها النفسية غير مستقرة هكذا أتمنعينه الآن من إنقاذها؟ أتريدين قتل أختك؟" وأضافا: "كيف تكونين بهذه الأنانية؟ هل زفافكِ أهمّ من حياة أختك؟" لقد سمعت هذا العتاب مرارًا وتكرارًا إلى أن توقفت عن العدّ. كنتُ في السابق أردّ، وأجادل، أمّا هذه المرة… فآثرتُ الصمت. إذا كان خطيبي، ووالداي، لا يحبّونني ولا يثقون بي، فالرّحيل أهون.
Lihat lebih banyakقالت لارا بينما تضغط بكفّها على خدها المتورم الذي يحترق ألمًا من شدة الصفعة، ثم نهضت ببطء من على الأرض، وارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة."أيها الحمقى! هل ستبحثون عن ليلى؟ وأين ستبحثون؟ لقد غادرت منذ مدة".وتابعت، بنبرةٍ تزداد سخرية:"ألم تلاحظوا الخلفية التي كانت وراؤها في آخر مكالمة؟ أليست صالة الانتظار في المطار؟"ثم جالت بنظرها في وجوه الثلاثة، الذين سقطوا تحت طائلة الندم المتأخر والتمنيّ البائس، وأمالت رأسها ثم بالغت في الضحك: "إنها ابنتكما الوحيدة حقًا! لكن ما الذي يهم؟ فلقد طردتها كالكلب الضال، أو لا... دعوني أصحح الأمر..."مدّت إصبعها، وأخذت تشير واحدًا تلو الآخر إلى الأب والأم ومازن:"إننا الأربعة من طردناها، أبي العزيز وأمي الحنونة، وأنت أيضًا يا مازن، ألا تشعرون بالرضا الآن؟"صرخ مازن وقد تحطم لديه آخر أمل لديه:"اصمتي، أيتها المجنونة!"احمرّت عيناه حتى بدتا كالجمر، وانتفخت عروق جبهته، فانقضّ عليها كوحشٍ انفرجت أساريره، يريد أن يمزّقها، لكن لارا كانت أسرع منه فلوت جسدها واحتمت خلف الأم.لم تكن الأم على استعداد، فدفعها مازن بقوة، فاختلّ توازنها، وارتطم رأسها ارتطامًا عنيفًا
تغيرت نبرة لارا، وجاء صوتها مرتجفًا فزعًا: "أي اختطاف هذا الذي تتحدث عنه؟ ما هذا الهراء؟"تناولت هاتفها على عَجَل، وأطبقت أسنانها غيظًا،ثم أرسلت له عشرين ألفًا ومعهم رسالة مقتضبة حازمة:"إن واصلتَ مضايقتي، فلا تحلم بأن تأخذ مني قرشًا واحدًا بعد اليوم".لم يرض ذلك الرجل بهذا المبلغ رضاءً تامًا لكنه وقف مترنحًا على أي حال، ثم ألقى إليها قبلة مبتذلة في الهواء، وقال باستخفاف ساخرًابينما تظهر أسنانه في ابتسامة مستفزة وتفوح رائحة الشراب منه:"حسنًا إذًا، سأغادر اليوم يا ابنتي الغالية، لا تنسي أباكِ".وما إن ابتعد، حتى ارتخى جسد لارا المشدود، وزفرت بشدة كأنها قد تخلصت من شبح قد حبس أنفاسها.أسرعت بالتفكير في حيلة أو كذبة جديدة لكي تخدع بها والديّها، لكنها رفعت بصرها إلى أباها فوجدته يقف في طريق ذلك الرجل السّكير يمنعه من الرحيل: "هل قلت حادث الاختطاف الذي وقع قبل خمس سنوات؟ ماذا تعرف عنه؟"في تلك اللحظة، ارتسمت في ذاكرته صورة ابنته ليلى ووجها الشاحب تشرح مرة تلو الأخرى، وتدافع عن نفسها مرة بعد مرة، لكن لم يصغ لها أحد.وانبعث في أعماقه صوتٌ خافت يقول له أنه ربما كان مخطئًا طوال هذه الس
