كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم

كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم

last updateDernière mise à jour : 2026-05-31
Par:  منى أحمد Complété
Langue: Arab
goodnovel18goodnovel
10
14 Notes. 14 commentaires
154Chapitres
2.7KVues
Lire
Bibliothèque

Partager:  

Report
Overview
Catalog
Scanner le code pour lire sur l'application

خلف الأبواب المغلقة وفي عتمة الصمت، تولد قصص خفية يخشى أصحابها النطق بها، حيث يتلاشى الأمان وتتحكم القسوة بالمصائر. في هذه الرواية، نعيش حكاية "سهر"؛ تلك الفتاة الوديعة التي وجدت نفسها في مهب عاصفة هوجاء لم ترحم ضعفها. والمفارقة أن الطعنة الأولى جاءت من والدها، الذي جفّت في عروقه دماء الأبوة، ليلقي بها بلا شفقة في طريق ذئاب بشرية لا تعرف الشبع.إنها غوصٌ عميق في سراديب "النفوس القاسية"، حيث يلتهم الطمع والمال الفطرة الإنسانية. فهل تقوى زهرة نبتت وسط الجفاء على الصمود؟ وكيف لروح نال منها الخذلان والاعتداء أن تجد الشجاعة لتثق بـ "آدم" مجدداً، أو تتكئ على مروءة "محمود"؟ بين تفاصيل حارات مصرية شعبية، وحوارات صريحة بالعامية الدارجة، تضعك الرواية أمام مأساة إنسانية تجسد الظلم والمقاومة، وتبحث عن بارقة أمل في نهاية نفق مظلم؛ صرخة تدين استلاب الضعفاء وتنتصر للكرامة.

Voir plus

Chapitre 1

الاول..

وإن كرهتُ الدنيا فليس على نفسي ملامٌ، فأنا وإن عشتُها فإني دائماً معها في صدامٍ، هي تشقيني، تبكيني، وتنزع عني ستر الأمانِ. لعنتي بأبٍ قاسٍ كحجرِ صوانٍ، ولعنتي بهبةِ جمالٍ ليرغبني شيطانٌ، حرمتني أمي لأعيش معنى الحرمانِ.

آهٍ على دنيا وُلدتُ فيها رغماً عني، أرضعتني المرَّ والعلقمَ، وجعلت قلبي يشتاقُ الحبَّ، يبحثُ عنه بين الثرى ظمآنَ. هذه أنا وأنتَ الآن تسألني لِمَ لا أحيا؟ قل لي أنتَ: كيف أحيا وأنا أتلحف بقسوةِ نفوسٍ ولا تحميني جدرانٌ؟

ارتفع صوت الأذان عالياً في أرجاء الحي، ليبدأ الحاج خميس في إغلاق محله بهدوءٍ، ثم اتجه صوب المسجد ليؤدي صلاة الظهر، ولسانه لا ينفك يلهج بالاستغفار. وبينما هو يسير في طريقه، أبصر ابنه محموداً قادماً نحوه، فناداه الشاب بابتسامةٍ:

_ يا حاج، كويس إني شوفتك قبل ما أروح على الشغل، الحاجة صفصف بتقولك متنساش الحاجات اللي طلبتها منك الصبح، عشان تلحق تخلص لك الغدا، وأهو فرصة بقى هتبقوا لوحدكم عشان أنا مش قاعد زي كل يوم، ماشية معاك يا حاج!

ضحك الحاج خميس من شقاوة ابنه وهز رأسه قائلاً:

_ امشي يا واد يا قليل الحيا، أنا هقولها وإبقى استلقى وعدك منها!

هتف محمود ضاحكاً وهو يتراجع للخلف استعداداً للرحيل:

_ لا لا لا يا حاج، كله إلا زعل الحاجة، خلاص بقى قلبك أبيض، همشي بقى أحسن هتأخر.

رفع الحاج خميس يده داعياً له بقلبٍ محب:

_ ربنا يحفظك يا ابني ويوسع عليك رزقك، بس متنساش تصلي الظهر أول ما توصل عشان ربنا يبارك لك.

