INICIAR SESIÓNاستجمعت تاليا شجاعتها المبعثرة بسرعة فائقة،
وحافظت على ثبات ملامحها المستعارة وقالت بثقة تامة ونبرة هادئة: "بالطبع لا نحتاج إلى طبيب يا سعاد هانم، فمعاناتي الطويلة في الحياة ومع مرض أمي علمتني كيف أتصرف بحكمة في مثل هذه المواقف البسيطة، فلا تقلقي أبداً". استدار رأفت الدمنهوري وأكمل طريقه نحو الباب الخارجي بخطوات ثقيلة، وهو يحدث نفسه بنبرة يملؤها الاقتناع: "بالفعل.. من تعامل مع مثل تلك الحروق البشعة والمشوهة في وجه أمه، أصبح جرح ركبة صغير بالنسبة له مجرد لا شيء". انصرف رأفت غارقاً في أفكاره، بينما تنفست تاليا الصعداء وهي تشعر بنبضات قلبها تكاد تخترق صدرها . جلست تاليا بجوار فراش الصغير هاني تطهر له الجرح برفق وعناية حانية، وفي تلك الأثناء صعدت مريم مسرعة إلى الغرفة، فلم تكن تطيق فكرة أن تترك نبيل مع تاليا بمفردهما بعد أن بدأت نيران الغيرة تنهش قلبها وتثير شكوكها. دخلت مريم وتمددت مائلة بجوار هاني على السرير، متعمدة أن يرتفع فستانها الضيق القصير لأعلى ليكشف عن ساقيها بشكل فاضح ومثير أمام عيني نبيل ل تلفت انتباهه. أحست تاليا بحرج بالغ وضيق من هذا التصرف، وشعرت أنه توجب عليها الآن أن تترك الزوج وزوجته بمفردهما، فجمعت أدواتها الطبية وانسحبت بهدوء ونزلت إلى الملحق. وقف نبيل يطمئن على ركبة هاني، ولم تحرك مريم بجسدها أو حركاتها به شعرة واحدة، بل نظر إليها ببرود وجفاء وقال: "جيد أنكِ هنا، ستبقين معه الليلة وأرجو أن تهتمّي به قليلاً عوضاً عن غيابكِ الدائم" . اعتدلت مريم في جلستها والتفتت إليه بغضب وقالت بنبرة حادة : "إنه ابني بالطبع وسأهتم به، لا تحتاج لتذكيري!". وفي اليوم التالي ، وقبل أن يستيقظ الجميع من نومهم وفي عتمة الفجر ، أرسل نبيل رسالة نصية قصيرة إلى هاتف تاليا يطلب فيها: "قابليني الآن في الحديقة فوراً". ذهبت إليه تاليا بخطوات حذرة، والتقت به تحت ظلال الأشجار الكثيفة فقالت بتساؤل: "خيراً يا نبيل بيه؟ ماذا يوجد في هذه الساعة المبكرة من الصباح؟". نظر إليها بجدية وقال: "لم تقولي لي بخصوص عادل أي شيء حتى الآن، من هو وما علاقته بقصتكِ؟". استغربت تاليا من إصراره وقالت بنبرة متهكمة: "أراك مهتماً بأمري وفضولياً جداً.. ألم تكن بالأمس القريب لا تصدقني وتتهمني في شرفي أنا وأمي؟" . شعر نبيل بوخز الندم وقال بأسف : "لقد اعتذرتُ لكِ أكثر من مرة عن تسرعي وكلامي الجارح ، وأريد المساعدة حقاً". تنهدت تاليا وشرحت له بالتفصيل كل ما تذكرته والدتها منار وكتبته في الورقة عن ليلة المهدئ الغامضة في بيت خالتها منيرة قبل واحد وعشرين عاماً. استمع نبيل بإنصات شديد وضيق عينيه بفهم قاصداً حمايتها : "إذن عادل هو الخيط الأهم الآن. . يجب أن نتحرك بحذر شديد يا تاليا، لا تقومي أنتِ بأي تصرف طائش أو بحث بمفردكِ حتى أجلب أنا عنوانه الجديد وتفاصيل حياته الحالية من معارفي". أومأت برأسها موافقة ، وصعدت بعد ذلك إلى غرفة هاني لتطمئن على حالته بعد الاستيقاظ، فوجدت مريم نائمة بجواره في وضع غير مريح . أيقظتها تاليا بلطف شديد وقالت: "مريم هانم.. تفضلي اذهبي وارتاحي في غرفتكِ المستقلة، سأرعاه أنا وأجلس بجواره بدلاً منكِ". قامت مريم وهي تترنح من التعب وتمسح وجهها بيدها وقالت بضيق: "رقبتي تؤلمني بشدة من هذه النومة.. سأذهب إلى غرفتي، وإذا استيقظ هاني ناديني فوراً"، ثم انصرفت. خلال النهار، اتصل نبيل بمعارفه ورجاله في دوائر البحث، واستطاع بفضل نفوذه وعلاقاته أن يعرف عن عادل جميع التفاصيل وعنوان سكنه الجديد بدقة. وفي المساء، وجد تاليا في غرفة هاني تجلس وتلعب معه ببعض الألعاب الطفولية لترفه عنه ، فاقترب منها وقال بصوت منخفض ومبهم: "لقد عرفت أشياء مهمة جداً بخصوص عادل .. سانتظركِ في الحديقة ليلاً بعدما ينام الجميع في القصر، سأرن على هاتفكِ لتنزلي". ردت تاليا بنظرة جادة: "تمام.. سأنتظر مكالمتك". بعد منتصف الليل، وتحديداً بعدما تأكد نبيل تماماً أن الكل غارق في نوم عميق داخل غرفته ، نزل بهدوء شديد على درجات السلم الخشبي وهو يخرج هاتفه ويرن عليها قائلاً بصوت هامس : "تعالي الآن إلى المكان المتفق عليه". لم يكن نبيل يدري أبداً أن مريم كانت مستيقظة في تلك اللحظة، وتتحرك في الرواق متوجهة إلى غرفة هاني لتطمئن عليه، فسمعت همسه الغامض بالهاتف ورأته يتسلل للخارج. اشتعلت الشكوك والغيرة في عقل مريم، فقررت ملاحقته. خرج نبيل إلى الحديقة، وأتت تاليا تتلفت حولها بحذر وخوف، حتى قابلته في زاوية معتمة ومظلمة للغاية بين الأشجار العالية. كانت مريم تتبعهما بخفة كظلها، وتختبئ خلف الشجيرات الكبيرة وتكتم أنفاسها وهي تراقب المشهد بعينين تتطاير منهما شرارات الغضب. وصلت تاليا وقالت بلهفة وأنفاس متلاحقة : "خيراً يا نبيل.. ماذا وجدت ؟ أخبرني بسرعة". وعندما بدأ نبيل يتحدث ويفتح فمه ليكشف لها عن المعلومات الخطيرة، داهمتهم مريم فجأة وخرجت من بين الظلال بخطوات واسعة وصوت حاد كالسيف قطع سكون الليل: "إذن.. هنا تقضيان سهراتكما السرية!". تسمرت الدماء في عروق نبيل ونظر بصدمة وتوجس إلى تاليا التي تتالَت عليها المفاجآت، وشعرت أن شباك القصر بدأت تلتف حول عنقها بقوة. ثم ....سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة
وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟
هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل
قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل
نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب
ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي







