Home / الرومانسية / هوس العشق والانتقام / الفصل الأول: رائحة المطر والرماد

Share

هوس العشق والانتقام
هوس العشق والانتقام
Author: بدر رمضان

الفصل الأول: رائحة المطر والرماد

last update publish date: 2026-06-20 09:17:14

كانت الممرات في مستشفى "النخبة" الدولي هادئة إلى حدٍ يثير الرعب، تفوح منها رائحة المعقمات الممتزجة بالبرودة والجمود. لم تكن هذه الأجواء غريبة على الدكتورة "ليال"، فقد قضت سنوات عمرها الأخيرة بين هذه الجدران كواحدة من ألمع الجراحين الشبان، تنقذ الأرواح وتواجه الموت بقلب ثابث وعينين لا تعرفان الخوف. لكن اليوم، لم تكن ليال ترتدي معطفها الأبيض؛ كانت تقف في ممر قسم الأورام والتحاليل الدقيقة، تشدّ بحزام حقيبتها الجلدية الرفيعة بيدها التي بدأت ترتجف للمرة الأولى في حياتها. وجهها الشاحب، وعيناها اللامعتان اللتان انطفأ بريقهما فجأة، كانا يعكسان ثقل الورقة البيضاء التي تقبض عليها أصابعها.

تقرير الخزعة كان واضحاً، قاطعاً، ولا يحمل أي مجال للشك: "ورم خبيث ونادر في مراحله المتقدمة".

تنحنح الطبيب الجالس خلف المكتب الفخم، وهو زميل دراستها القديم الذي صُدم بالنتيجة بقدر صدمتها، وقال بنبرة حاول جعلها تبدو متماسكة:

— "يا ليال.. كطبيبة، أنتِ تعلمين أننا لا نؤمن بالمعجزات بل بالحقائق العلمية. إذا نجحت الجراحة العاجلة، وفترات العلاج الكيميائي المكثف، فإن معدل البقاء على قيد الحياة قد يتراوح بين خمس عشرة إلى ثلاثين بالمائة.. لمدة خمس سنوات."

عضّت ليال على شفتها السفلى بقوة حتى كادت تدميها، محاولةً ابتلاع الغصة التي وقفت في حلقها كشفرة حادة. نظرت إلى الزميل الجاد وقالت بصوت هادئ يحمل كبرياءً غريباً:

— "وكم من الوقت يمكنني العيش دون جراحة أو كيميائي، يا زميلي الأكبر؟"

تنهد الطبيب بأسف، واضعاً القلم من يده:

— "من نصف عام إلى عام.. لا أكثر. وستكون الشهور الأخيرة قاسية جداً. ليال، من الأفضل أن تبدئي بروتوكول العلاج فوراً، هذا قد يمنع انتشار الورم وتفشيه في بقية الأعضاء."

انحنت ليال باحترام، لكنها حسمت أمرها في ثوانٍ. لقد رأت طوال مسيرتها الطبية مرضى يتآكلون جسدياً ونفسياً تحت وطأة هذا العلاج، وعائلات تفلس خلف سرير المريض دون جدوى. تذكرت حال عائلتها؛ فوالدها يمر بأزمة مالية طاحنة، وشقيقها التوأم "سيف" يحاول جاهداً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من شركاتهم المنهارة. إن إخبارهم بمرضها الآن سيكون بمثابة رصاصة الرحمة التي تنهي حياتهم جميعاً.

— "شكراً لك.. لكنني لا أنوي خوض هذه المعركة. لا حاجة للعلاج، فلا أظنني أملك القدرة الجسدية أو النفسية على تحمله."

— "ولكن يا ليال، زوجكِ.. فارس السيوفي؟ إمبراطور المعمار يمكنه توفير أحدث العلاجات في أوربا!"

ابتسمت ليال ابتسامة مريرة، امتزجت بالسخرية والوجع وهي تتحرك نحو الباب:

— "أرجو منك أن تحفظ هذا السر يا زميلي، لا أريد أن تشعر عائلتي بالقلق.. أما عن زوجي، فلديه أمور أخرى تهتم به، وهو بالتأكيد لن يلاحظ اختفائي."

خرجت من غرفة الفحص والخطوات تسرع بها كأنها تهرب من حقيقتها الجديدة. بمجرد خروجها إلى البهو الخارجي للمستشفى، بدأت قطرات المطر تهطل بغزارة، معلنةً عن بداية عاصفة شتوية قاسية. وقفت تحت المظلة، تسحب نفساً عميقاً يملأ صدرها المتعب برائحة المطر والتراب المبتل، وهي تتذكر كيف تحولت حياتها في السنوات الثلاث الأخيرة.

تزوجت من "فارس السيوفي" بعد قصة حب ظنتها أسطورية، قصة بدأت في أروقة الجامعة واكتملت بقصر فخم يحسدها عليه الجميع. في السنة الأولى، كان يعاملها بتقدير، بصدق ظاهري جعلها تسلمه مفاتيح قلبها وعالمها. ولكن، بمجرد أن تمكن من وضع يده على تفاصيل أعمال عائلتها، وبمجرد أن عادت حبيبته السابقة وقريبته "صافي" إلى البلاد وهي حامل تدعي أن الطفل منه.. تغير كل شيء. سقط القناع عن وجه فارس، وتحول الماء الدافئ في حياتهما إلى جليد يقطع الأنفاس.