اقترب محمود من والده وقبل يده بإجلالٍ قائلاً:

_ دعواتك يا حاج دي بالدنيا، ربنا ميحرمني منك عن إذنك يا حاج.

وعلى الجانب الآخر، وفي أحد محال الملابس، كان فؤاد يجلس متربصاً، يتابع سهر بنظراتٍ جائعةٍ لا تشبع، كانت تلك الحسناء تمتنع عنه دوماً، وتلوذ بالفرار كلما حاول الاقتراب منها، مما أشعل في نفسه تحدياً خبيثاً؛ فهو فؤاد الذي لم تجرؤ فتاة من قبل على صده، فكيف لهذه الرقيقة أن ترفض تودده؟ لمعت عيناه بتصميمٍ مريب، ثم صاح في العاملات بلهجةٍ آمرة:

_ يلا يا بنات، نزلوا الرفوف دي كلها عاوز أعمل جرد دلوقتي!

تعالت أصوات تذمر الفتيات المكتومة، فأكمل بحدة:

_ إيه مش عجبكم؟ ما أنتوا قاعدين فاضيين ومريحين، يلا!

ثم مرر لسانه على شفتيه بحركةٍ مقززةٍ وهو يحك ذقنه، ثم وجه بصره نحو سهر ونادى عليها بلهجةٍ تحمل خلفها الكثير:

_ وأنتِ يا سهر، اطلعي المخزن فوق شوفي الحاجة واعملي كشف بالموجود، يلا مالك متنحة كدة ليه؟

تجمدت سهر في مكانها، وشعرت ببرودةٍ تسري في جسدها إثر طلبه، وكأن قلبها قد تنبأ بالشر الكامن في تلك النظرات، وزفرت بضيق محاولة استجماع شجاعتها، وهي تعلم يقيناً أنها لا تملك رفاهية الرفض، فقالت بصوتٍ مرتعش قليلاً:

_ حاضر يا أستاذ فؤاد، بس يعني الحاجات فوق كتير، هو محدش هيطلع معايا يساعدني من البنات؟

أجابها فؤاد وهو يرمقها بنظراتٍ مسمومة بالخبثِ، وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الصفراء التي تخفي خلفها أنياب ذئب بشري:

_ لا، البنات مش فاضية، آية هتروح الفرع التاني تساعد هناك، وسعاد وأمنية هيشتغلوا هنا، وسامي هيروح يجيب لكم الغدا، اطلعي يلا متبضيعيش وقت.

تنهدت سهر بضيقٍ شديد، وأحست بانقباضٍ مفاجئ في صدرها كأن صخرة قد هوت فوقه، فمالت نحو أمنية وهمست بلهجة يكسوها الرجاءُ:

_ بالله عليكِ يا أمنية، خلي عينيكي عليه لو لاقتيه طالع، اعملي أي حجة واطلعي ورايا، وحياة أبوكِ اوعي تندلي معايا، أنتِ شايفة بيبص لي إزاي؟ يا ساتر عليه، راجل عينيه فارغة!

حاولت أمنية طمأنتها وهي تهز رأسها مشجعة، وقالت بصوتٍ خفيضٍ:

_ متخافيش، أنا وسعاد عينينا عليه، اطمني.

صعدت سهر بخطواتٍ مثقلة بالهواجس، وما إن ولجت المخزن حتى أنارته، ووقفت تفتح الصناديق وهي تلهج بالاستغفار، محاولة طرد تلك الغمامة السوداء التي بدأت تظلل روحها، وانهمكت في تدوين عدد الملابس بكل صندوق بتركيز عالٍ، فسرقها الوقت ولم تشعر بمضيهِ، كما لم تستشعر وقع تلك الخطوات المتسللة خلفها كأفعى في العشب، إلا حينما كممت فاهها يدانِ غليظتانِ تمنعانها من الصراخِ، بينما أحاطتها الذراع الأخرى مقيدة جسدها المرتجف إلى صدره بقوة غاشمة، وشدد ذراعه حولها، وقد تلذذ باحتجاز جسدها النحيل، ثم همس وهو ينفث أنفاسه الكريهة في عنقها:

_ إيه يا سهر هتفضلي تقلانة عليا كتير؟ أنا هبسطك، بس أنتِ اسمعي الكلام.

