Se connecterانزلقت شهد بهدوء شديد نحو الأرض، واستقرت جُثتها الهشة مسندة ظهرها إلى الحائط ، بينما احتضنت نفسها بذراعيها وأغمضت عينيها لترحل في عالم آخر. كانت الشحنات الكهربائية المتبقية من لمساته ما زالت تسري كأحرف نارية في أسفل بطنها، وأنفاسها المتسارعة محبوسة في حنجرتها . رفعت أصابعها المرتجفة ببطء لتتحسس ملمس شفتيها الحار المتورم مكان قبلته العنيفة الدافئة، فانسكبت دموع اللوعة والشغف من بين جفنيها المحترقين. ظلت على هذا الوضع المقيد بالسحر لأكثر من نصف ساعة ، يلفها سكون الليل وبرودة الغرفة، حتى أضاء هاتفها في الظلام كاشفاً عن اسمه: «آدم». فتحت الخط ببدن واهن، وقالت بصوت خفيض مبحوح يفيض بحشرجة الاشتياق: — «آدم.. ماذا فعلتَ بي؟». جاءها صوته الأجش، الدافئ كالجمر: — «ألم تستعيدي وعيكِ بعد يا شهد؟». أغمضت عينيها وهمست بتهدج: — «لا أعتقد أنني سأستعيده ثانية أبداً.. لماذا تركتني ورحلت بهذه السرعة؟». تنهد آدم بعمق، متذكراً حرارة جسدها بين يديه: — «خفتُ أن تندمي.. خفتُ أن يستيقظ عقلكِ في اللحظة الأخيرة وتكرهيني». — «ولكنني.. ما زلتُ أشعر بيديك الفولاذيتي
تبخر الهواء من رئتي شهد في تلك اللحظة المجنونة، وكأن جدار الغرفة انشق ليبتلعها. صوت والدتها الواهن خلف الباب كان يقترب، وخطواتها تلامس خشب الممر ببطء قاتل. — «شهد.. ابنتي، هل أنتِ بخير؟ أسمع صوتاً غريباً في غرفتكِ!». اتسعت عينا شهد رعباً حتى كادت تخرج من محجريها، والتفتت إلى آدم بملامح شاحبة يكسوها الفزع المطلق، وشفاها ترتجف دون أن تستطيع النطق بحرف. لكن آدم، ببروده المرعب وثباته الجليدي، لم يظهر عليه أي أثر للارتباك. ووسط عاصفة الخوف التي كانت تكاد تعصف بقلب شهد، انحنى آدم ليطبع قبلة سريعة وخاطفة على شفتيها المرتجفتين ، متجاهلاً تماماً خطر الموت القادم من خلف الباب، وهمس بصوت مخملي هادئ يلامس أذنها مباشرة: — «دعيها تنادي.. لن تجد سوى ابنتها وحدها في غرفتها». قبل أن تستوعب شهد جنون كلماته، كان آدم قد تحرك بخفة ورشاقة كقط البراري، فوثب نحو النافذة المفتوحة على عجل، واختفى في عتمة الليل بين أغصان الشجرة العتيقة، كأنه لم يكن هنا قبل ثوانٍ معدودات. أغلقت شهد عينيها بقوة لتلتقط أنفاسها المهشمة، ثم اندفعت نحو الباب وفتحته ببطء شديد، ووجهها شاحب كالموت. ظه
بينما كان عامر جالسًا في غرفة حور بفيلا والده، تتسامر جدران المكان بصمت ثقيل، دخلت أروى حاملة صينية العصائر لتنعش بها سهرة هادئة غير معتادة. التفت عامر بنظرات حائرة نحو حور، ثم سألها بصوت يخترقه الفضول: — «هل أكون متطفلاً إذا سألتكِ عن سبب خصامكِ الحاد مع والدكِ؟ ولماذا تبدو الفجوة بينكما بهذا العمق؟». أجابت حور بابتسامة باهتة يكسوها الشجن: — «لا أبداً.. الأمر ليس سراً ولا لغزاً. باختصار، كان والدي يتمنى ابناً يشبه آدم البنداري تماماً؛ رجلاً قاسياً، صلب القلب، منزوع الرحمة، يفعل أي شيء ولا يرف له جفن للوصول إلى غايته. أما أنا.. فلم أكن سوى خيبة أمل في نظره، لأنني أختلف عنهم جذرياً. لا أستطيع أن أدوس على رقاب الآخرين لمجرد أنهم يقفون في طريقي، أفضل دائماً أن أغير طريقي وأبتعد على أن أؤذي أحداً». صمتت قليلاً لتبتلع غصتها ثم أردفت: — «لهذا اخترت طريقاً آخر، سافرت إلى الخارج لأكمل تعليمي وأبني نفسي بنفسي، بعيداً عن صخب وسلطة إمبراطورية والدي...». قاطعتها حور بنبرة دافئة وناصحة: — «رغم كل شيء، من الجيد أنكِ وجدتِ ذاتكِ واستقللتِ.. لكن هذا لا
