LOGINاندفع رشدي إلى الردهة متكئاً على ساعده عمران، وخلفهما مريام وفاطمة يتبعونهم بلهفةٍ لا توصف، وقال عمران بصوتٍ متهدج بالفرح الممزوج بالدموع: _صحيح يا بابا جنة فاقت؟! أنا ما صدقتش الممرضة لما بلغتني، كنت فاكر إني بحلم! احتضنت سهر عمران بحنان وهي تمسح على رأسه وتقبله: _أيوه يا حبيبي.. ممكن بقى ترتاح أنت كمان؟ الدكتور هيجيبها الغرفة دلوقتي وهنطمن عليها كلنا مع بعض. بعد لحظات، عاد الطبيب يجر فراش جنة، ودلف بها إلى الغرفة، ليجد الجميع في انتظاره بقلوبٍ خافقة. نظر الطبيب إلى الحشد الموجود وقال بصرامةٍ ممزوجة بالابتسامة: _لا يا جماعة.. بجد دي مستشفى مش صالة أفراح! المفروض فرد أو اتنين بالكتير، إنما العدد ده كله ما يصحش أبداً. ثم وجه نظره إلى عمران وقال: _وحضرتك إيه اللي خرجك بره أوضتك أصلاً؟! لا، أنا كدا هضطر أمنع الزيارة نهائياً عن الكل. أجابه عمران بتمسك: _لا يا دكتور، أنا هنقل هنا مع جنة وهسمع كل الكلام اللي تأمر بيه، بس المهم أطمن إنها بخير قدام عيني. في تلك اللحظة، فتحت جنة عينيها ببطء، وقالت بصوت ضعيف يكاد لا يسمع: _أنا بخير يا عمران.. اطمن. تنهد الجميع بارتياح عارم، وأمرهم ا
أحست جنة حين سمعت همسات والدتها وكأن ناراً تستعر داخل صدرها، تشعل قلبها وتكاد تلتهمه. كادت أن تقف وتعلن إنهاء كل شيء، وتصرخ في وجه الجميع بأنها لا تستطيع.. لكن مظهر والدها مازن وهو يجلس بكل هيبته بين الرجال، منتشياً بفرحته بها، جعلها تتراجع عن قرارها في اللحظة الأخيرة. كيف لها أن تخذله وتطعنه في عز كبريائه أمام الناس؟ ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها على وجعها، مكتفية بالصمت القاتل. مضت الأيام ثقيلة بطيئة، كأنها دهرٌ لا ينتهي. كانت جنة تلازم أخيها عمران في المشفى يومياً، تتابع معه أدق تفاصيل التحضيرات، وتُخفي خلف وجهها الشاحب وعينيها الذابلتين صراعاً نفسياً لا يعلم مداه إلا الله. في صباح اليوم المنشود، كانت جنة تجلس على طرف فراش عمران في غرفته بالمشفى، تنتظر قدوم طبيب التخدير. كان الجميع يحيط به، يغمرونه بالدعوات والكلمات المطمئنة. التفتت جنة إليه، وبابتسامة دافئة تحاول من خلالها قهر توترها، قالت بصوتٍ هادئ: _متخافش يا عمران.. أنت بطل وقدها، كل شيء هيكون بخير. ضحك عمران ضحكة ممتزجة بالخوف، وقال: _أنا مش خايف يا جنة لأني عارف إن كل خطوة مكتوبة ومقدرة، بس أنا قلقان عليكي أنتِ.. ابتلعت
تابع آدم بتركيز شديد على ملامحها ثم قال: _ولما دخل ياسين وقال إنه هيطلبك من عمي وإنك موافقة، قولت خلاص، هقطع الورقة وأطلقك علشان تقدري تعيشي حياتك اللي أنتِ اخترتيها. لحد ما لقيتك وسمعت رفضك له، وقتها وأنتِ بتفكريني بكلامك معايا يوم إسكندرية.. عرفت إني كسبت الحرب معاكِ. وقفت جنة بحدة وابتعدت عنه، وقالت بصوتٍ متمرد: _حرب إيه؟ وهو أساساً ما كانش فيه حرب بيني وبينك يا آدم! تنهد آدم، وتحرك ليقف خلفها مباشرة، وقال بصوتٍ رخيم يلامس أذنيها: _أنتِ الحرب نفسها يا جنة. إني أشوف اختيارك وأساعدك فيه على حساب نفسي حرب. إني أسلمك لياسين بإيدي كانت حرب فيها موتي. أنا حتى دلوقتي، حربي في اللحظة دي هي أنك يا تقبلي بيا يا ترفضيني. ثم استدار ليواجهها، وسألها بصدقٍ جارح: _فقولي لي يا جنة.. أنتِ عاوزاني زي ما أنا عاوزك؟ ولا مش حاساني من الأساس ولسه بتحبي ياسين؟ التفتت جنة إليه، وعيناها اللتان غلفتها الحيرة والارتباك تقابلان نظراته الثابتة، وقالت بصوتٍ منخفض يحمل في طياته الكثير من الإنهاك: _مش عارفة أنا عاوزة إيه.. أنا محتارة يا آدم، أرجوك سيبني لوحدي. أنا فعلًا محتاجة أكون مع نفسي من غير أي ضغط،
أحست جنة بضربات قلبها تشتد حتى كادت تسمع صدى وقعها في الغرفة. حاولت أن تتحدث، لكن صوتها تلاشى في حلقها؛ فأغمضت عينيها وهي ترتجف، وشعرت أن قدميها لم تعودا تقويان على حملها. فجأة، شعرت بوقع قبلته على شفتيها، ففتحت عينيها بصدمة عارمة ودفعت صدره بقوة، ورفعت إصبعها أمام وجهه لتهدده، لكنه لم يمهلها، إذ جذبها داخل صدره وهاجمها بقبلة أخرى أكثر عمقاً. صرخت جنة بشدة وهي تحاول التخلص من قبضته، وأسرعت نحو الباب، لكنها فوجئت به موصداً! التفتت إليه بخوف، فوجدته يقف مكانه، يعقد ذراعيه وينظر إلى حيرتها وصدمتها بهدوءٍ مريب. اقترب منها ببطء وجذبها لتجلس بجانبه على حافة الفراش، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه وقال بنبرة هادئة: _اقري دي كدا يا جنة آدم.. أخذت جنة الورقة بيدين مرتعشتين، وقرأتها، ثم وقفت فجأة وهي تتنفس بحدة وقالت: _دي.. دي ليها سنين! وبعدين إحنا كنا بنلعب، أنا فاكرة إن وقتها مريام جابت الورق وكتبتها هي وعمران وقالوا الورقة دي علشان محدش يبعدهم عن بعض، وبعدها خرجوا وسابونا. وأنا جيت أنت بعدها وقلت "تعالي نعمل زيهم"، وأهي تبقى ورقة تربطنا ببعض! وقلت لي إنك هتشيلها للذكرى وأنا مضيت.. بس بعد كده
في جناح عمران ومريام الهادئ، حدق عمران في وجه مريام بسعادة لا توصف، وشاهدها وهي تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل بنعومة. اتجه نحوها فابتسمت لصورته المنعكسة في المرآة وقالت بدلال: _ارجع مكانك يا عمران.. أنت عارف اللي فيها، الدكتور قال ما فيش أي إجهاد، كفاية مجهود الفرح والسفر.. خليك بقى شاطر واسمع الكلام. أخذ منها عمران الفرشاة برفق وبدأ هو يمشط شعرها بتأنٍ وقال: _الدكتور يقول اللي يقوله، إنما أنا أعمل اللي أنا عاوزه.. حد يبقى بين إيده مراته، حبيبته، وأمله في الدنيا، ويسمع كلام الدكاترة ويقعد بعيد؟! وقفت مريام وابتعدت عنه قليلًا بجدية مصطنعة وقالت: _وبعدين يا عمران؟! بردوا لأ.. ولو فضلت كدا هروح أنام مع جنة وأسيبك. حملها عمران فجأة بخفة ووضعها على فراشهما وقال بنبرة مفعمة بالحب والرجولة: _ما بقاش عمران ابن آدم لو ما نفذتش اللي أنا عاوزه يا مريم.. قال تنامي برا حضني ليه؟! هي جوازة سوسن؟! حاولت مريام رفضه بخجل، ولكنه تغلب عليها بفيض حبه وغمره، وأخذها إلى عالمه الخاص ليعوضها ما فاتهما من وقت وأيام. في الجناح المجاور، راقب رشدي ملامح فاطمة النائمة بجانبه، وهمس وهو يتلمس وجنتيها
