Masukأسينا
بعد أن هربتُ من الفندق، مكسورة ومذلة، مشيتُ بلا هدف في أنحاء المدينة. كان عليّ أن أذهب إلى المنزل وأفكر في كيفية إعادة أربعمائة دعوة، وإلغاء المكان، وشرح للجميع أنه لن يكون هناك زفاف. بدلًا من ذلك، تعثرتُ في هذا المكان الذي تفوح منه رائحة الكحول والخطيئة والمطاط. ربما كان عليّ أن أفكر في كيفية جعل ماتيو وصوفيا يدفعان الثمن لكن… لم تكن هذه المرة الأولى التي تفعل فيها هذا بي، وكان والدانا دائمًا إلى جانبها، فما الجدوى من إثارة نوبة غضب عندما سأنتهي في النهاية أنا المخطئة؟ لم أكن أعرف حتى إلى أين أذهب حتى وجدتُ نفسي في نادٍ. إنه من النوع الذي لم أكن لأضع قدمي فيه أبدًا لكن الليلة… …الليلة لم أعد أنا بعد الآن، أليس كذلك؟ الليلة أريد فقط أن أغسل إذلالي بالكحول ثم أعود إلى شقتي وأنام أحزاني بعيدًا قبل أن أواجه العالم مجددًا. أخذتُ رشفة أخرى من مشروبي، والغرفة تميل حولي. ضربتُ الكأس الفارغة على الطاولة الرخامية ونقرتُ عليها مرتين. «تريدين واحدة أخرى؟» سأل البارمان، قاطعًا دوامتي. أومأتُ برأسي رغم أن رؤيتي كانت تسبح. أريد فقط أن أثمل وأفقد الإحساس. رفع حاجبًا. «خففي من هذا المشروب. أنتِ ثملة بالفعل.» «عملك أن تقدم لي، هذا ما أدفع من أجله. لستُ بحاجة إلى نصيحتك،» انفجرتُ، مفرغةً إحباطي على الشخص الخطأ. نظر إليّ نظرة تقول «رأيتُ مئة فتاة مكسورة مثلكِ»، ثم أعاد ملء كأسي بصمت. مالت الغرفة قليلًا عندما مددتُ يدي إليها، فأمسكتُ بكاونتر البار لأثبت نفسي. عندها سمعتُه. «مرحبًا أيتها الجميلة.» استدرتُ بسرعة كبيرة، وكدتُ أصطدم به. رجل أكبر سنًا يقف قريبًا جدًا، مرتديًا ابتسامة شهوانية تجعل الصفراء ترتفع في حلقي. عيناه تتجولان على جسدي كأنني شيء في قائمة طعام. مد يده نحو خصري. سيطر الغريزة ودفعتُه بعيدًا. «ابتعد أيها الوغد!» زمجرتُ. تشدد تعبيره قبل أن يتحول إلى ابتسامة مرة أخرى. «لا تكوني مستفزة. أنتِ ترتدين كأنكِ تريدين الاهتمام وتشربين كأنكِ تريدين نسيان شيء ما. وأنا أعرض المساعدة في الأمرين.» إذًا كان يراقبني. ينتظر. يرى الفريسة المثالية. أمسك بكتفيّ وسحبني نحوه. انتزعتُ نفسي، متعثرة، كدتُ أسقط. «ابتعد عني وإلا سأصرخ!» ضحك، منخفضًا وخبيثًا. «تفضلي. لا أحد هنا يهتم.» تسلق الذعر عمودي الفقري. القتال أو الهروب… لكن القتال لم يكن يومًا قوتي. فركضتُ، مترنحة. دفعتُ نفسي عبر الحشد بشكل أعمى، أصطدم بالأجساد، أتجاهل اللعنات الموجهة إليّ. «هي!» صاح خلفي. «إلى أين تذهبين؟ لا تكوني عاهرة يا قحبة!» صوته يتبعني وأنا أتلوى أعمق في النادي. اختفت الأضواء النيون خلفي، وحلت محلها ممر خافت مبطّن بالأبواب. أمسكتُ بأقرب مقبض، دفعتُ الباب ودخلتُ. صفقتهُ. أغلقتهُ. صدرُي يلهث. ضغطتُ ظهري على الخشب، أحاول تهدئة دقات قلبي. مرت خطوات في الخارج. فقط عندما تلاشت خرج النفس مني في زفير مرتجف. آمنة. أنا آمنة. استدرتُ… وتجمدتُ. اتسعت عيناي بشكل درامي عند المشهد أمامي. امرأة راكعة بين رجلين سأعرفهما حتى بعد عقود. كاسبيان هيل وزافيان هيل. متنمريّ. اللذان كانا يناديانني بالفأرة الصغيرة ويجعلانني أشعر بأنني لا شيء. رأس كاسبيان ملقى للخلف