LOGINمرّ ما تبقى من النهار ببطء.
أو هكذا بدا لي. لم تتوقف ميريل عن توزيع الأوامر منذ الصباح. ما إن ننتهي من تنظيف إحدى الردهات حتى تُرسلنا إلى أخرى، ثم إلى قاعة استقبال، ثم إلى ممر طويل يربط بين الأجنحة الشرقية والغربية. كان العمل مرهقًا. لكنني لم أشتكِ. بل كان ذلك أفضل. فالانشغال منحني فرصة للتجول في أجزاء مختلفة من القصر دون إثارة الشبهات. وخلال عملي... كنت أحفظ كل شيء. عدد السلالم. أماكن النوافذ. مواقع الحراس. الممرات التي يقل فيها المرور. وأوقات تبدل المناوبات. في كل مرة يمر فيها أحد الحراس، كنت أتابع حركته بطرف عيني دون أن أرفع رأسي. سبع سنوات من العمل... جعلت المراقبة عادة لا أستطيع التخلي عنها. ... الطابق الرابع... كان الأكثر حراسة. لم يقترب منه أحد من الخدم. حتى ميريل لم تصعد إليه. كانت تكتفي بإرسال الطعام إلى مدخله، حيث تستلمه الخادمة الشخصية للإمبراطور قبل أن تغلق الباب خلفها. إذًا... هذا هو المكان. أخفضت رأسي وأنا أتابع تنظيف الأرضية. لن أحاول الصعود الآن. ولا غدًا. كل الحراس سيكونون في كامل يقظتهم. لكن... ليلة الزفاف ستكون مختلفة. ستنشغل أنظار الجميع بالاحتفال. وسيكون معظم أفراد القصر في قاعة الولائم أو في الساحات الخارجية. أما الحراسة... فستتركز حول الإمبراطور وضيوفه. وذلك سيمنحني الفرصة التي أحتاجها. سأتسلل إلى الطابق الرابع. أعثر على الخزنة. أنسخ الملفات المطلوبة. ثم أعيد كل شيء إلى مكانه قبل أن يلاحظ أحد. لن أسرقها. فالسرقة ستُكتشف فورًا. أما النسخ... فلن يلاحظها أحد. إذا سارت الأمور كما خططت... فسأغادر هذا القصر بعد انتهاء المهمة مباشرة. ... "لوسيا." انتشلني صوت ميريل من أفكاري. رفعت رأسي. "انتهيتِ من هذا الجناح؟" "نعم." "إذًا توجهي إلى القاعة الغربية." أومأت بهدوء، ثم حملت أدوات التنظيف واتجهت إلى هناك. استمر العمل حتى بدأت أشعة الشمس تميل نحو الغروب. شعرت بثقل في ذراعي من كثرة حمل الدلاء وتحريك الأثاث. لكنني لم أسمح لذلك بالظهور على وجهي. كنت أعلم أن أي تذمر سيجلب انتباه ميريل. وهذا آخر ما أريده. ... دقت ساعة القصر معلنة حلول المساء. بعد دقائق، دخلت ميريل إلى القاعة وصفقت بيديها مرة واحدة. "توقفن." تركت جميع الخادمات ما بأيديهن. نظرت إلينا بنظرتها الحادة المعتادة. "حان موعد إعداد مائدة العشاء." ثم أضافت بنبرة صارمة: "تذكّرن ما قلته هذا الصباح." "لا تتحدثن." "لا تنظرن إلى أحد." "ولا ترتكبن خطأً واحدًا أمام جلالته." تناولت صينية فضية وضعت بين يدي، ثم وقفت في الصف مع بقية الخادمات. ويبدو... أن أول عشاء سأحضره داخل هذا القصر سيبدأ الآن. .... وقفت في الصف بصمت، بينما كانت كل واحدة منا تحمل صينية فضية مختلفة. كانت يداي ثابتتين رغم ثقل الصينية. أما البقية... فبدت علامات التوتر واضحة عليهن. إحداهن كانت تعض شفتيها باستمرار. وأخرى لا تكف عن مسح راحتيها في مئزرها. حتى إيرين، التي لم تتوقف عن الابتسام طوال النهار، أصبحت أكثر هدوءًا. مرت ميريل أمامنا بخطوات بطيئة، تتفحص مظهر كل خادمة. توقفت أمام إحداهن، ثم عدلت ياقة ثوبها بعنف. "كم مرة يجب أن أكرر هذا؟" لم تجب الفتاة. "الخادمة تمثل القصر. وإذا ظهرت بمظهر مهمل، فهذا يعني أن القصر هو المهمل." انتقلت إلى أخرى. "ارفعي الصينية جيدًا." ثم إلى ثالثة. "لا تنحني