Masukجاء يوم العملية، استيقظت رنا من نومها باكرا ،فقد عجزت عن النوم طوال الليلة السابقة، فتلك العملية شيء قد فُرض عليها ،هي تريد حلا لمشكلتها، تريد أن تخرج من هذه الدوامة
تريد أن تعرف ماذا يحدث معها، ولماذا حدث ذلك!، فمن الممكن أن إجراء العملية قد يكشف عن هذا السر الخفي، ولكن ، ماذا لو لم تنجح العملية!، ماذا لو فارقت الحياة!، هي لازالت في مقتبل العمر ولديها طموحاتها ، كل هذا سينتهي!، تفارق الاهل والاحباب، ولكن أين مكان العملية، وكيف سيكون شكلها!، هل ستترك ندبة كبيرة في جسمها!، ماذا ستقول لزوجها عندما تتزوج عن هذه الندبة!، هل ستنجب! كانت الأفكار تعصف بها ، هي مشتته ،غارقة في دوامتها وصلت إلى مرحلة من اليأس وكأنها تسير إلى المجهول بدون ارادة ، هي فقط تريد أن ينتهي الأمر ، تريد أن تحصل على الهدوء في أفكارها ،ان تطمئن على وضعها وانها بخير. كان والديها الايام الماضية يقومان بطمئنتها، وان عمليتها ستكون سهلة ، وان لا تخاف، فهي لن تشعر بشيء ،بمجرد ان يقومو بتخديرها لن تشعر بشيء ، وسينتهي الأمر سريعا دون أن تشعر تناولت الإفطار مع والديها ، وقد كانو يشدون من عزيمتها ، ويطمئنوها ، كانت السماء تمطر بغزارة، ففصل الشتاء قد بلغ ذروته، ارتدت رنا بلوزة صوفية لونها برتقالي وفيها خطوط عرضية سوداء ،وبنطال جينز أسود، ثم ارتدت معطفا أسود، واختفت شعرها الأسود تحته وكأن اللون الاسود لم يكن مجرد اختيار، بل انعكاسا لما يعتمل معها من أفكار ومشاعر. وصلت رنا مع والدها إلى المستشفى، لم تذهب ام رنا لأنهم لا يريدون إثارة الشك بين الناس، فهذا الأمر سري للغاية، كان الوصول سريعا مع ان المسافة بعيدة، لم تشعر رنا كيف وصلت.؛ فقد كانت غارقة بافكارها ودوامتها. دخلت رنا ووالدها عند الطبيب، وبعد أن اطلع الطبيب على الملف الطبي الخاص برنا، قال موجها كلامه إلى والدها " اليوم تكمل إجراءات الدخول ،وغدا سيقوم الدكتور مفيد بإجراء العملية لها في الساعة الثامنة صباحا" ارتجف قلب رنا، احست وكأنه سقط منها ،احمرت عيناها قال والد رنا :_اعذرني أيها الطبيب ،ولكن نحن لغاية الآن لا نعرف لماذا ستقومون بإجراء العملية ؟! _لا تقلق، هي مجرد عملية تنظير بسيطة، نريد أن نعرف ما هو سبب انقطاع الدورة الشهرية، واذا وجدنا المسبب داخل الرحم سنقوم بعلاجه بنفس الوقت _ وكم تستغرق العملية ؟ _ليس كثيرا ، قرابة النصف ساعة ، اطمئنا هي عملية سهلة وستخرج بنفس اليوم قاطعته رنا بتردد :وكيف ستجرى العملية؟ الطبيب :.... سيُجرى في البطن ثلاثة ثقوب صغيرة ، ثم ادخال منظار صغير، لنتمكن من رؤية الرحم من الداخل . قالت رنا في تردد :_ هل ستترك العملية ندبة ؟ ، ابتسم الطبيب " اطمئني، هي ثقوب بسيطة، لن يكون لها أي أثر، ولكن الثقب عند الصرة سيكون أكبر بقليل ، غرزة او غرزتان ستكون ندبة صغيرة. خرجا الاثنان من الغرفة،لم تكن رنا وحدها في الغرفة، بل كان هناك سرير اخر وعليه امرأة تبدو وكأنها في أواخر الثلاثين، كان والد رنا يطمئنها" سمعتي يا ابنتي، هي مجرد عملية بسيطة ، لا تخافي، انا اعرفك... انتي فتاة قوية.. ستتجاوزي الأمر اومأت رنا برأسها محاولة طمأنة والدها وانها بخير ، لكن اسم العملية بحد ذاته كان كفيلا بأن يجعلها تشعر بأنها امام امر جلل. وكأنها بعد العملية لن تعود لطبيعتها قام والدها باتمام إجراءات الدخول ،ورافق ابنته إلى غرفتها ، جلس معها قليلا ،يقدم لها النصائح مرة، ويساندها مرة، ويرفع من معنوياتها مرة، " إذا احتجتي شيئا يا ابنتي، اتصلي بي..... انتي فتاة قوية.... لا تخافي.. ارتاحي الان ... نامي جيدا.. فالأمر بسيط... غدا صباحا سنحضر انا ووالدتك.. اعتني بنفسك جيدا.. سأغادر الان..." احتضنها وقبل جبينها... ثم خرج من الغرفة .. وعيون رنا تتبعه حتى اختفى عن ناظريها، وقد احمرت عيناها وازدادت دقات قلبها. ،وما ان لبث سريعا حتى عاد" ابنتي، تأكدي من شحن هاتفك حتى اتمكن من الاتصال بك " ثم احتضنها مرة ثانية ، أحست رنا بخوف والدها " اطمئن يا أبي، هي مجرد غرزة او غرزتان ههه، سأخرج غدا" هذه المرة، ما ان غادر والدها حتى انهارت رنا باكية ،وجلست على سريرها، لأول مرة تبتعد عن أهلها.. عن والديها.. عن اخوتها.. وكأنها لن تراهم مجددا.. بدأت تتذكر كل واحد منهم، سمعت صوت تلك المرأة الموجودة في الغرفة" يا فتاة.. "، مسحت رنا دموعها وفتحت الستار الموجود حول سريرها ،ونظرت إليها ، لاحظت المرأة آثار البكاء في عيني رنا، قالت المرأة :" مرحبا، هل معك شاحن؟ نسيت شاحن هاتفي في سيارة زوجي قبل قليل" اعطتها رنا الشاحن، " شكرا لكِ" صمتت قليلا ثم قالت " لقد احضرت دجاجا مشويا من الخارج، هيا تعالي لتناول الغداء سويا" _ شكرا لك ِ، لست جائعة ،لقد احضرت معي وجبة للغداء ولكني لست جائعة. _ سمعت والدكِ يتحدث عن عملية ، يجب أن تأكلي والا ستبقين ليوم غدٍ بدون طعام، يجب أن تصومي قبل العملية، لم تكد تنهي كلامها حتى دخل طبيب ومعه ممرضة يسأل : _ اين رنا؟ _ انا رنا.... _مرحبا ، انا الدكتور مفيد، سأجري لكِ العملية غدا في الصباح الباكر، جئت للاطمئنان على حالتك، فقد كنت مشغولا صباحا في غرفة العمليات ولم اراكي وقتها. بدا لها الطبيب لطيفا ، ابتسمت ابتسامة مريرة " شكرا لك أيها الطبيب" الطبيب : عند الساعة الثامنة مساء يجب أن تبدأي بالصيام لا تتناولي بعدها اي شيء، لحين انتهاء العملية _ هل سأخرج غدا ؟ _ بالطبع، فهي عملية بسيطة ، ثم ابتسم قائلا " الا اذا اردتي البقاء لرؤية الثلج ، يقولون ان عاصفة ثلجية قادمة ،" لا سأخرج ههه" _ تناولي طعامكِ وارتاحي ،ولا تفكري بشيء، اراكي غدا خرج الطبيب تتبعه الممرضة ، ثم أخرجت رنا طبق المندي الذي اعدته لها والدتها ومعه صحن السلطة وذهبت به عند تلك المرأة :" هيا لنتناول الغداء سويا" وبدئا يتناولان الطعام. وبعد أن انتهت قامت رنا بتنظيف المكان ، وبعد لحظات من الصمت ،بدأت المرأة تتحدث عن نفسها.. :_اسمي هدى، غدا سأضع طفلي الأول _ حقا! كم هذا رائع، وهل وجدتم له اسما ؟ _اجل، سنسميه كرم.. فقد تكرم علينا وجاء اخيرا هههه ، بعد أربعة عشر عاما من الزواج " صمتت رنا قليلا فهي لم تعرف ماذا تقول اتواسيها ام تهنئها على مجيئه واخيرا. ثم قالت وقد تذكرت وضعها وانها من الممكن أن لا تنجب هي أيضا". وهل كانت امورك على ما يرام خلال السنوات الماضية؟ " ، في داخلها كانت تريد ان تسألها لماذا لم تنجب علها تجد إجابات لنفسها ولكنها لم تستطع ان تسأل بشكل مباشر. _ لم تكن على ما يرام بالتأكيد ولكننا كنا نعيش انا وزوجي على الامل، لقد عانيت من ضعف في المبايض، واستغرق هذا وقتا من الفحوصات والمراجعات حتى عرفنا ، وجربت العديد من الأدوية ولكن دون جدوى، واخيرا اقترح علينا الطبيب ان نقوم بزراعة طفل انابيب، وها نحن نعد الساعات القادمة بالثواني حتى يأتي " قالتها وهي تضع يدها على بطنها تتحسسه _ حمدا لله انكِ سترينه غدا ،وستتغير حياتك للأفضل ،فما ذكرتيه قد صار في الماضي وانتهى، فلتفرحي الان مولودك قادم _ نعم، صحيح... وانتي... ما هذه العملية البسيطة التي ستخضعين لها ؟ _ عملية تنظير للرحم... ، صمتت وعيون هدى ترمقها تنتظر ان تكمل. _ لدي مشكلة في انتظام الدورة الشهرية، فهي لن تعد تأتي منذ اشهر _ فهمت، لا تقلقي، ممكن ان يكون السبب بسيطا وسيعالجونه.. لا تخافي.. بقيت رنا وهدى تتحدثان طويلا ، واخيرا هدى قد غلبها النعاس ،ذهبت رنا إلى سريرها لتنام ولكنها لم تستطع ليلتها ان تنام، لقد كانت قلقه، ويساورها شعور بأن هناك امر سوف يحدث.. وشعورها لا يخطئ ، بقيت مستيقظة حتى الفجر حتى غلبها النعاس اخيرا ونامت...في الصباح الذي يسبق الزيارة المرتقبة، لم يكن الهدوء الذي يلفّ المنزل سوى غلافٍ ظاهري لبركانٍ من المشاعر المتضاربة. كانت الشقة تفوح برائحة البخور والزهور المجففة، بينما كانت الأم تتنقل بخطواتٍ حثيثة بين أرجاء الصالة، تعيد ترتيب الوسائد وتتأكد من نظافة كل زاوية، وكأنها تستعد لامتحانٍ مصيري. أما رنا، فكانت تقف أمام شاشة مرآتها في الغرفة، تثبت عينيها على انعكاس وجهها المتعب؛ كان حماسها الخفيّ يصارع خوفاً دفيناً وتوتراً يجمد الأطراف. كلما تذكرت أن اليوم هو اليوم الذي ستطأ فيه والدة سمير عتبة بيتهم، شعرت برعشةٍ تسري في جدار معدتها. دخلت شقيقتاها، عبير ونور، إلى الغرفة لتجداها تقف حائرةً بين فستانين زاهيين. اقتربت عبير ووضعت يدها على كتفها بحنو، ثم قالت بنبرةٍ دافئة تحاول بث الأمان في قلبها: — «رنا، اهدئي قليلاً.. التوتر لن يفيدكِ بشيء. أهم شيء أن تصري على رسم ابتسامة هادئة وواثقة، لا تدعي خوفكِ يظهر في أفعالكِ.» أما نور، فقد التقطت فستاناً بسيطاً بلون كحليّ هادئ، واقتربت تفتحه أمام رنا قائلة: — «هذا الفستان الرزين هو الأنسب يا رنا؛ يجمع بين البساطة والوقار. تذكري حين تدخلين لتطلي