وفي الجهة الأخرى، احتضن رشدي فاطمة ودار بها في نشوة، فصاحت ضاحكة وهي تتعلق برقبته: _حبيبي، خلي بالك على نفسك، أنا تقيلة عليك! قبّلها رشدي من جبهتها برقة، وعيناه تغرقان في تفاصيل وجهها، وقال: _عجباني بكل حالاتك يا قلب رشدي.. أنا مش مصدق إن أخيرا هيضمنا بيت واحد، ياه يا فاطمة.. أخيرًا حلمي اتحقق معاكي.. أنا بحبك يا مطلعة عيني، بحبك! علت الضحكات أثر ارتفاع صوت رشدي العفوي، فأخفت فاطمة وجهها في صدره بخجل شديد. اقتربت منها والدتها "منال" وبصوتٍ متهدج قالت: _مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا رشدي، ربنا يسعدكم ويجعل أيامكم كلها خير. ثم نظرت إلى رشدي بنظرة توصية أم، وقالت: _خلي بالك من فاطمة يا رشدي، وحطها جوا عينيك.. دي بنتي الوحيدة وقطعة من روحي. شدّ رشدي فاطمة إلى أحضانه بقوة وقال بصدقٍ الرجال: _فاطمة جوا قلبي وروحي، ومش محتاجة توصيني على نفسي أبدًا.. دي النعمة اللي ربنا منَّ عليا بيها، وهصونها بدمي. ربت "هاني" والد فاطمة على كتف رشدي وقال بتقدير: _ابن أصول يا رشدي، طول عمرك ابن أصول. ثم التفت هاني لزوجته منال، واحتضنها هامسًا في أذنها بنبرة غزل دافئة: _حبيبة قلبي اللي كل ما بتكبر
انهارت فاطمة بالبكاء المرير بين يدي والدتها، والدموع تنهمر كالسيل على وجنتيها لتغسل بقايا كبريائها الجريح، وقالت بصوت متهدج يملؤه اليأس: _المرة دي فعلا هسيبه يا ماما، أنا كل شوية أشوفه واقف مع واحدة شكل، والنهاردة كان حاضن مريام! أنا تعبت يا ماما من استهتاره بمشاعري بالشكل دا، لو سمحتِ يا ماما اقف
لم تدر مريام كيف تحركت من أمام السلم، ولا كيف ذهبت مع عمران لتستقر بين أحضانه على هذا النحو؛ إذ كانت مستسلمة تمامًا لقبلاته التي لطالما تمنتها وحلمت بها في ليالي سهادها الطويلة، ذائبة بين يديه كقطعة من الشمع تحت وطأة الشمس. ولكن، تبدل الاستسلام إلى شهقة وعي باهتة عندما شعرت بعمران يقضم شفتيها بقوة
استيقظت مريام من نومها وفي صدرها طاقة من الفرح، كأنما تمنت من أعماقها أن يتحقق ذلك الحلم الجميل الذي زار طيفها ليلًا. لم تضع وقتًا؛ بل أسرعت بخطوات راكضة متجهة إلى غرفة شقيقها آدم، ودون أدنى تردد قفزت فوق فراشه وصارت تتنطط بحركاتها المشاغبة المعتادة كل صباح، وهي تصيح بمرح صاخب: _اصحى يا كسلان ميعا
ارتسمت على شفتي سهر ابتسامة باهتة رغم إحساسها الطاغي بالحزن، ممتنة لتلك المشاكسة التي تفتعلها روح عمران لتخفيف وطأة الأجواء على أخيه رشدي. ولكن، لم تدم هذه الابتسامة إلا ثوان معدودة؛ إذ انتفض الاثنان سويًا وتجمدت الحركة في الغرفة تمامًا حينما شاهدوا آدم يقف بنفسه أمام باب غرفته، عاقدًا يديه أمام صد