بينما المرأة تأخذ طوله في فمها. يدها ملفوفة حول قضيب زافيان بينما كفه يغطي ثديها، يعصره. يد كاسبيان ملفوفة حول حلقها، والمشهد يبدو كمشهد عبودية من ذلك الفيلم الذي شاهدتُه سرًا قبل أيام قليلة. صرخت عندما اندفع كاسبيان بعمق داخل فمها وشيء ساخن التف بإحكام في بطني. لم أستطع أن أحول نظري حتى عندما كانت كل خلية منطقية في جسدي تصرخ بذلك. قبضتُ على فخذيّ معًا، وتنفسي يتقطع. حرارة تنبض بين ساقيّ، غريبة وغير مرحب بها و… خاطئة. لم أستطع إلا أن أتساءل إن كان هذا ما أراده ماتيو؟ هذا الشيء البري الذي لا أعرف كيف أكونه؟ رفع زافيان رأسه والتقت عيناه بعينيّ. التوت شفتاه في ابتسامة صغيرة متعمدة. «أسينا؟» بدا صوته خشنًا ومسليًا. «هل ستقفين هناك تراقبين طوال الليل، أم تريدين الانضمام؟» احترق وجهي من الخجل – خجل أن أُضبط وأنا أحدق في شيء قذر وغير قادرة على تحويل نظري. استدار كاسبيان، مبتسمًا بسخرية. «لطيف. لم أكن أظن أن الفأرة الصغيرة لديها هذا في داخلها. من كان يعلم أنها تحب المشاهدة؟» أرسلت كلماته رجفات لذيذة ومخزية مباشرة إلى أعماقي. يا إلهي! «أنا… لم أقصد. ظننتُ أن هذا هو الحمام. أنا أغادر…» كان زافيان أول من انسحب وراقبتُه وهو يدفع عورته بلا خجل قبل أن يغلق سحاب بنطاله. أفلتت المرأة قضيب كاسبيان بصوت مطاطي وصفع مؤخرتها، وانفلتت أنّة أخرى من شفتيها. أخذت المرأة أجرها من زافيان وانسلت بجانبي، وانغلق الباب خلفها بنقرة. أصبحتُ وحدي معهما. «تغادرين؟» نهض كاسبيان ببطء، يمسح يديه ويقترب. تبعه زافيان. عندها دقت أجراس الإنذار في ذهني. أمسكتُ بمقبض الباب ولففتُه، يائسة للهروب، يائسة لخلق مسافة بيني وبين معذبيّ. لكن شيئًا لم يحدث. الباب مقفل. استدرتُ لأواجه الرجلين المبتسمين اللذين يقتربان مني بنظرات مفترسة. « Extr تريدين الهروب، أيتها الفأرة الصغيرة؟ تريدين أن نلعب الغميضة؟» سأل زافيان، مسليًا. بدا وكأنه يستمتع بهذا أكثر مما ينبغي بينما أنا لستُ سوى حزمة من الأعصاب. «أرجوكما اتركاني أذهب،» همستُ. صفعت يد كاسبيان بجانب رأسي، وحرارته تلف ظهري. شممتُ الطاقة الذكورية المنبعثة منه. التقت نظراتنا واللمحة في عينيه سرقت أنفاسي. حاولتُ الهروب لكن زافيان سدد طريقي من الأمام، شاهقًا فوقي. «إلى أين تظنين أنكِ ذاهبة يا أسينا؟» همس كاسبيان في أذني. ارتجف جسدي، وشيء متهور يلتف عميقًا في معدتي. «تهربين بعد أن قاطعتِ متعتنا؟ أسينا، كيف ستعوضيننا؟»كاسبيانهي نائمة.أقف بجانب النافذة في البداية، ظهري نصف مُدار نحو السرير، أراقب أضواء المدينة تومض خلف الزجاج بينما يملأ إيقاع الآلات الثابت الصمت خلفي. غرفة المستشفى تفوح منها رائحة معقمة، نظيفة بطريقة تبدو خاطئة لشخص مثلها، كأنها لا تنتمي إلى مكان يبدو فارغاً جداً لكنها أيضاً لا تنتمي إلى المكان الذي جاءت منه.يشتد فكي وألقي نظرة فوق كتفي إليها.لم تتحرك منذ أن خرج زافيان قبل دقائق قليلة، جسدها ملتف قليلاً تحت الأغطية، يد واحدة تستريح قرب خط الوريد، والأخرى مقبوضة بشكل فضفاض كأنها تتمسك بشيء حتى في نومها.تبدو صغيرة، أصغر مما ينبغي. هي هشة جداً ولا أحب ذلك. لا أحب أي شيء من هذا.أدفع نفسي بعيداً عن النافذة وأمشي نحو السرير، أبطأ هذه المرة، خطواتي أهدأ، كأنني لا أريد إزعاجها رغم أنها فقدت بالفعل في مكان بعيد.أجلس بجانبها، ولحظة، أراقب فقط. تنفسها غير منتظم.ثم ألاحظ التحول. يبدأ بتوتر وتضيق عيناي قليلاً. شيء غير صحيح كما يتضح من ارتعاش أصابعها. ثم، تتجمع حواجبها بخفة، كشيء يزعجها: حلم وليس جيداً. أميل إلى الأمام قليلاً، نظرتي مثبتة على وجهها.«أسينا؟» أتمتم بهدوء.لا رد لكن شفتيها
