تسجيل الدخولوصلت شهد إلى مقر الشركة وقلبها يخفق بشدة كأنه يصارع الخروج من بين ضلوعها؛ فقد مرت ساعات الليل الخانقة بطيئة ومحملة بالوساوس، دون أن تتوصل إلى حجة واحدة تدرأ بها هذا الزواج المتسرع. وضعت حقيبتها فوق المكتب بخطوات ثقيلة ويدين ترتجفان ، ثم أخذت نفساً عميقاً وأسقطت وجهها بين كفيها لعلها تطرد خيالات تلك الليلة السوداء ورجل القناع الذي يطارد مضجعها. أزاحت يديها، ورسمت ابتسامة مزيفة يتخللها الارتباك، ثم مسكت المقبض واستجمعت شتات نفسها وهي تخرج متجهة نحو مكتب آدم. استقبلت السكرتيرة بنبرة يحاول الخوف ابتلاعها: — «صباح الخير.. هل آدم بيه في مكتبه؟». أجابت السكرتيرة وهي تقلب أوراقها بعملية: — «صباح النور يا آنسة شهد.. آدم بيه لم يأتِ إلى الشركة حتى الآن». نظرت شهد إلى ساعتها باستغراب حقيقي، فآدم معروف بصرامته وانضباطه الشديدين، ولا يتأخر عن عمله أبداً. ابتلعت ريقها الجاف ، وعادت أدراجها إلى مكتبها بخطوات مضطربة ، ثم استلت هاتفها وأجرت اتصالا به. رن الهاتف لثوانٍ معدودات كانت كفيلة بإشعال النبض في رأسها، قبل أن يفاجئها آدم بقطع الاتصال وإغلاق الخط في وجهها دون أن
انتفضت أروى مفزوعة من نومها، وبعينيها النعستين حدقت في شاشة هاتفها المتوهجة في ظلام الغرفة؛ كانت شهد تتصل بها في ساعات الفجر الأولى . رفعت الخط بنبرة يملؤها الذعر: — «شهد؟! ما بكِ يا فتاة؟! هل حدث شيء لك أو لآدم؟!». جاءها صوت شهد يرتجف، متقطع الأنفاس ينبض بالرعب: — «أنا في مصيبة يا أروى.. مصيبة سوداء ولا أعلم كيف أخرج منها الآن!». — «مصيبة؟! تحدثي فوراً ودون ألغاز.. أقسَمْتُ أن قلبي سيتوقف!». انهمرت دموع شهد وهي تهمس: — «آدم يريد أن نتزوج غداً.. بل اليوم!». ساد الصمت لثانية، ثم أطلقت أروى ضحكة مباغتة، تخالطها الاندهاش: — «ماذا؟! هل تمزحين معي في هذا الوقت المتأخر؟!». صاحت شهد بنبرة يائسة يمزقها البكاء: — «أروى! ما المضحك في الأمر؟! أقول لكِ إنني في ورطة حقيقية فتبطشين بي بضحكاتكِ؟!». تداركت أروى موقفها وقالت بأسف دافئ: — «آسفة يا حبيبتي.. والله لم أقصد الإهانة، ولكنني فقط لم أتوقع يوماً أن أرى آدم البنداري يغرق في بحر الحب لهذه الدرجة! لقد عاش طوال حياته كروبوت صلب، بلا مشاعر ولا عواطف، يزن الأمور بميزان العقل والسطوة فقط!». ردت شهد بصوت يخنقه الذهول:
انزلقت شهد بهدوء شديد نحو الأرض، واستقرت جُثتها الهشة مسندة ظهرها إلى الحائط ، بينما احتضنت نفسها بذراعيها وأغمضت عينيها لترحل في عالم آخر. كانت الشحنات الكهربائية المتبقية من لمساته ما زالت تسري كأحرف نارية في أسفل بطنها، وأنفاسها المتسارعة محبوسة في حنجرتها . رفعت أصابعها المرتجفة ببطء لتتحسس ملمس شفتيها الحار المتورم مكان قبلته العنيفة الدافئة، فانسكبت دموع اللوعة والشغف من بين جفنيها المحترقين. ظلت على هذا الوضع المقيد بالسحر لأكثر من نصف ساعة ، يلفها سكون الليل وبرودة الغرفة، حتى أضاء هاتفها في الظلام كاشفاً عن اسمه: «آدم». فتحت الخط ببدن واهن، وقالت بصوت خفيض مبحوح يفيض بحشرجة الاشتياق: — «آدم.. ماذا فعلتَ بي؟». جاءها صوته الأجش، الدافئ كالجمر: — «ألم تستعيدي وعيكِ بعد يا شهد؟». أغمضت عينيها وهمست بتهدج: — «لا أعتقد أنني سأستعيده ثانية أبداً.. لماذا تركتني ورحلت بهذه السرعة؟». تنهد آدم بعمق، متذكراً حرارة جسدها بين يديه: — «خفتُ أن تندمي.. خفتُ أن يستيقظ عقلكِ في اللحظة الأخيرة وتكرهيني». — «ولكنني.. ما زلتُ أشعر بيديك الفولاذيتي