قطع استرسال ذكرياتها صوت رنين هاتفها بقوة. نظرت إلى الشاشة، فإذا به رقم السائق الخاص بوالدها. انقبض قلبها بغريزة غامضة، وأجابت بيدين مرتعشتين:

— "أهلاً عم منصور.. هل والدي بخير؟"

جاءها الصوت من الطرف الآخر باكياً، منتحباً، تملأه جلبة سيارات الإسعاف وأصوات صراخ في الخلفية:

— "يا دكتورة ليال.. المصيبة حلت علينا! الأستاذ سيف.. شقيقكِ.. الحادث كان بشعاً على الطريق الصحراوي.. سيارته انقلبت واشتعلت النيران بها.. الأطباء يقولون إنه.. إنه مات قبل وصوله للمستشفى، والشرطة تقول إن هناك شبهة جنائية، فرامل السيارة كانت مقطوعة بالكامل!"

سقطت ورقة التحليل الطبية من يد ليال، لتبتلعها مياه المطر الجارية على الرصيف وتتحول إلى رماد ممزق. شعرت بأن الأرض تدور من تحتها، والهواء انسحب من رئتيها تماماً. شقيقها؟ توأم روحها؟ السند الوحيد الذي كان يربطها بهذه الحياة؟ رحل؟ والأسوأ.. أن الحادث مدبر!

لم تبكِ، ولم تصرخ. تحجر الدمع في عينيها ليتحول إلى كتل من جمر مشتعل. اتصلت برقم والدها فوراً، لكن الهاتف كان مغلقاً. اتصلت بالمنزل، ليرد عليها خادم العائلة وهو يرتجف:

— "دكتورة ليال.. الأستاذ الكبير (والدكِ) علم بالخبر وسقط مغشياً عليه، لقد نقلوه الآن إلى مستشفى الطوارئ في غيبوبة تامة، الأطباء يخشون من جلطة دماغية مدمرة!"

في تلك اللحظة، وسط غزارة المطر وبرودة الجو، انكسر شيء ما داخل ليال بعنف، وبدأت تتشكل قطعة من الفولاذ مكان قلبها المكسور. ابتلعت كبرياءها وجرحها، وقررت الاتصال بالشخص الوحيد الذي يملك النفوذ، والقدرة، والشخص الذي يفترض أنه "زوجها". تواصلت مع مكتبه، لتجيبها السكرتيرة ببرود، ثم بعد إلحاح شديد، جاءها صوته الأجوف، الجاف، البارد كالكليد من خلف سماعة الهاتف:

— "لن أراكِ إلا إذا كان الأمر يتعلق بالطلاق، ليال.. أنا مشغول الآن."

كتمت أنفاسها، وقالت بصوت متحشرج يحاول التماسك:

— "فارس.. سيف مات.. أبي في الغيبوبة.. عائلتي تدمرت بالكامل، أحتاجك إلى جانبي الآن، أرجوك.."

وقبل أن تكمل جملتها، سمعت صوتاً أنثوياً ضاحكاً بجانبه عبر الهاتف، كان صوت "صافي" وهي تقول بدلع: "يا فارس، الطبيب بانتظارنا لإجراء فحوصات الجنين، دعك من مكالمات زوجتك المملة".

جاءها صوت فارس مجدداً، ساخراً، خالياً من أي ذرة إنسانية أو رحمة:

— "يا ليال، أي جيل جديد تلعبين؟ عائلتكِ سقطت لأنها ضعيفة، وأنا لا أدعم الضعفاء. سأكون في الفيلا مساءً، جهزي أوراقكِ.. ودعينا ننتهي."

انقطع الاتصال. قطعت المكالمة كل طاقة كانت متبقية في جسد ليال. سقطت بجسدها على الحائط المبتل للمستشفى، بينما تسرب المطر الغزير من الخارج ليبلل خصلات شعرها ووجهها الشاحب. عضت على كم قميصها وهي تبكي بصمت، دمعات حارقة تمتزج بماء المطر البارد. فقدت طفلها في الماضي بسبب إهماله، وفقدت شقيقها اليوم، ووالدها يصارع الموت، وهو.. هو يؤسس عائلة جديدة مع شخص آخر، بل ويسخر من مأساتها.

نظرت ليال إلى السماء المظلمة، وعيناها اللامعتان اللتان كانتا تضيئان بالبراءة في السابق، أصبحتا الآن بلا بريق، باردتين، تنعكس فيهما نيران الكراهية والانتقام. وقفت ببطء، مسحت دموعها بكف يدها، واستعادت توازنها الطبي كجراحة تعرف أين تضع المشرط تماماً لتنهي الألم.

— "فارس السيوفي.." همست باسمه في جوف العاصفة، ونبرتها تحولت إلى برود مخيف وجامد: "لقد بدأت اللعبة.. وظننت أنك الرابح. لكنني أقسم بروح شقيقي، وبدموع أبي، وبمرضي الذي يتآكل في جسدي.. سأجعل عرشك هذا يتحول إلى رماد، وستركع تحت قدمي طالباً المغفرة، ولن تجدها."