الآن، احتفظي بقوتك حتى تدخلي." وأخيرًا وقفت أمامي. ألقت نظرة سريعة على ثيابي، ثم على قناعي. لم تقل شيئًا. اكتفت بإيماءة خفيفة، قبل أن تستدير نحو الباب. "تحركن." انفتح الباب الكبير. بدأت الخادمات بالدخول في صفين متوازيين. تبعتهن بخطوات هادئة. كانت قاعة الطعام الإمبراطورية أكبر مما توقعت. سقف مرتفع تزينه رسومات قديمة، وأعمدة رخامية ضخمة تمتد على جانبي القاعة، بينما انعكس ضوء الثريات الكريستالية فوق الأرضية البيضاء المصقولة. وفي المنتصف... امتدت مائدة طويلة غُطيت بقماش أبيض ناصع، واصطفت فوقها عشرات الأطباق الفضية والكؤوس البلورية. وقفت الفرقة الموسيقية في أقصى القاعة تعزف لحنًا هادئًا يكاد لا يُسمع. أما الحراس... فكانوا في كل مكان. اثنان عند كل باب. وآخرون موزعون بين الأعمدة. ألقيت نظرة خاطفة عليهم وأنا أسير. اثنا عشر داخل القاعة. وعدد مماثل خارجها على الأرجح. وصلنا إلى المائدة. بدأت كل خادمة تضع ما تحمله في المكان المحدد لها. وضعت صينيتي بهدوء، ثم تراجعت ثلاث خطوات كما أوصتنا ميريل. بعدها اتجهنا جميعًا إلى آخر القاعة. وقفنا في صف واحد. أيدينا متشابكة أمامنا. ورؤوسنا منحنية. ساد الهدوء. لم يقطع الصمت سوى احتكاك الأطباق الخفيف. بعد دقائق... ارتفع صوت أحد الحراس. "جلالة الإمبراطور." في اللحظة نفسها، انحنى جميع من في القاعة. خفضت رأسي أنا أيضًا. سمعت وقع خطوات ثابتة تقترب من المائدة. لم أرفع عيني. لا حاجة لذلك. وجوده وحده كان كافيًا لأشعر بأن أنظار الجميع تتركز عليه. تبعته خطوات أخرى. يبدو أنه لم يكن وحده. جلس الإمبراطور في صدر المائدة، بينما جلس إلى جانبه عدد من الرجال، ربما كانوا وزراء أو قادة عسكريين. بدأت الأحاديث بصوت منخفض. لم أميز الكلمات. ولم أحاول ذلك. تذكرت تحذير ميريل. "لا تسمعن ما لا يجب سماعه." بقيت أحدق في الأرضية الرخامية. مرّت الدقائق ببطء. كلما فرغ أحد الأطباق، تقدمت إحدى الخادمات بصمت لتستبدله، ثم تعود إلى مكانها. وحين جاء دوري... حملت الطبق الفارغ بكلتا يدي. تقدمت بخطوات محسوبة حتى وصلت إلى جانب الإمبراطور. وضعت الطبق الجديد أمامه دون أن يصدر مني أي صوت. ثم هممت بالتراجع. لكن... في اللحظة التي رفعت فيها الصينية الفارغة، انزلقت إحدى الكؤوس قليلًا بسبب حافة المفرش. تحركت يدي تلقائيًا. أمسكت الكأس قبل أن تسقط بلحظة. تجمدت القاعة. حتى الموسيقى انقطعت للحظة قصيرة. ثبتُّ الكأس في مكانه، ثم انحنيت بخفة. "أعتذر." خرجت الكلمة بهدوء شديد. لم يجبني أحد. تراجعت إلى الخلف بنفس الهدوء، وعدت إلى موقعي في آخر القاعة. شعرت ببعض الخادمات ينظرن إلي بطرف أعينهن. أما أنا... فبقيت أحدق في الأرض. لا أحتاج إلى لفت الانتباه. لقد ارتكبت ما يكفي من الأخطاء لهذا اليوم. ورغم أن كل شيء عاد إلى طبيعته بعد لحظات... إلا أنني لم أستطع التخلص من شعور غريب. شعور بأن زوجًا من العينين... كان لا يزال يتابعني بصمت.