استولى الرعب على كيان سهر بالكامل، فانهمرت دموعها حارة مريرة، وأخذت تصارع لتهرب من ذراعه الملتفة حولها كقيدٍ حديدي، لكن قوتها تلاشت أمام جبروتهِ، وحملها فؤاد بذراعٍ واحدة، وهو يحرص على كتم صرخاتها بكفه الثقيلة، واتجه بها نحو زاوية قصية في المخزن بعيداً عن مسمع الجميع، وهي تضرب بقدميها الهواء في مقاومةٍ يائسة، رافضة بكل ذرة في جسدها ما يفعله بها.

فحشرها فؤاد بين جسده الصلب والحائطِ، وبدأ يتحسس جسدها برغبةٍ مدنسة، ملصقاً نفسه بها بالكامل، وفي لحظة من فوران الأدرينالين، نجحت سهر في تحرير إحدى يديها، فأخذت تدفع كفه عن فمها محاولة أن تطلق ولو صوتاً ضئيلاً يسمعه من بالأسفل، لكنه أحكم كفه ثانية بغل، وانحنى يقبل عنقها بشفاهٍ لزجة، ممرراً لسانه بأسلوبٍ مقزز جعل القشعريرة تسري في أوصالها، فبكت سهر بحرقة ودعت الله في سرها أن تنتهي حياتها في تلك اللحظة ولا تُستباح هكذا، وشعرت به يحاول إجبارها على الانخفاض أرضاً، فأدركت أنها إن لم تخلص نفسها الآن، فسيحدث ما تخشاهُ، وفكرت سريعاً وهي ملتصقة بالحائطِ، فألقت بثقل جسدها كله إلى الخلفِ عليه، ودفعت بقدمها الحائط بقوةٍ هائلة، فاختل توازنه تحت ضغط اندفاعها المفاجئ، وسقط أرضاً على ظهره وهي فوقه، وهربت من بين يديه كعصفورٍ نجا من الفخِ، وأطلقت العنان لصوتها بصرخاتٍ هزت أركان المكانِ، وتعثرت وهي تحاول الوقوف، لتقع يدها على ذراع إحدى دمى العرض الخشبيةِ، فتشبثت بها كسلاحٍ ينجيها من الهلاكِ، وانهالت عليه ضرباً بكل ما أوتيت من قهر وهي تستغيث.

ولم تفق من نوبتها إلا حينما شعرت بأيدٍ تبعدها عنه برفق، فنظرت للخلف برعب لتجد أمنية وسعاد تقفان بجوارها بوجوهٍ شاحبة، بينما تقدم سامي وانتزع ذراع الدمية من يدها، ثم انقض على فؤاد الذي كان يحاول النهوض، وأوسعه ضرباً باللكمات وهو يسبه بكلماتٍ لاذعة:

_ متلاقيش إلا البت الغلبانة يا طفس يا دني؟ والله لاقول للحاج صالح، الموضوع ده ميسكتش عليه أبداً.

نظر سامي إلى سهر التي وقفت متخشبة بين يدي الفتيات، وقد شحب وجهها وغابت نظراتها في فراغٍ موحش، فشعر بأسىً شديد يمزق قلبه عليها، ثم عاد ببصره إلى فؤاد الذي كان يتأوه أرضاً وقال بحدةٍ:

_ خدوها لتحت يا بنات وهدوها، يلا.

ما إن سمعت سهر كلماته حتى انهارت تماماً بين ذراعي أمنية، وأخذ جسدها يرتعش برعبٍ دفين وهي تحاول جاهدة أن تخرج الكلمات من بين شفتيها المرتجفتين، فقالت بصوتٍ باكي ومتقطع:

_ شوفتي، كان، كان عاوز..