لم يتوقّع أحد—لا والدَا ليلى، ولا مازن، ولا حتى لارا نفسها— أن ليلى ستفكر حتى في التصديّ لهم هكذا، وأن تتعمد الإيقاع بـ لارا وطردها من الجامعة.وفيما كانت أصوات التحطيم وصراخ لارا الهستيري تملأ الغرفة، جلست الأم تدلك صدغيها المنهكين، ثم قالت متنهدة:"كيف لا تزال ليلى أنانية إلى هذا الحد؟ لم تفعل لارا شيئًا سوى استعارة أحد تصاميمها،لما بالغت بالأمر حد الجنون هكذا؟! انظر كيف أثارت غضب أختها!"أما أباها فقد أخذ يهمهم عابسًا: "لقد اشتد عضدها، وباتت تتجاهل اتصالاتنا. اتركيها فلتفعل ما تشاء، ولتنقطع عنّا إلى الأبد".وكان مازن يجلس في الزاوية، مطأطئ الرأس، ممسكًا بهاتفه.منذ أن أغلقت ليلى الخط، وهو يشعر بقلقٍ غامض.أرسل لها رسائل بكل الطرق مرارًا، لكنها لم تجبه مطلقًا.تصفّح سجلّ محادثاتهما، فتساءل في نفسه:متى تحوّل حديثهما اليومي إلى صمتٍ يمتدّ أسابيع؟توقّف عند تاريخٍ بعينه… بعد أوّل مرة أُلغي بها الزفاف.كانت قد سألته حينها: "هل تحبّني حقًا؟"وكان مشغولًا بنزهة صيد مع لارا، فلم يهتم لسؤالها ولم يُجب.ثم… نسي الأمر تمامًا.ومنذ تلك اللحظة، لم تعد ليلى تشاركه تفاصيل يومها كما اعتادت.ه
كنتُ أجلس في صالة الانتظار، أحتسي قهوتي على مهل،فيما كانت الشاشة العريضة تكرّر عرض الأعمال الفائزة في "مسابقة المصمّمين الجدد".وتحت أضواء الكاميرات، وأمام العدسات الإعلامية، برز ذلك العمل الذي أجمع النقّاد على وصفه بـ "النابغة"، و"قنبلة الإلهام" لكنه كان نفس العمل الذي أهديته -إن كان هذا ما يسمى- إلى لارا.وبدأ رنين هاتفي يعلو بجنون.اختفى عن وجه لارا نظرة الانتصار المتعجرفة وحلّ محلّها فزع مدهش.أخذت تصرخ بجنون: "ليلى، أيتها الحقيرة! أتستغلين العمل الفائز بالمسابقة للإيقاع بي؟! كيف تجرئين على هذا؟! انتظري، لن أدعكِ تنجين من هذا الأمر!!"كان صوتها حادًا غاضبًا، وكلماتها ثقيلة أعماها الحقد.رفعتُ حاجبيّ قليلًا، وارتسمت على شفتيّ ابتسامة باردة."ألن تتركيني؟! وماذا ستفعلين؟!"نقرتُ بأصابعي نقرة خفيفة على فنجان قهوتي، فصدر رنين صافٍ هادئ.وقلت لها: "أظنّ أن جامعتكم تنصّ صراحة على أن سرقة أو تقليد مشروع التخرّج تؤدّي،حال ثبوتها، إلى الطرد الفوري،بل وقد تترتّب عليها مسؤولية قانونية إن قرّر صاحب العمل الأصلي اللجوء للقضاء".انحنيتُ قليلًا إلى الأمام، وحدقت بها ثم قلت: "أختي، برأيك هل عل