ساد صمت ثقيل في الغرفة بعد أن نطقت ليا بتلك الكلمات. "إمبراطورة العالم الخامس".. اللقب كان ضخماً لدرجة أن إيفلين شعرت وكأن الهواء من حولها أصبح أكثر كثافة. كجاسوسة، كانت تعلم أن السلطة تعني القوة، والقوة تعني الخطر، لكن نظرة ليا لم تكن توحي بالتهديد، بل كانت تحمل فضولاً عميقاً وهدوءاً غريباً. ظلت إيفلين صامتة لعدة ثوانٍ، عقلها يعمل بأقصى سرعته. كانت تحلل كل تفصيل في وجه ليا، طريقة جلوسها، نبرة صوتها، وحتى حركة يديها. لم تجد أي علامة على الكذب أو الخداع، بل وجدت ثقة مطلقة بالنفس لا يمتلكها إلا من ولد وهو يملك كل شيء. قالت إيفلين بصوت لا يزال يحمل أثر التعب: "لماذا أنقذتني؟" ابتسمت ليا وجلست على طرف السرير برفق، مع مراعاة المسافة لكي لا تشعر إيفلين بالتهديد. "لأن أولاً، لا أسمح لأحد أن يمارس طقوس التعذيب القذرة على أرضي، سواء كان الضحية من عالمي أو من عالم آخر. وثانياً.. لأن أولئك الخونة الذين اختطفوكِ كانوا يخططون لشيء أكبر من مجرد تجربة سحرية." قطبت إيفلين حاجبيها، وشعرت ببرودة تسري في جسدها عندما تذكرت كلمات السحرة في المختبر. "كانوا يتحدثون عن إسقاطكِ.. عن استخدام قوتي للوصول إلى
أغمضت إيفلين عينيها باستسلام تام. لم تعد تملك القوة حتى لفتح جفنيها أو التفكير في طريقة للهروب. شعرت بجسدها يرتفع ببطء عن الطاولة المعدنية، وكأن يداً خفية ترفعها برفق، لكن وعيها بدأ يتلاشى تدريجياً، لتسقط في دوامة عميقة من السواد سحبتها إلى عالم آخر.. عالم الكوابيس.وجدت إيفلين نفسها تجري. كانت في أروقة قصر شاسع، جدرانه عالية جداً وسقوفه تختفي في ضباب رمادي كثيف. كانت الممرات فارغة تماماً، صامتة لدرجة أنها تسمع دقات قلبها المتسارعة وصوت أنفاسها التي تخرج بصعوبة. كانت تجري بأقصى سرعتها، تلتفت يميناً ويساراً، تبحث عن باب، نافذة، أو أي مخرج يعيدها إلى الواقع، لكن كل الممرات كانت تؤدي إلى ممرات أخرى مشابهة. كانت وكأنها تدور في حلقة مفرغة لا تنتهي.وفجأة، اخترق الصمت صوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة مثيرة للقشعريرة، صوتاً يهمس بجانب أذنها مباشرة وكأنه يقف خلفها تماماً: "حبيبتي.. ألم تختبئي بعد؟"تسمرت إيفلين في مكانها لثانية واحدة، ثم انطلقت في الركض مرة أخرى بصرخة مكتومة من الرعب. كانت تشعر بأنفاسه تلاحقها، وبأن الظلال من حولها بدأت تضيق وتغلق عليها الممرات. وبينما كانت تهم بإطلاق صرخة عالية
تراجع الرجل ذو الرداء السائل، وفتح الطريق لثلاثة من السحرة الذين دخلوا الغرفة بوجوه جامدة. لم يكونوا يحملون أجهزة، بل كانت أيديهم تتوهج برموز سحرية باهتة، ويحملون معهم بلورات سوداء تنبض بضوء أرجواني خافت.تجمعوا حول الطاولة المعدنية التي تقبع عليها إيفلين. لم تكن نظراتهم نظرات بشر، بل كانت نظرات صيادين وجدوا فريسة ثمينة. بدأوا يرسمون في الهواء دوائر من الطاقة السوداء تحيط بجسدها، مما جعل الهواء من حولها يثقل ويصبح من الصعب تنفسه."النواة السحرية داخلها لا تزال نائمة،" قال أحدهم وهو يمرر يده فوق صدر إيفلين دون أن يلمسها، وكأنه يجس نبض طاقتها. "إنها تملك قوة خام، لكنها محصنة بجدار ذهني قوي."رد المسؤول وهو يراقب الدوائر السحرية ببرود: "الجواسيس مدربون على إغلاق عقولهم. لن تفتح هذه القوة طواعية. يجب أن ندفعها إلى حافة الانهيار. السحر الكامن لا يستيقظ إلا عندما يصرخ الجسد طلباً للنجاة."أشار المسؤول بيده، وبدأ السحرة الثلاثة في إلقاء تعاويذ متزامنة. فجأة، شعرت إيفلين بآلاف الإبر السحرية تخترق مسام جلدها في آن واحد. لم يكن ألماً جسدياً فقط، بل شعرت وكأن روحها تُسحب من جسدها بقوة عنيفة. تشن