لم تستطع سهر إكمال حديثها، فقد خانتها الكلمات واستقرت غصة مريرة فِى حلقها، فغلبها النحيب وانفجرت فِى نوبة بكاء مريرة مزقت نياط القلوب، كانت شهقاتها المكتومة تخرج من صدرها كانتزاع للروح، تشق صمت المكان وتعلن عن حجم القهر الذي استوطن أعماقها، فضمتها أمنية إليها بقوة، وهي تبكي بحرقة شاركتها فيها كل ذرة فِى كيانها، وشددت من قبضة يدها حول كتف سهر المرتجف وهي تهمس بصوت مبحوح:

_ حقك عليا يا سهر، والله ما خدنا بالنا إنه طلع وراكي، ده راجل لئيم ومخفي، خلانا نشتغل ونتفحت تحت وننسى إنك فوق لوحدك، حقك عليا يا سهر، فداكي أي حاجة يا حبيبتي، المهم إنك بخير.

Déplier
Chapitre suivant
Télécharger

Dernier chapitre

Plus de chapitres

commentairesPlus

سماح مأمون
سماح مأمون
كل فصل يثبت أن لديكِ قدرة كبيرة على سرد القصص بطريقة ممتعة.
2026-06-22 20:17:44
0
0
سماح مأمون
سماح مأمون
استمري بالنشر استمتعت بقرائتها
2026-06-18 18:17:26
0
0
سماح مأمون
سماح مأمون
جميله جدا احسنتي
2026-06-18 18:17:18
0
0
mona tharwat
mona tharwat
تحفه بجد مشوقه جداا
2026-06-16 22:52:49
0
0
mona tharwat
mona tharwat
روووعه وتفاصيل السرد والحوار مشوقه جدا
2026-06-14 09:02:27
0
0
154
الاول..
وإن كرهتُ الدنيا فليس على نفسي ملامٌ، فأنا وإن عشتُها فإني دائماً معها في صدامٍ، هي تشقيني، تبكيني، وتنزع عني ستر الأمانِ. لعنتي بأبٍ قاسٍ كحجرِ صوانٍ، ولعنتي بهبةِ جمالٍ ليرغبني شيطانٌ، حرمتني أمي لأعيش معنى الحرمانِ. آهٍ على دنيا وُلدتُ فيها رغماً عني، أرضعتني المرَّ والعلقمَ، وجعلت قلبي يشتاقُ الحبَّ، يبحثُ عنه بين الثرى ظمآنَ. هذه أنا وأنتَ الآن تسألني لِمَ لا أحيا؟ قل لي أنتَ: كيف أحيا وأنا أتلحف بقسوةِ نفوسٍ ولا تحميني جدرانٌ؟ارتفع صوت الأذان عالياً في أرجاء الحي، ليبدأ الحاج خميس في إغلاق محله بهدوءٍ، ثم اتجه صوب المسجد ليؤدي صلاة الظهر، ولسانه لا ينفك يلهج بالاستغفار. وبينما هو يسير في طريقه، أبصر ابنه محموداً قادماً نحوه، فناداه الشاب بابتسامةٍ:_ يا حاج، كويس إني شوفتك قبل ما أروح على الشغل، الحاجة صفصف بتقولك متنساش الحاجات اللي طلبتها منك الصبح، عشان تلحق تخلص لك الغدا، وأهو فرصة بقى هتبقوا لوحدكم عشان أنا مش قاعد زي كل يوم، ماشية معاك يا حاج!ضحك الحاج خميس من شقاوة ابنه وهز رأسه قائلاً:_ امشي يا واد يا قليل الحيا، أنا هقولها وإبقى استلقى وعدك منها!هتف محمود ضاحكاً وه
Read More
الثاني...
