Mag-log inابتعد آدم بخطواتٍ ثابتة وقلبه يرفرف في صدره تاركاً إياه معها، لكنه كان موقناً بقرارٍ راسخ أن شهد ما زالت تحبه وتتنفس هواه، وكل ما تحتاجه هو مجرد وقتٍ قصير لتلملم شتات ذاكرتها، وتنسى أو تتغاضى عن مرارة جروح الماضي. قاد سيارته طوال الطريق إلى منزله بابتسامة دافئة وواثقة تزين محياه، وكأن العالم أصبح أوسع وأرحب. في هذه الأثناء، وصلت شهد بسيارتها إلى باحة القصر الفسيح. أوقفت المحرك وترجلت بخطواتٍ مترددة وثقيلة، تتخبط في أفكارها ودوامة مشاعرها: — «ماذا يجب أن أفعل الآن؟ هل أصافحه ببرود وأتمنى له الشفاء على عجالة، أم ألقي بنفسي في حضنه متناسية كل الجفاء؟ لا... حضنٌ لا، كبريائي لن يتحمل...» لكن كل تلك الحسابات الباردة تبخرت في ثانية واحدة؛ فما إن علم يحيى بوصولها حتى تحامل على نفسه رغم آلامه، مستنداً بثقل على عكازه، ليتحرك بخطوات بطيئة نحو الباب ليستقبل ابنته بحبٍّ جارف ولهفة أبٍ أنهكه الشوق والمرض. وقف عند العتبة، وفتح ذراعيه واسعتين كمن يضم العالم بأسره، وقال بصوت مخنوق بالحنين: — «شهد... ابنتي!» لم تقاوم شهد شيئاً من حصونها؛ وفجأة، اندفعت نحو بوابته المفت
هدأت أنفاس شهد وهي تتماسك تدريجياً بين يديه ، ثم ابتعدت بهدوء وخفة، تمسح دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة وهي تنظر إلى الأرض بخجلٍ حارق تلونت به وجنتاها. رفعت وجهها ببطء وقالت بصوت خفيض يشوبه الامتنان: — «شكراً يا آدم...» مدّ آدم يده برفق شديد وأمسك بذقنها رافعاً وجهها ليتسنى له الغرق في عمق عينيها، وقال بنبرة حازمة تملؤها الحنان المطلق: — «لماذا تشكرينني يا شهد؟! لقد قلتها لكِ مراراً ولن أملّ تكرارها: سأظل دائماً درعكِ الحامي وأمانكِ المطلق من كل العالم، حتى وإن لم تعودي لي قط... سأظل بجواركِ، فحمايتكِ جزء لا يتجزأ من روحي.» ثم أضاف بابتسامة دافئة وخبيثة أضاءت وجهه لتبدد بقايا الحزن: — «وثانياً... أحذري تماماً أن ترتدي عيناكِ ثوب الدموع مرة أخرى وأنا أمامكِ!» عقدت حاجبيها بدهشة لطيفة وابتسمت وسط دموعها قائلة: — «ولماذا؟! هل ستمارس عليّ سطوتك وتعاقبني إن فعلت؟» أجابها بنبرة شقية يملؤها الشغف والدلال: — «نعم... وسيكون عقابي عسيراً للغاية! لأن تلك الدموع تجعل عيونكِ تتلألأ بسحرٍ خاص يخطف عقلي، ويجعلني أرغب في تقبيلكِ دون توقف لأمحوَ كل حزن فيها.»
حبست شهد أنفاسها بصعوبة بالغة، وكأن رنين الهاتف المنتصب في يدها جاء بمثابة طوق نجاة إلهي انتشلها في الكسر الأخير من الثانية من ذلك السؤال المعلق الذي كاد أن يزلزل أركان كيانها ويقلب حياتها رأساً على عقب. أضاءت شاشة الهاتف بنورٍ باهت انعكس على أهدابها المرتعشة، حاملاً اسم «أروى»، فالتفتت بسرعة لتستند إلى الرنين كعذرٍ هارب يخفي اضطراب دقات قلبها المتهدجة. رفعت شهد الهاتف بأصابع تفيض بالارتجاف أمام عينَي آدم اللتين كانتا تترقّبان إجابة قلبه بلهفة حارقة. ابتسمت بتوتر مصطنع وقالت بنبرة حاولت إظهار ثباتها: — «ألو... أروى حبيبتي، كيف حالك؟» جاءها صوت أروى الصارخ بالبهجة من الطرف الآخر وكأنه يرقص فرحاً، ينبض بالحيوية التي اخترقت صمت الشقة الهادئ: — «هيا تعالي يا شهد بسرعة! لا تصدقي من عاد للتو.. . لقد عاد أبانا من الخارج اليوم بعد رحلة علاج طويلة وشاقة، وقد تعافى تماماً والحمد لله! نحن جميعاً ننتظركِ هنا، تعالي حالاً فهو مشتاق إليكِ فوق ما تتصورين!» لمعت ابتسامة خاطفة ومفاجئة على وجه شهد، اقتنصتها من فرط الصدمة السعيدة بخبر الشفاء، لكن تلك البارقة ما لبثت أن اخ