تركها آدم تنزل دون أن يحاول إثناءها أو استبقائها؛ فلم يعتد يوماً أن يلحّ على امرأة أو يتوسل رضاها، خاصة وأنه في قرارة نفسه لم يرتكب خطأً يستحق هذا التمرد. وكأن غروره الأعمى رفض أن ينحني للعاصفة ، فانطلق بسيارته مسرعاً يشق عتمة الشارع بشراسة قبل أن تخطو قدمها حتى عتبة البناية ، مخلّفاً وراءه صمتاً مقبضاً على غير عادته في حمايتها وتتبع خطاها. وقفت شهد وحدها في منتصف الرصيف ، تتأمل أضواء سيارته وهي تبتعد في الأفق، بينما كان قلبها يتفتت بين ضلوعها. أدركت حينها مرارة النهاية التي صنعتها بيدها، فغرقت في بحر من الندم بعد أن ألصقت روحها بروحه رغماً عنها . تنهدت بألم خفيّ، وتمتمت بصوت منكسر وهي تصعد السلالم بخطوات أثقلها الهم: — «ربما هذا أفضل.. لن أستطيع مصارحته أبداً بحقيقة تلك الليلة السوداء؛ فأنا متأكدة أن طغيان آدم لن يغفر، وأن ناره لن ترحم إن عرف السر!». في فيلا أروى، ساد هدوء الليل أرجاء الغرفة الواسعة، حيث انفردا معاً تطردان وحشة الوقت. استرسلت حور في الحديث مستفسرة عن خبايا علاقتها القديمة بآدم، وكيف استقامت خطاهما معاً. لكن ما إن عبر
خرجت شهد من الغرفة مسرعة بخطوات مضطربة ، وقد توردت وجنتاها بحمرة قانية من شدة الخجل والإحراج الذي سببه لها تعليق عامر المبتذل. نادتها حور بلهفة وقلق: «شهد! انتظري!». لكن نداءها ضاع هباءً، فلقد كانت شهد في عالم آخر من الصدمة ولم تسمعها. تقدمت أروى بحدة نحو الباب ، وضربت بظهر يدها صدر عامر في عتاب غاضب ، وقالت بنبرة مشتعلة: — «أنت مصر دائماً على افتعال المشاكل مع آدم ! هل جئت لتهدم كل شيء؟!». تجاهل عامر غضبها ، ورمق طيف شهد المبتعد بنظرة ماكرة وسأل: — «حقا؟ وما علاقة البنداري بهذه الفتاة الجميلة؟». صاحت أروى محذرة: — «إنها حبيبته يا عامر! يعني عندما تراها تقترب ، عليك أن تدير وجهك وتذهب من شارع آخر فوراً! لم يمضِ على نزولك من الطائرة عدة ساعات ، وبدأت ألملم الكوارث من خلفك.. اشكر حور لأنها أنقذت رقبتك ولم تخبر آدم بالحقيقة!». عقد عامر حاجبيه بتكبر ورد ببرود: — «ولماذا لم تخبره؟ هل تعتقدين أنني سأخاف منه مثلاً؟! أنا آسف يا حور على الحادث ، ولكنكِ لستِ مضطرة إطلاقاً للكذب لأجلي». ردت حور بهدوء واهن رغم إرهاقها: — «هكذا أفضل.. لا داعي لتصعيد الموقف وف
خارج الغرفة، وفي الممر الهادئ الخانق المعتم برائحة العتق والقلق، وقف آدم أمام شهد، وكأن المكان بأسره قد تجمد عند حدود غضبه. كانت عيناه كمرجل يغلي، يرمقها بنظرات حادة تثقب روحها وهو يوجه إليها عتاباً حارقا بلغة جافة: — «هل أعجبكِ المشهد بالأسفل يا شهد؟! أكان دافئاً بما يكفي لتسقطي بين يديه؟». اتسعت عينا شهد بذهول وانكسار، وشعرت بوخزة مهانة تذبح كبرياءها. ردت بنبرة يرتجف فيها الخوف بالمكابرة: — «ماذا جرى لك يا آدم؟! كدتُ أهوي على الدرج فانتشلني الرجل من السقوط! لم نرتكب شيئا خاطئا — «كل هذا وادعاؤكِ الصفيق يخبركِ أنكِ لم تفعلي شيئاً خاطئاً؟!». ضرب آدم قبضة يده الفولاذية بجدار الممر الحجري بكل ما أوتي من غل، فدوى الانفجار في أرجاء الغرفه واهتزت جدرانها، لدرجة أن حور وأروى بالداخل فزعتا من حدة الصوت. انتفضت حور من مضجعها على السرير ببدن واهن وهي تحاول الفكاك لتمنعه من إهانة شهد، لكن أروى احتضنت معصمها بلهفة وشدتها للخلف: — «اتركيهما يا حور.. دعيهما يحلان الأمور بمفردهما، لا تصغريها أمام نفسها وأمامنا وتجعليها تشعر بأننا نتجسس على انكسارها». في خارج ال