وقفت سهر مترنحة، تشعر بأن الأرض تميد من تحت قدميها، وأن جدران المحل تضيق عليها حتى تكاد تخنقها، كان يسري فِى عروقها تقزز شديد، شعور بالدنس لا يغسله ماء الأرض جميعاً؛ فآثار لمسات فؤاد الدنسة كانت ككي النار علقت بجسدها، فمسحت دموعها بكف مرتجفة، وحاولت استجماع شتات كرامتها الجريحة، وقالت بنبرة فيها إصرار مشوب بالانكسار:_ أنا هروح ومعدتش جاية الشغل ده تاني أبداً.هتفت سعاد بقلق باد وهي تحاول الإمساك بيدها المرتعشة:_ طب استني نروحك يا سهر، هتمشي لوحدك إزاي وأنتِ بالحالة دي؟ جسمك كله بيترعش يا بنتي.فِى تلك اللحظة القاتمة، نزل فؤاد من الطابق العلوي وهو يزيح سامي عنه بعنف وحشي، ونظر إليهم جميعاً بشر مستطير يبرق من عينيه، ثم صاح بصوت عال أجش ملأ أركان المكان بوقاحة منقطعة النظير:_ لو مشيتي هبلغ عنك القسم عشان أنتِ سرقتي الفلوس اللي كانت فوق، ولا أنتِ فاكراها سايبة؟ وصدقيني هحبسك يا سهر لو رجلك عتبت برا المحل ده!وقع الخبر على الجميع كالصاعقة، وتجمدت الدماء فِى عروق الفتيات؛ فالفجور فِى الخصومة وصل به إلى حد اتهام الشريفة فِى أمانتها بعدما فشل فِى النيل من عفتها، وحدقوا به بذهول وعدم تصديق،
Read More
الثالث
صعدت صفية الدرج إلى أعلى وهي تسند سهر إلى صدرها بحنانٍ أمومي دافق، وقلبها يعتصر حزناً على ما نال تلك المسكينة من ظلمِ والدها؛ فهذا الرجل لا يدع فرصة تمر دون أن يذيقها ألوان العذاب والسباب، دخلت بها صفية إلى شقتها، وأجلستها برفق على مقعد قريب، ثم أحكمت إغلاق الباب وكأنها تغلق منافذ الدنيا الموحشة عن وجهها، فرفعت سهر عينيها الدامعتين، والشهقات تمزق صدرها، وقالت بصوتٍ مخنوق:_ والله ما عملت حاجة يا خالتي صفية، أنا مش عارفة ليه بيعمل فيا كدة؟ مش معقول كل الضرب ده عشان قلت له إني سبت الشغل!مسحت صفية بكفها الحانية على شعر سهر المبعثرِ، محاولةً لملمة شتات روحها المنكسرةِ وقالت:_ يا سلام! وفيها إيه لما تسيبِي الشغل؟ ده بدل ما يسترك في البيت ويشيل عنك الهم!مسحت سهر دموعها التي لا تتوقف، وقالت بمرارةٍ:_ أنا مش عاوزة أقعد في البيت يا خالتي والله، بس غصب عني، أصلك متعرفيش اللي حصل لي في الشغل وخلاني أسيبه، عشان آجي وأبويا يضربني كدة زي ما أكون أنا المذنبة!انقبض قلب صفية وسألتها بقلقٍ بادٍ على وجهها:_ ما تفهميني يا بت أنتِ قلقتيني، حصل إيه في المحل؟نكست سهر رأسها خجلاً، وشعرت بغصةٍ في حلقها
Read More
الرابع...
بعد مضي ساعتين من الانتظار والفحص، خرجت سهر من المستوصف وهي تستند بوهن على صفية، وقد عُلق كتفها المصاب بـ "حامل" طبي، وخلفهم محمود الذي لم يغب بصره عنها لحظة واحدة، وما إن وصلوا إلى ردهة البيت، حتى وقفت سهر أمام باب شقتها بملامح ذابلة وقالت بامتنان:_ أنا هدخل بقى يا خالتي، وكتر خيركم على ال عملتوه معايا.