Se connecterحين رفضت التبرع برحمي لأختي، امتلأ قلب رفيق طفولتي حقدًا عليّ، فدفع بي إلى فراش وريث العائلات النافذة في البلد. كان يُشاع أن ذلك الرجل لا يطيق تعلق النساء به، فانتظر الجميع نهايتي، لكنه، على خلاف كل التوقعات، رفعني إلى أعلى مراتب الدلال. مرت ثلاث سنوات كأنها حلم. وعندما ظننت أنني أحمل طفلاً، ذهبت إلى المستشفى لإجراء الفحوصات، غير أنني، دون قصد، سمعت حديثًا بينه وبين الطبيب: "جلال المنصوري، قبل ثلاث سنوات طلبت مني سرًا نقل رحم ريما إلى أختها، وها أنت الآن تأمرني أن أوهمها بأنها عقيم منذ ولادتها... كيف قسا قلبك إلى هذا الحد على امرأة تحبك؟" جاء صوته مألوفًا... لكن ببرودة غريبة: "لا خيار لديّ. إن لم تستطع رايا إنجاب طفل، فستُهان في بيت زوجها. وحده رحم أختها يناسبها." في تلك اللحظة، أدركت أن الحب الذي آمنت به، والخلاص الذي تشبثت به، لم يكن سوى خدعة أخرى. وما دام الأمر كذلك... فليس أمامي سوى الرحيل.
Voir plusما إن خرج الرجل حتى اضطرب المكان فجأة في الخارج، وكأن شيئاً كبيراً قد وقع.دخلت بعض الممرضات على عجل، ودون مقدمات أسندنني إلى كرسي متحرك."إلى أين تأخذونني؟""السيد جلال يحتضر، ويريد رؤيتكِ لآخر مرة، يا سيدة، أرجوكِ تعالي.""كيف هذا؟" شعرت بغريزتي أنهن يكذبن علي، فقبل قليل كان بحال جيد، كيف يحتضر هكذا؟شرحت الممرضة بسرعة: "لقد ماتت رايا للتو، وأمها كأنها أصيبت بالجنون، طعنت السيد جلال بعدة طعنات بسكين مطبخ."في غرفة الإنعاش، كان جلال المنصوري ممدداً ملطخاً بالدماء، ونزيف بطنه لا يتوقف، وكأن الدم لا يريد أن ينحبس.عندما دخلت، نظر إلي مباشرة، ومد يده المضرجة بالدماء نحوي.ترددت بضع ثوان، ثم مددت يدي إليه.كانت الدماء تندفع من فمه، فقال بصعوبة بالغة: "إن متُّ، فهل يمحو ذلك ذنبي؟"أومأت برأسي."سأتبرع بكل أعضائي. هل يمكنكِ، أن تأتي كل عام إلى قبري وتزوريني، كأنكِ ترين أنني فعلت خيراً؟"أومأت مرة أخرى.ابتسم راضياً، ثم بدأت قوة يده تخف تدريجياً.في يوم العيد بعد شهرين، ذهبت أنا وياسر الشافعي لزيارة قبر جلال.لقد زرع قلب جلال في صدر ياسر. لا أعرف هل كانت هذه مصادفة، أم أن ذلك الرجل هو من أوص
وبما أنني أصبحت محتجزة إلى جانب جلال المنصوري، فقد فقدت أي رغبة في الحياة، ولم أعد أرغب في الاستيقاظ أصلاً.أصبحت الغيبوبة وسيلتي الفعالة لمقاومة سجنه لي.كان وعيي يحوم في الهواء، وأشاهد يومياً عجزه أمام جسدي.كان وجهه يزداد شحوباً وتوتراً يوماً بعد يوم، لا يقدر إلا على إطلاق غضبه العاجز على الأطباء، يكرر السؤال مراراً: متى يمكن إجراء عملية الزرع؟"لابد أن تتحسن بعض المؤشرات الحيوية لدى المريضة أولاً. إجراء العملية الآن فيه مخاطرة كبيرة، فقد لا تخرج من غرفة العمليات حية."ثار جلال مرة أخرى غضباً شديداً، ونهى أي شخص أن ينطق بأي حرف مشؤوم له علاقة بالموت.وكأنهم لو لم يذكروه، فلن أموت.