ساد صمتٌ ثقيل ومطبق على مدخل الشقة ، صمتٌ كادت أن تنقطع فيه أنفاس الثلاثة. كان آدم يقف بجسده العريض كالجبل، حارقاً كل مساحات الهروب ، وعيناه مسمرتان في وجهها بنظرة توسل خفية تحمل كل معاني الحياة والموت، بينما وقف رائد يرمقها بابتسامة خبيثة منتظراً تلك الكلمة التي ستحدد مصير الصراع بينهما. شعرت شهد وكأن الأرض تميد تحت قدميها؛ عقلها يصرخ محذراً إياها من الاستسلام لنفوذ آدم وسطوته، بينما كان قلبها الثائر يردد بصدقٍ أعاصير العشق الدفينة: "نعم... أحبه، ولم أتعلم يوماً كيف أكون لغيره!" لكن كبرياءها كان يرفض أن تظهر ضعيفة أمام رائد أو أن تبدو كمن تأتمر بأمر رجلٍ آخر. أخذت شهد نفساً عميقاً، وتسلحت بكل ذكائها وشموخها المعتاد. تقدمت خطوة بخطوة حتى أصبحت تلامس كتف آدم العريض ، رفعت رأسها بقمة الثقة، ووجهت بصرها البارد نحو رائد الذي كان يترقب بصبر مفضوح. قالت شهد بصوتٍ هادئ وثابت يقطع صمت المكان: — «أشكر اهتمامك يا رائد بيه لحضورك بنفسك... ولكن يبدو أن هناك التباساً كبيراً في موعدنا.» عقد رائد حاجبيه بتعجب وابتسم بتهكم: — «التباس؟! ألم نتفق على... قاطعته بحسم وقوة لا
جرس الباب الحاد قطع سكون الشقة ليحيل الأجواء المشحونة إلى صفيح ساخن. تجمّدت أنفاس شهد في صدرها، بينما اشتعلت عينا آدم بنظرة مظلمة ومرعبة توحي ببركان على وشك الانفجار. استدارت شهد بسرعة نحوه، ورأت في عينيه غضباً أعمى يكاد يلتهم كل شيء حوله. اقتربت منه بخطوات سريعة ومرتجفة، وهمست في أذنه بنبرة حازمة ومحذرة: — «أدم أرجوك... انتظرني بالداخل حالاً، وإلا أقسم لك أنك لن تراني مرة أخرى أبداً!» التفت إليها آدم، وفي ومضة عين تحولت قسوة نظراته إلى مزيج معذب من الغيرة العميق والعشق الجارف الذي يرفض الخضوع. تفرّس في وجهها لثانية واحدة، ولم يعرْ كلامها أو تهديدها أدنى اهتمام. تحرك بخطوات واسعة متخطياً إياها، ووقف عند عتبة الباب المفتوح جزئياً، عارضاً جسده العريض سداً منيعاً؛ فوضع كفيه المفتوحتين على إطاري الباب حاجباً رؤية رائد تماماً، وخالقاً درعاً بشرياً يحول بينه وبين شهد الواقفة خلفه. فتح الباب بالكامل، ليتفاجأ رائد بوجوه العبوس والصرامة تملأ محيا آدم بدلاً من شهد . تراجع رائد خطوة للخلف بذهول، قبل أن يستعيد رباطة جأشه ويبتسم بتهكم: — «أنت؟! ما الذي
وسط ذهول شهد الصاعق، وبقايا تلك القبلة الجريئة التي باغتت حصون كبريائها المنيعة فجعلتها تسبح لثوانٍ معدودة في عالم آخر من الحنين العاصف، تراجعت أنفاسها ببطء شديد وهي تحاول جاهدة استعادة توازنها المفقود وسط هذا الإعصار العاطفي. رفعت يديها المرتجفتين لتبعده عنها بقوة مصطنعة، بينما كانت وجنتاها تشتعلان بحمرة فاضحة تعكس ارتباكها الكامل، وهتفت بصوت متهدج يمزقه الغضب المكتوم والرجفة الداخلية: — «آدم! ماذا تفعل بحق الجحيم؟! هل جننت تماماً؟! كيف تجرؤ على اقتحام شقتي هكذا دون استئذان، ومن أعطاك الحق أصلاً في... في تقبيلي بهذه الطريقة المستفزة؟!» نظر إليها آدم بعينين تفيضان بشغف طاغٍ، وندم عميق، ووله لا يحده حدود. لم يتحرك من أمامه قط، بل استند بهدوء قاتل إلى الحائط المجاور، وقال بصوت عميق ودافئ يقطر ثقة وإصراراً: — «هل أنتِ غاضبة حقاً يا شهد؟ أم أنكِ تحاولين الهروب من حقيقة ما شعرتِ به للتو؟» رفعت رأسها بشموخ محارب فاشل في إخفاء ضعفه، وأجابت بحدة مصطنعة: — «بالطبع غاضبة! ألا تفهم لغة العقل والحدود؟! ما فعلته للتو هو تعدٍ سافر ومرفوض تماماً...» قاطعها بثبات و