سمعت صوت محمود يأتي من خلفها، قوياً وحانياً في آن واحد، وهو يحاول تلطيف الأجواء بلهجة مشوبة بالحرص:_ عارفة لو مبطلتيش الكلام ده هخلع لك كتفك التاني، اطلعي مع ماما يلا على ما أشوف بابا وعم رشدي وصلوا لإيه....وهناك وقف فؤاد يشعر بالضجرِ الشديدِ من كلماتِ عمه صالح، يزفرُ أنفاسه بضيقٍ وهو ينتظرُ على أحر من الجمر أن ينتهي الرجلُ من تقريعه المستمر، بينما كان صالح يرمقه بنظراتٍ يملؤها الخزي والعار وهو يقول:_ يا ابني اتقِ ربنا في بنات الناس، هو أنتَ صغير على الكلام القبيح ده؟ أنا مش عارف طالع لمين! زرع شيطاني بالشكل ده، أنت فضحتنا في كل مكان وخليت سيرتنا على كل لسان، ومعمرتش في ولا جوازة، أنا مش عارف آخرتها إيه معاك.صاح فؤاد بضيقٍ وقد نفد صبره من توبيخِ عمِه، وحاول قلب الحقائق كعادته بص
Read More
الخامس...
دلف الجميع وجلسوا في غرفة المعيشة وسط صمت ثقيل، فاستغل فؤاد هذه اللحظة، ورسم على وجهه قناعاً من الندم الزائف، وقال موجهاً حديثه لرشدي:_ أنا جاي أعتذر، وياريت يا عمي تقبل اعتذاري، اللي حصل كان غصب عني وصدقني مش هتعرض لسهر تاني أبداً، بس أنت اقبل أسفي يا عمي، والترضية اللي أنت عاوزها أنا تحت أمرك فيها ومستعد لكل ال تطلبه.انتفض محمود في مقعده، وقد استشعر المكر يقطر من كلمات المدعو فؤاد، فصاح بغضب عارم:_ وإحنا مش عاوزين لا ترضية ولا حتى أسفك، بعد ال عملته أنت مفروض تتجلد في ميدان عام وتتسلم للقسم علشان تتربى، مش تيجي تبيع لنا كلام وتفاصل في شرف الناس.أجابه صالح بهدوء محاولاً امتصاص ثورته:_ يا ابني، فؤاد حس بغلطته وعرف إنه اتجاوز، والمسامح كريم يا محمود.ثم التفت صالح نحو رشدي الصامت، وسأله بذكاء:_ ما تتكلم يا أستاذ رشدي، ولا ابنك قال اللي عندك وخلاص؟تنحنح رشدي وأجاب بمرارة تطل من بين ثنايا صوته:_ لا ده محمود ابن صاحب عمري خميس، أنا للأسف معنديش ولاد رجالة، معنديش إلا سهر بس.التقط فؤاد الكلمات من فم رشدي، وأسرع قائلاً بخبث وهو يغتنِم الفرصة ليوطد قدمه في حياة هذه العائلة:_ اعتبرن
Read More
السادس...
احتقن وجه محمود غضباً، وشعر بضيق شديد من كلمات والدته؛ فقد أصبح يكره تلك الكلمة التي تصر عليها والدته وتغرسها كالسنان فِى قلبه، فقال بحدة طفيفة: _ بكرة لما أروح الشغل هشوف هتشتغلي إيه هناك، بس ليا طلب يعني هناك بلاش تقولي كلمة أبية دي خالص، قولي محمود بس وبلاش أبيه، ممكن؟ حدقت به سهر بذهول، وقالت بخجل وقد بدا عليها الارتباك: _ ميصحش يا أبيه، إزاي أقول اسمك كدة حاف؟ حضرتك ليك مقامك واحترامك لأنك أكبر مني بكتير، والناس هناك هتقول إيه؟ زفر محمود بعصبية من نفسه ومن إصرار سهر على وضعه فِى خانة الأخ أو الأكبر سنا، وقال بضيق: _ لو مصرة يعني، يبقى فالشغل ناديني أستاذ محمود، تمام كدة يا آنسة سهر؟ أجابته والدته عنها بابتسامة وقالت: _ يرضيها طبعا يا حبيبي، هروح أحضر لكم حاجة تشربوها، وإياكِ يا سهر تقولي نازلة ولا تعبتك، أحسن أخلي محمود يزعل منك، وده زعله وحش أوي. هزت سهر رأسها بطاعة وقالت بنبرة رقيقة: _ مقدرش أزعل أبيه محمود يا خالتي، ده مقامه عندي كبير، أنا بعتبره أخويا الكبير اللي اتحرمت من إنه يكون لي، وكمان مقدرش أزعلك، بس تحبي أساعدك في حاجة؟ رفضت صفية طلبها بحزم وحنان، وغادرت لتت
Read More
السابع...
شعر محمود بنصل يمزق قلبه لسماع بكائها، واشتعل غضبه كالنار في الهشيم حين علم بوجود ذلك الفؤاد في بيتها، فسألها بحدة وهو يقبض على هاتفه بقوة: _ عمل إيه معاكي يا سهر؟ انطقي مد إيده عليكي تاني؟ جاوبيني ساكتة ليه! أجابته سهر بنبرة مخنوقة: _ لا يا أبيه ممدش إيده، ده عاوز يتجوزني! وأنا خايفة ليقول لبابا ووقتها مش عارفة هعمل إيه، قولي يا أبيه أتصرف إزاي معاه؟ هتف محمود بحدة وقد أفقدته الغيرة صوابه: _ أنتِ اتجننتِ يا سهر؟ مين ده اللي يتجوزك! فؤاد ده لو كان متجوز من زمان كان زمانه عنده قدك، بقولك إيه أنتِ تاخدي بعضك وتطلعي تقعدي مع أمي حالًا، أنا هقفل معاكي وهتصل بيها وأخليها تنادي عليكي علشان أبوكِ ميقولش حاجة تضايقك، ومتنزليش طول ما الجدع ده تحت، فاهمة يا سهر؟ أجابته بلهفة: _ حاضر، بس بسرعة والنبي يا أبيه. نهرها محمود بشدة وهو يحاول السيطرة على أعصابه: _ متقوليش كلمة أبيه دي تاني متعصبنيش زيادة! يلا سلام علشان أتصل بأمي، وإياكِ تنزلي إلا لما آجي، فاهمة؟ سلام. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى صدح صوت صفية من الخارج وهي تنادي عليها بحرارة، فسمعت والدها رشدي يقول بصوت عالٍ: _ يا سهر اطلعي ش
Read More
الثامن...
هبطت صفية درجات السلم بخطوات مثقلة بالقلق، وما إن بلغت شقة رشدي حتى استقبلتها رائحة كريهة نفاذة، كان فؤاد يجلس مع رشدي وهما يدخنان لفائف مشبوهة ملأت أرجاء المكان بضباب خانق، فلم تحتمل صفية المشهد، ونادت على سهر بصوت عالٍ، لتخرج الفتاة وعيناها منتفختان من أثر البكاء المرير، فقالت لها صفية بلهجة حازمة: _ تعالي يا سهر ساعديني أحسن أنا تعبانة ومش قادرة أقف خالص، بعد إذنك طبعاً يا حج رشدي. ولم تنتظر صفية موافقته، بل أخذت سهر من يدها وغادرت، بينما كان فؤاد يتابعهما بنظرات ضيقة يملؤها الغيظ والضيق، وبمجرد دخولهما الشقة، بدأت صفية تعاتب سهر بحرقة قائلة: _ أنتِ إزاي تنزلي وهما بيدخنوا الزفت ده؟ مش خايفة على نفسك يا بنتي؟ اتفضلي ادخلي أوضة الجلوس ريحي، محدش هيضايقك فيها، محمود نام علشان نازل الشغل بالليل، أقولك أنتِ تبيتي هنا طالما الراجل ده لسه تحت، أنا هشوف محمود لو لسه صاحي هجيبلك كتاب ولا حاجة تقريه. في تلك اللحظة، جاء صوت محمود من الداخل عميقاً ومرهقاً وهو يقول: _ أنا لسه صاحي يا ماما ومصدع جداً، لو ممكن فنجان قهوة من إيديكِ يمكن الصداع يروح، على ما أتكلم مع سهر فموضوع الشغل قبل ما أن