أما رايا، فكانت تسمع من جانبها بسرور: "إذاً فلننتظر بضعة أيام أخرى حتى تتحسن مؤشراتها. لا أريد أن تتأثر صحتي بتدهور حالتها. جلال، لا تقلق، سأخرج من غرفة العمليات سالمة حتماً."ذلك الطبيب عديم الضمير الذي أجرى لي العملية من قبل، نظر إلى رايا، ثم نظر إليّ ممدة على السرير، وكأن على شفتيه كلمات لم ينطق بها.ربما كان يشعر بالأسف لأنهم على وشك أن يفرغوا جسدي مرة أخرى.بعد أسبوع، دفعوني إلى غرفة العمليات، وأعطوني
كنت أتابع هذه المهزلة خارج الشاشة وأنا مستمتعة.اتصل بي ياسر الشافعي، وكان صوته يبدو غريباً واهناً بطريقة ما، فقال: "هل هناك شيء تريديني أن أفعله لكِ؟ ضمن باقة الطلاق، دون مقابل إضافي."فكرت ملياً فيما تبقى من أمر لم يُنجز، ثم قلت: "نعم، بعد موتي أرجوك أن تنثر رمادي في البحر، ولا تدع جلال المنصوري يحبسني، لا أريد أن أدفن في مقبرة عائلته."سكت للحظة، ثم همس: "هذا لا أستطيع أن أضمنه، لأنني قد أموت قبلكِ.""لماذا؟" كلام الرجل غريب جداً، كيف يموت قبلي؟"مرض القلب، كل يوم أعيشه غنيمة." كان صوته خفيفاً، كرجل خاطر بحياته.تنهدت، وقلت: "عش بضعة أيام إضافية إذاً، فإذا جاء يومي، سأتبرع لك بقلبي."لم يبقَ في جسدي الآن سوى قلبي سليماً، فليكن هذا شكري له على قبوله قضيتي.صمت طويلاً، ولم ينبس ببنت شفة.فُتح باب الغرفة فجأة، ودخل جلال المنصوري بوجه شاحب.أغلقت الهاتف بسرعة.ظننت أنه بعد أن فضحت تلك الوقائع، سيثور غضباً ولن نلتقي أبداً.لكنه بدا غير مكترث كثيراً، وجلس على عادته بجانب سريري، وقال ببرود: "إذا كان الانتقام مني يريحك ويسليك، فلا يهمني أن أفضح نفسي."ثم رتب علب الطعام أمامي، وأمسك بالملعقة
بدا جلال وكأنه لا يبالي بجفائي وكلماتي القاسية.رفع يدي، وأخرج خاتماً من جيبه، ثم دفعَه بقوة في بنصري، وقال بصوت دافئ: "يا غبية، لو كنتِ بحاجة للمال، لمَ لم تطلبي مني؟ لا تبيعي شيئاً بهذه الأهمية بعد اليوم، حسناً؟"حبستُ أنفاسي وأنا أنهض بصعوبة من السرير، غير مبالية بالإبرة التي لا تزال في يدي الأخرى، فنزعتُ الخاتم الذي فرضه عليّ بالقوة ورميت به بعيداً."جلال، أريد الطلاق، أريد الطلاق، ألا تفهم؟"كان الدم يعود عبر الإبرة في ظهر يدي، لكني منذ زمن طويل صرت في حالة من الجمود تجاه هذا الألم، فسنوات مضت وأنا أحمل جسداً مليئاً بالجراح.حتى جاء هذا الرجل ووجه إليّ الضربة القاضية.أوشكت على الموت من الألم، بل بدأت أتوق إلى الموت.نزعتُ الإبرة من يدي دفعة واحدة، ونظرت إليه ببرود، وسألت بهدوء: "جلال، إن متُّ، أستطيع أن أفلت منك؟"نظر إلى الدماء تنساب من ظهر يدي، فبدا كأن حدقتيه تكسرتا، وقال بحروف مثقلة: "لا تذكري هذه الكلمة أبداً، ستعيشين مئة عام، ولن أتركك ترحلين عني."مئة عام؟ هل ذلك ممكن؟أغمضت عينيّ واستلقيت، لا أريد رؤيته بعد الآن.انتظرت طويلاً حتى سمعت صوت فتح الباب وهو يخرج، فأخرجت هاتفي