هاتفي لا يرن، يهتز. مرة واحدة، قصيرة وحادة.ألقي نظرة على الشاشة والرقم الذي يومض هناك ليس واحداً أتجاهله، لذا أجيب فوراً.«تحدث.»هناك توقف في الطرف الآخر، ثم يأتي الصوت. «يا رئيس... هناك مشكلة.»يشتد فكي.«من أي نوع؟»«إنها الفتاة.»كل شيء فيّ يتوقف.«أسينا؟» ينخفض صوتي.«نعم.»شعور بارد يستقر في صدري.«ماذا حدث؟»توقف آخر وجهنم، لا أحب هذه التوقفات.«ألقوا بها خارجاً.»تشتد قبضتي على الهاتف. «اشرح.»«أبوها... كان هناك صراخ ثم...» يتردد. «ضربها، أكثر من مرة.»تزداد رؤيتي حدة.«وماذا؟»«حاولت المغادرة، استدعاها وشيء اصطدم بها من الخلف، سقطت ولم تقم.»يملأ صمت خطير طرفي.«هل هي على قيد الحياة؟»«نعم، لكن...»«لكن ماذا؟» أصرخ، أغضب بالفعل.«لم يأخذوها إلى المستشفى.» يكشف ويتوقف صدري.«سحبوها إلى الخارج»، يستمر، صوته أخفض الآن، «وتركوها في الشارع.»للحظة لا أسمع أي شيء آخر، يضيق العالم وأشعر بدمي يسخن.«أين هي الآن؟» أسأل.«ما زالت في الخارج. بقيت في الخلف كما قلت ولم أتدخل إلا إذا...»«كان يجب أن تتدخل»، أصرخ.«نعم، يا رئيس.»أغلق عينيّ، أزفر مرة وأعطي نفسي لا أكثر من ذلك.«ابقَ حيث أن
أبيض.هذا أول شيء أراه عندما أفتح عينيّ.سقف أبيض. جدران بيضاء. ضوء أبيض يبدو ساطعاً جداً، نظيفاً جداً وفارغاً جداً. للحظة، أحدق فقط. عقلي لا يلحق. يتأخر كأنه لا يريد تذكر أي شيء.أين أنا؟أرمش مرة، مرتين. الضوء يلسع عينيّ وأغمض قليلاً، رأسي ينبض بألم باهت مستمر.هذه ليست غرفتي.رائحة خافتة تصلني... مطهر وتضيق معدتي.هل أنا في المستشفى؟أتحرك قليلاً، وشيء يسحب يدي. أعبس، أدير رأسي بما يكفي فقط لأرى خط وريد متصل بي.تتعثر أنفاسي.«ماذا...؟» يخرج صوتي أجش، بالكاد أكثر من همسة.«استيقظتِ؟» صوت يصدر من بجانبي.أتجمد عند الصوت. أدير رأسي ببطء وأواجه زافيان هيل وجهاً لوجه.هو جالس بجانب السرير، يميل إلى الأمام قليلاً وعيناه مثبتتان عليّ كأنه كان يراقب لفترة.وميض من الارتياح يمر على وجهه.«أنتِ مستيقظة»، يقول مجدداً، أهدأ هذه المرة.أرمش إليه، محاوِلة تجميع كل شيء.«أنت... » صوتي يتصدع. «ماذا... كيف...؟»«أنتِ في المستشفى»، يقول بسرعة، كأنه يعرف بالفعل ما أحاول سؤاله. «أنتِ بأمان.» يضيف.بأمان. الكلمة تبدو غريبة كأنها لا تنتمي إليّ.أبتلع، حلقي جاف. «لماذا... أنا هنا؟»يتردد للحظة فقط وهذا