Read More
التاسع...
ذهبت سهر إلى مكتب مديرها عصام، وطرقت الباب بخفة، فسمعت صوته يأذن لها بالدخول، فدلفت وهي تنظر أرضاً بخجل وقالت: _ أستاذ عصام، أنا خلصت وميعاد الشغل كدة انتهى، أمشي أنا ولا لسه في حاجة محتاجني أعملها؟ ابتسم عصام بتقدير وقال بنبرة مشجعة: _ تعالي يا سهر، ده أنا هشكر محمود عليكي بصراحة، مشفتش حد زيك من اللي اشتغلوا هنا من زمان، بتعملي شغلك بضمير وإخلاص، أنا لو عليا أعملك مكافأة مخصوص، وعمومًا أنا ناوي اكتب عنك كل الكلام ده في التقرير لأنك تستحقي كل خير. صمت قليلاً ثم أكمل بجدية: _ علشان كدة عاوز منك طلب خاص؛ أنتِ هتتأخري بس ساعة كمان، هتطلعي تظبطي جناح الأستاذ آدم، هو بلغ قبل ما يخرج إنه محتاج يتوضب، ولأني عارف إنك هتعمليه بضمير وإتقان غير إنك لسانك في بوقك ومش بتتكلمي عن أي حاجة بتشوفيها، وده اللي هطلبه منك، تخرجي من الجناح كأنك مدخلتهوش، ومش عاوز أي حد يعرف إنك طلعتي الجناح ده بالذات، فاهمة يا سهر؟ هتدخلي الأسانسير الخاص بالجناح من غير ما حد يشوفك وتخلصي وتنزلي. هزت سهر رأسها بطاعة وقالت بثقة: _ اطمن يا أستاذ عصام، أنا مش هخذلك أبداً، وبرقبتي لو حد عرف حاجة، هخلص شغلي وأنزل
Read More
العاشر...
ولجت سهر إلى غرفتها والضيق يعتصر قلبها، فقد تركها محمود أمام باب الشقة وغادر بصمت جاف لم تعهده منه، كأن كلمات داليا قد نصبت حاجزاً جديداً بينهما، وما إن خطت عتبة الدار حتى اصطدمت برؤية فؤاد الجالس مع والدها وكأنه صاحب الدار، فنهض بوقاحة يرحب بها، ومد يده ليقبض على يدها ضاغطاً عليها بنظراته المقززة، فانتزعت يدها منه بعنف مفاجئ وهي تشعر بقشعريرة تسري في جسدها، ثم وجهت حديثها لوالدها بنبرة مقتضبة: _ حضرتك عاوز حاجة مني يا بابا أعملها قبل ما أدخل؟ أجابها رشدي وهو غارق في غلالة من الدخان الرخيص: _ لا مش عايز، أصل فؤاد مش مخليني عاوز حاجة خالص، روحي ريحي أنتِ شكلك تعبانة من الشغل. أسرعت سهر إلى غرفتها وأوصدت الباب بالمفتاح، ثم استندت بظهرها إليه وهي تلهث وكأنها كانت في سباق مع الموت، وارتمت على فراشها، وبدلاً من أن تفكر في ضيق محمود أو وقاحة فؤاد، وجد ذهنها يشرد نحو آدم؛ وتذكرت ملامحه وأنينه، وتلك الابتسامة التي لمحتها رغم ألمه، فشعرت بشيء غريب يتسلل إلى قلبها البكر، كأنها وجدت في تلك اللحظات القصيرة معه سحراً سلب عقلها. بعد ساعة من الهدوء الحذر، انتفضت سهر حين سمعت صوت حركة غريبة
Read More
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status