يارفاق أعتذر لإزعاجكم🌸 قررت تغيير شيئ ما، سابقا قلنا ان روح النار المثالية تحكم العالم الثالث و روح الرياح تحكم العالم الرابع صح ؟ قلبت بينهم . ليش ؟ للذي يقرأ روايتي :" مقيدة في جحيم هوسه " سيعلم ان بطلة تلك الرواية اوريليا تعرضت لمحاولة اعت/داء من قبل امير العالم الثالث فنسيت انا انو داريوس يحكم العالم الثالث لهيك نقلب أحسن . العالم الثالث تحكمه روح الرياح. العالم الرابع تحكمه روح النار. ... ستبقى هذه الملاحظة لمدة ثلاثة ايام قبل ان أحذفها لذلك اي أسئلة هنا من فضلك و ساكون سعيدة برأية تحليلاتكم و تعليقاتكم . انتظر الثنائي maria mimi و dja noo كي يبهروني في التعليقات 😁 انا أقرا كل تعليقاتي و أرد عليها فان لم ارد عليها فاعلم أنني اما سأجيب عنها في الفصل السابق او اعد ارسال واحدة تخبرني فيها بالاجابة عنك ❤️🔥 و شكرا لك كثيرا يا عزيزي القارئ يسعدني أن أتواجد بين ناس تقدر كتاباتي التي مازالت تحتاج تحسينات 🙂↕️🤩
استيقظت إيفلين على صوت طنين منخفض ومستمر، صوت يتردد في أعماق جمجمتها وكأنه نحلة محبوسة داخل أذنيها. كانت الرؤية مشوشة في البداية، مجرد بقع من اللون الرمادي والأسود تتداخل مع بعضها البعض. حاولت تحريك يدها، لكنها شعرت بثقل غريب، وكأن جسدها لم يعد ينتمي إليها، بل أصبح قطعة من الرصاص مغموسة في سائل لزج.ببطء شديد، بدأت حواسها تعود إليها، لكنها لم تكن عودة طبيعية. لم تشعر ببرودة الأرض التي سقطت عليها في الزقاق، ولم تشم رائحة الرطوبة والعفن المميزة لأزقة المدينة. بدلاً من ذلك، كانت تشم رائحة "أوزون" حادة، تشبه الرائحة التي تتبع الصواعق الرعدية، وشعرت بهواء جاف جداً يلسع رئتيها مع كل شهيق.فتحت عينيها بالكامل، لتجد نفسها مستلقية على طاولة معدنية باردة، ملساء لدرجة أنها لا تترك أي أثر للمسام. لم تكن مقيدة بسلاسل حديدية بدائية، بل كانت هناك أطواق من ضوء أزرق باهت تحيط بمعصميها وكاحليها، تلتصق بجلدها بقوة مغناطيسية لا يمكن الفكاك منها. نظرت حولها بصدمة؛ لم تكن في غرفة، بل في ما يشبه "الشرنقة" الزجاجية العملاقة التي تطفو في وسط فراغ شاسع.خارج الزجاج، لم يكن هناك سماء ولا أرض. كان هناك سديم من ا
ساد صمت مفاجئ في أرجاء الحانة، وكأن صوت رنين الذهب قد أخرس كل الأفواه. تراجع الرجال الثلاثة خطوة للخلف، ليس خوفاً من الذهب، بل لأنهم أدركوا أن هذه المرأة ليست مجرد "صيد ثمين"، بل هي شخص يعرف تماماً كيف تدار الأمور في هذه الأزقة المظلمة. لم تمر لحظات حتى انشق الزحام عن رجل ضخم الجثة، يبدو وكأنه جبل من العضلات يرتدي سترة جلدية سوداء مهترئة. كانت ملامحه خشنة، وعيناه ضيقتان تحملان نظرة متعالية، وخطواته الثقيلة تجعل الأرض تهتز تحت قدميه. وقف أمام إيفلين مباشرة، حاجباً عنها الضوء بجسده الهائل، ثم نظر إليها ببرود وقال بصوت أجش يشبه صرير الأبواب القديمة: "أنا هو الرئيس هنا.. ومن النادر أن تأتي امرأة مثلكِ لتطلبني بهذا الأسلوب. كيف يمكنني مساعدتكِ يا جميلة؟" لم تهتز إيفلين، ولم ترفع رأسها لتنظر إليه بضعف. بدلاً من ذلك، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ذكية، ابتسامة تحمل في طياتها سخرية مبطنة وعلماً بما لا يعلمه هو. مالت برأسها قليلاً، ثم قالت بنبرة هادئة ومستفزة: "حقاً؟ أنت هو الرئيس؟" وقبل أن يتمكن الرجل الضخم من الرد أو إظهار غضبه، تحولت نظرات إيفلين فجأة وبسرعة خاطفة نحو زاوية بعيدة في الحانة.