تبخر الهواء من رئتي شهد في تلك اللحظة المجنونة، وكأن جدار الغرفة انشق ليبتلعها. صوت والدتها الواهن خلف الباب كان يقترب، وخطواتها تلامس خشب الممر ببطء قاتل. — «شهد.. ابنتي، هل أنتِ بخير؟ أسمع صوتاً غريباً في غرفتكِ!». اتسعت عينا شهد رعباً حتى كادت تخرج من محجريها، والتفتت إلى آدم بملامح شاحبة يكسوها الفزع المطلق، وشفاها ترتجف دون أن تستطيع النطق بحرف. لكن آدم، ببروده المرعب وثباته الجليدي، لم يظهر عليه أي أثر للارتباك. ووسط عاصفة الخوف التي كانت تكاد تعصف بقلب شهد، انحنى آدم ليطبع قبلة سريعة وخاطفة على شفتيها المرتجفتين ، متجاهلاً تماماً خطر الموت القادم من خلف الباب، وهمس بصوت مخملي هادئ يلامس أذنها مباشرة: — «دعيها تنادي.. لن تجد سوى ابنتها وحدها في غرفتها». قبل أن تستوعب شهد جنون كلماته، كان آدم قد تحرك بخفة ورشاقة كقط البراري، فوثب نحو النافذة المفتوحة على عجل، واختفى في عتمة الليل بين أغصان الشجرة العتيقة، كأنه لم يكن هنا قبل ثوانٍ معدودات. أغلقت شهد عينيها بقوة لتلتقط أنفاسها المهشمة، ثم اندفعت نحو الباب وفتحته ببطء شديد، ووجهها شاحب كالموت. ظه
بينما كان عامر جالسًا في غرفة حور بفيلا والده، تتسامر جدران المكان بصمت ثقيل، دخلت أروى حاملة صينية العصائر لتنعش بها سهرة هادئة غير معتادة. التفت عامر بنظرات حائرة نحو حور، ثم سألها بصوت يخترقه الفضول: — «هل أكون متطفلاً إذا سألتكِ عن سبب خصامكِ الحاد مع والدكِ؟ ولماذا تبدو الفجوة بينكما بهذا العمق؟». أجابت حور بابتسامة باهتة يكسوها الشجن: — «لا أبداً.. الأمر ليس سراً ولا لغزاً. باختصار، كان والدي يتمنى ابناً يشبه آدم البنداري تماماً؛ رجلاً قاسياً، صلب القلب، منزوع الرحمة، يفعل أي شيء ولا يرف له جفن للوصول إلى غايته. أما أنا.. فلم أكن سوى خيبة أمل في نظره، لأنني أختلف عنهم جذرياً. لا أستطيع أن أدوس على رقاب الآخرين لمجرد أنهم يقفون في طريقي، أفضل دائماً أن أغير طريقي وأبتعد على أن أؤذي أحداً». صمتت قليلاً لتبتلع غصتها ثم أردفت: — «لهذا اخترت طريقاً آخر، سافرت إلى الخارج لأكمل تعليمي وأبني نفسي بنفسي، بعيداً عن صخب وسلطة إمبراطورية والدي...». قاطعتها حور بنبرة دافئة وناصحة: — «رغم كل شيء، من الجيد أنكِ وجدتِ ذاتكِ واستقللتِ.. لكن هذا لا
تركها آدم تنزل دون أن يحاول إثناءها أو استبقائها؛ فلم يعتد يوماً أن يلحّ على امرأة أو يتوسل رضاها، خاصة وأنه في قرارة نفسه لم يرتكب خطأً يستحق هذا التمرد. وكأن غروره الأعمى رفض أن ينحني للعاصفة ، فانطلق بسيارته مسرعاً يشق عتمة الشارع بشراسة قبل أن تخطو قدمها حتى عتبة البناية ، مخلّفاً وراءه صمتاً مقبضاً على غير عادته في حمايتها وتتبع خطاها. وقفت شهد وحدها في منتصف الرصيف ، تتأمل أضواء سيارته وهي تبتعد في الأفق، بينما كان قلبها يتفتت بين ضلوعها. أدركت حينها مرارة النهاية التي صنعتها بيدها، فغرقت في بحر من الندم بعد أن ألصقت روحها بروحه رغماً عنها . تنهدت بألم خفيّ، وتمتمت بصوت منكسر وهي تصعد السلالم بخطوات أثقلها الهم: — «ربما هذا أفضل.. لن أستطيع مصارحته أبداً بحقيقة تلك الليلة السوداء؛ فأنا متأكدة أن طغيان آدم لن يغفر، وأن ناره لن ترحم إن عرف السر!». في فيلا أروى، ساد هدوء الليل أرجاء الغرفة الواسعة، حيث انفردا معاً تطردان وحشة الوقت. استرسلت حور في الحديث مستفسرة عن خبايا علاقتها القديمة بآدم، وكيف استقامت خطاهما معاً. لكن ما إن عبر