مرت الليلة ثقيلة، ومست الأجواء نغمةٌ من الاستغناء. في الصباح، استيقظت رنا وأكملت يومها الدراسي بين طلابها بتماسكٍ صلب، واضعةً مسافةً فاصلة بين مشاعرها وواجباتها. وعندما عادت من المدرسة في الظهيرة، فتحت تطبيق «فيسبوك» لتجد شاشتها تغصُّ برسائل توسلٍ واستعطاف منه، يترجاها أن ترد عليه ولو بكلمةٍ واحدة، أو يمنحها إشارة غفران. تأملت الكلمات بجمود، ثم كتبت بلهجةٍ حازمة تبحث عن الجوهر: — «لماذا عدت؟» توقف سمير عن الكتابة لبرهةٍ، ثم أرسل إجابته محمّلة بثقل المشاعر: — «لأنني أحبك... لأنني لم أستطع تجاوزك ولم أنسكِ، كل تفصيلة في حياتي كانت تذكرني بكِ.» ردت رنا باقتضابٍ بارد كشف عدم انخداعها بالكلمات المعسولة: — «وبعد ذلك؟» قفزت كلماته المندفعة عبر الشاشة: — «أحبكِ... وسأتزوجكِ.» لم تفرط رنا في تفاعلها، بل ألقت بسؤالها الذي يلامس العقبة الأولى والأهم: — «الحب وحده لا يكفي... وأمك؟» كتب سمير محاولاً طمأنتها وإثبات جديته هذه المرة: — «أنا ذهبت إلى أختي الكبرى، أم سيف، نهار أمس وأخبرتها عنكِ، وأنني لن أتزوج غيركِ، وأخبرتها أن تذهب وتُقنع والدتي بموضوعنا.» عل
مرت الأيام متتابعة كهدنةٍ طويلة احتاجتها رنا لترميم ما تهشّم في داخلها. كانت تستيقظ صباحاً برئةٍ تتنفس الخفة، وقد عادت إليها نضارة وجهها وحماسها الشديد لطلابها ولتفاصيل يومها. ظنت أن تلك الصفحة قد طُويت كلياً، وأن غيمة الخوف انقشعت ولم تترك خلفها سوى أرضٍ خصبة بالأمل. وفي مساء أحد الأيام، وبينما كانت تستريح في غرفتها وتقلب في هاتفها تتصفح منصة «فيسبوك» كعادتها، لمح سهمُ عينها إشعاراً برسالةٍ جديدة في قائمة الرسائل غير المباشرة. فتحت الرسالة بفضولٍ عابر، لكن الكلمات الخمس الأولى كانت كفيلة بأن تجعل نبضها يتوقف لبرهة. لم يكن الحساب سوى اسمٍ مستعار وصورةٍ فارغة، لكن أسلوب الصياغة، ورصف الكلمات، ومواقع الفواصل والتعبير... كلها كانت توقيعاً مرئياً لشخصٍ تعرفه روحها قبل عينيها. في تلك اللحظة، شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها؛ فالجرح الذي ظنت أنه التأم وأنهت طقوس حداده، انفتح دفعةً واحدة لينزف حزناً خافتاً وغضباً فاراً من رماد الماضي. سمير... الشخص الذي غادر حياتها يوماً دون كلمة وداع، وتركها تحترق في أتون الأسئلة دون أن يمنحها سبباً واحداً لإغلاق الباب. تسمرت أصابعها فوق الشاش
جاء اليوم الموعود... موعدُ عقد القران. استيقظت رنا في الصباح الباكر على دقات قلبها القوية والسريعة، وكأنها كانت تخوض سباقَ جريٍّ مجهِداً. قامت مرعوبةً وجلست على طرف الفراش؛ كان قلبها يقرع في صدرها كطبلٍ مدوٍّ، يرسل إليها إشارات تحذيرٍ صريحة ونذيراً قاطعاً يحثها على الابتعاد عن هذا الزواج. دخلت والدتها الغرفة لتيقظها كي تبدأ بالاستعداد والتجهز لليوم الكبير، لكنها تسمّرت مكانها حين لاحظت اصفرار وجه رنا والدموع التي تترقرق في عينيها. سألتها بقلقِ الأمهات: — «ما بكِ يا رنا؟! ماذا حدث؟» صمتت رنا لثوانٍ تحاول التقاط أنفاسها، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرةٍ حاسمة تخالطها العبرات: — «أمي... أنا لا أريد الزواج بسعيد! لن أدخل معركةً ليست معركتي، أنا أبحث عن الراحة والسلام، لا عن خوض حرب...» ثم أخبرتها عن الخفقان الشديد الذي أيقظها والرعب الذي يلاحقها. تبدلت ملامح الأم وسادها الذهول والتفكير، ثم قالت بصوتٍ مضطرب: — «اخرجي وأخبري والدكِ... إنه يجلس في الحديقة الآن.» خرجت رنا بفتورٍ ودموعها تنهمر على وجنتيها حتى وصلت إلى والدها. جلست أمامه وبدأت تسكب ما في قلبها؛ أخبرته بخوفها ونبض
انسحبت أقدام الضيوف، وأُغلق باب البيت خلف آخر زغردةٍ انطلقت في الصالة، ليعود الهدوء فيخيم على المكان، لكنه كان هدوءاً ثقيلاً ينوء برهبة المشاعر المتضاربة. دخلت رنا غرفتها، ووقفت أمام المرآة تتأمل انعكاس صورتها؛ ثوب الخطوبة الفاخر، والخاتم البرّاق الذي يطوق بنصرها، واللمسات الأنيقة التي وضعتها أختها «عبير» على وجهها. كانت تنظر إلى نفسها كأنها تطالع غريبةً عنها، وسألت روحها بنبرةٍ يملؤها الذهول: "هل تمت خطبتي حقاً؟ هل أصبحتُ ملزمة برجلٍ لم أسمع صوته بعد؟" كان هناك صوتٌ خفيضٌ في أعماقها يهمس بوضوحٍ قاطع بأن هذا الرجل ليس من نصيبها، وأن شيئاً ما في هذه المعادلة برمتها ينطوي على خللٍ كبير... حدسها الذي لم يخذلها يوماً كان يدق ناقوس الخطر، لكن صدى التهنئات في البيت كان أعلَى من أن يترك لها مساحة للانسحاب. مضت ساعاتٌ من الليل وهي تتنقل في غرفتها كأنها طيف، غير قادرة على استيعاب ما حدث. وفجأة، أضاءت شاشة هاتفها معلنةً عن اتصالٍ وارد من رقمٍ جديد. توقفت أفكارها لثوانٍ؛ إنه «سعيد». غريبٌ ذلك الجمود الذي اعترَاها؛ لم تسرِ في جسدها تلك الرهبة اللذيذة التي ترتجف لها قلوب العرائس، ول
انبلج الفجر، وعادت رنا لتجلس في زاويتها المعهودة بعد ليلةٍ طويلة لم يزُر النوم فيها جفنها؛ كانت الأفكار تتصارع في رأسها بلا هوادة. أقبلت أختها «عبير» وبيدها كوبان من الشاي الدافئ، وجلست قبالتها على المقعد الخشبي، تدرس ملامح رنا المتعبة بعينين تفيضان بالاهتمام والحرص. كسرت عبير السكون وقالت بنبرةٍ جادة تحمل العاطفة والإصرار: — «رنا... أعلم أنكِ لم تنامي طوال الليل من كثرة التفكير. لكن أرجوكِ، اسمعيني بعقلانية؛ أنتِ بحاجة ماسة لهذا الزواج لكي تتخلصي من "سائد" وظلمه وتسلطه، وتكتفي شرّه الذي أثقل كاهل البيت طوال سنوات.» تنهدت رنا بعمق، وأرجعت ظهرها إلى الخلف، ثم ردّت بنبرةٍ يملؤها الشك والمحاولة للتفهم: — «لكن يا عبير... سائد تغير كثيراً في الفترة الأخيرة، خاصة بعد مجيء ابنته؛ أصبح أهدأ وأقل قسوة، ربما رقّ قلبه...» قاطعتها عبير بسرعة وهزت رأسها بنفيٍ قاطع: — «أنتِ طيبة القلب يا رنا ولا تعلمين الحقيقة! سائد إنسانٌ لا يمكن أن يتغير، وما ترينه مجرد فترة هدوء مؤقتة. هذه فرصتكِ الذهبية لكي تخرجي من تحت عباءة هذا البيت وتعيشي حياتكِ مستقلة بكرامتكِ.» صمتت رنا لثوانٍ، ودارت بذه