أسينالا أطرق. أدفع الباب مفتوحاً فقط وهو غير مقفل مما يعني أنهما في المنزل.تضحكات تستقبلني في اللحظة التي أخطو فيها إلى الداخل. هي مشرقة، خالية من الهموم ودافئة. لم أكن أبداً جزءاً منها.للحظة، أقف هناك فقط، يدي ما زالت على مقبض الباب، أستمع إليها تردد في المنزل كأنني لم أعد أنتمي إلى هنا.ربما لم أكن أبداً.أغلق الباب خلفي بهدوء وآخذ خطوة إلى الأمام.الخادمة هي أول من يراني. تتوقف في الممر، صينية في يديها، وتقع عيناها عليّ. للحظة قصيرة، هناك تعرف. ثم تنحني شفتاها في سخرية. ليست مخفية حتى. ليست دقيقة حتى. كأنني شيء غير سار لم تتوقع رؤيته مجدداً.ذات مرة، كان ذلك يؤلم. كان سيجلس ثقيلاً في صدري، يجعلني أتساءل ماذا فعلت خطأ.الآن؟لا شيء. أشعر بلا شيء. أنظر إليها فقط، ثم أبعدها، وأمر كأنها غير موجودة.تعلو الضحكات بينما أقترب من غرفة المعيشة. تتباطأ خطواتي، قليلاً فقط لأنني أعرف بالفعل ما سأراه وأنا محقة.أبي جالس في المركز، مسترخٍ، كملك على عرشه. زوجة أبي بجانبه، تبتسم كأن كل شيء في العالم بالضبط كما ينبغي أن يكون.صوفيا تجلس قريبة من ماتيو.قريبة جداً.ذراعه ملفوفة حول كتفيها، أصابعه
لا أتحرك بل أقف هناك فقط، أحدق. في الملابس. في القسم، لا، الجانب بأكمله من الخزانة الذي من الواضح أنه ليس مخصصاً للرجال.فساتين. جينز. بلوزات. مجموعات مكياج. سترات. معاطف. أحذية مصفوفة بعناية في الأسفل. وحتى حقائب يد.كل ذلك... لي.تتقلص أصابعي على جانبيّ، لكنني لا أتقدم. لا ألمس شيئاً. أحدق فقط كأنني إذا نظرت طويلاً بما يكفي، سيعيد الشيء كله ترتيب نفسه إلى شيء منطقي لكنه لا يفعل.«ماذا...» يخرج صوتي أهدأ مما أتوقع. «هذا... إنه... كله لي؟ ماذا؟»«نعم، تلك لكِ وهذا جانبكِ.»أدير ببطء. «جانبي... ماذا؟»يزيح زافيان على إطار الباب كأن هذا طبيعي. كأن هذا ليس جنوناً.«جانبكِ من الخزانة»، يكرر ما قاله توأمه.أرمش إليه. «ليس لديّ جانب في خزاتكما.»«لديكِ الآن»، يقول كاسبيان.أحدق فيهما كليهما.«...أنتم تمزحان.»«هل نبدو كأننا نمزح؟» يسأل كاسبيان، مائلاً رأسه.«نعم»، أقول فوراً. «تبدوان دائماً كأنكما تمزحان.»يبتسم. «منصف.»يدفع زافيان نفسه بعيداً عن إطار الباب ويتقدم أقرب، نظرته ثابتة عليّ. «إنه منزلكِ، أسينا.»أطلق ضحكة قصيرة. «حسناً. هذا أكثر طرافة.»لا يضحك أي منهما ويموت الصوت في حلقي.«.
أستيقظ ببطء، كأنني أسحب نفسي من مياه عميقة، متشبثةً بآخر قطع حلم لا أستطيع تذكره تماماً. للحظة، لا أتحرك. أرقد هناك فقط، عيناي مغلقتان، ملفوفةً بدفء يبدو... غير مألوف.ثم يصطدم بي الأمر. هذه ليست سريري، هي ناعمة جداً، وتنفتح عيناي فجأة.أحدق في السقف، أرمش، محاوِلة تحديد مكاني. السرير يبدو كبيراً جداً. الهواء تفوح منه رائحة مختلفة. كل شيء يبدو... خاطئاً.ثم أشعر به؛ دفء على الجانبين ويتخطى قلبي. ببطء شديد، أدير رأسي إلى اليمين.زافيان هيل، وسيم كما كان دائماً.هو نائم. هادئ. ساكن. كأن لا شيء في العالم يستطيع إزعاجه. أبتلع وأدير رأسي إلى اليسار.كاسبيان هيل، بالطبع سيكون هنا.هو أكثر فوضى. مسترخٍ. ذراع واحدة قريبة جداً مني، كأنه يكاد يصل إليّ حتى في نومه.«يا إلهي»، أهمس تحت أنفاسي.تبدأ الذكريات بالعودة، ومضات. الحانة. المشروبات. غرفتهم بعد ذلك. الطريقة التي نظرا بها إليّ، وما فعلا بي والطريقة التي لم أمنع نفسي من الذهاب معهما.الحرارة تندفع إلى وجهي ثم أنظر إلى نفسي بسرعة. مرتدية ملابس. الحمد لله! أطلق نفساً هادئاً. «الحمد لله.»أنا في بيجاما. ليست لي. بالتأكيد ليست لي رغم أنها تناسب