تحركت ليال بخطوات ثابتة نحو سيارتها، متوجهة إلى الفيلا. لم تكن متوجهة إلى بيتها، بل كانت متوجهة إلى ساحة المعركة الأولى. الليل في الشتاء يأتي مبكراً، والساعة لم تتجاوز السادسة بعد، ولكن الظلام التام قد حل بالفعل على المدينة.. وعلى قلب ليال.

حين وصلت سيارتها إلى بوابات الفيلا الفخمة، كانت الأضواء مطفأة، والفيلا تبدو خالية تماماً من الحياة، مظلمة كأنها مقبرة قديمة. دلفت من الباب الداخلي، لتجد الصمت يلف المكان. نظرت إلى طاولة الطعام، فرأت الزهور التي نسقتها بنفسها قبل أيام قد ذبلت وتساقطت أوراقها الجافة على الطاولة. من معرفتها بشخصيتها السابقة، كانت تعلم أنها لن تترك الزهور تذبل بهذه الطريقة دون التخلص منها، والاحتمال الوحيد هو أنها لم تكن في كامل قواها العقلية والجسدية خلال الأيام الماضية.

فجأة، انفتحت أوراق الباب الخارجي بعنف، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء فاخرة بجانب الطاولة. وجهه الوسيم كان كالعرش الجليدي، وعندما نظر إليها، كان في عينيه السوداوين كراهية عميقة، وجفاء غير مبرر. كان هذا زوجها.. فارس السيوفي.

عندما نزلت ليال من درج الصالة بعد أن غيرت ملابسها المبتلة، التقت بنظراته الباردة، فشعرت ببرودة تسري على ظهرها، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة. الوقفة الهادئة والثبات الذي أظهرته فاجآ فارس قليلاً، فقد كان يتوقع رؤية امرأة منهارة، تبكي شقيقها وتستجدي عطفه وأمواله.

— "أين كنتِ؟" جاء صوته البارد، يقطع الصمت الثقيل.

نظرت إليه برأس مرفوع وعيون خالية من أي تعبير، وقالت بنبرة هادئة غير عادية:

— "كنت في المستشفى.. أستلم أوراقاً تخص مستقبلي."

سخر فارس بمرارة، وتقدم خطوات نحوها، مظلماً بطوله الفارع ومحاصراً إياها بجسده وقسوته:

— "مستقبلكِ؟ وهل يملك الضعفاء والمنهارون مستقبلاً يا ليال؟ أخشى أن تموتي كمداً وحزناً دون أن يلاحظ أحد."

كلمة واحدة كالسهم، مزقت ما تبقى من ذكريات طيبة في قلبها المجروح بشدة. لم تبكِ، ولم تثر أي ضجة، بل أخرجت بهدوء غير عادي من حقيبتها ملفاً أبيض وأسود، ووضعته على الطاولة الفاخرة بينهما.

— "لا تقلق.. لقد قمت بتوقيع اتفاق الطلاق الذي طالما أردته."

وضع الاتفاق على الطاولة كان مؤلماً للغاية، كلمتا "شهادة الطلاق" كانتا تبدوان كشفرتين حادتين، لكن ليال كانت قد اتخذت القرار. التفت إليها فارس، وعيناه تضيقان بشك وريبة من هذا الاستسلام السريع:

— "كنت أتساءل كيف بإمكانكِ تحمل الطلاق وعائلتكِ مفلسة وشقيقكِ تحت التراب.. يبدو أن الأمر يتعلق بالمال. كم تطلبين لتغادري حياتي دون فضائح؟"

امتصت ليال السخرية في كلماته، وفي السابق كانت ستدافع عن نفسها وشرف عائلتها بكبرياء، ولكن اليوم كانت مرهقة جداً.. وذكية جداً. علمت أن أول خطوة في الانتقام هي جعل العدو يستهين بك ويظنك طماعاً أو ضعيفاً.

وقفت بهدوء وقالت بصوت خافت لكنه مسموع:

— "كان بإمكاني أن أطلب نصف ممتلكاتك يا سيد فارس، بحكم القانون وبحكم ما قدمته لعائلتك في البداية.. ولكنني سأكتفي بطلب تعويض قدره عشرة ملايين جنيه فقط، وباختصار، ما زلت طيبة أكثر من اللازم وغبية بما يكفي لأترك لك بقية أموالك."

تقدم فارس خطوة للأمام، ظله الطويل يغطي جسد ليال بالكامل، وأمسك بفكها بإصبعه الطويل وقبض عليه بقوة، وصوته كان بارداً وعميقاً يملأ المساحة الفاصلة بينهما:

— "بماذا تنادينني؟ سيد فارس؟"

ابتسمت ليال وسط ألم قبضته، ونظرت في عينيه مباشرة دون أن ترمش:

— "إذا لم تعجبك تسمية 'السيد فارس'، فلا أمانع أن أناديك بزوجي السابق، بعد أن توقع الأوراق الآن.. ويمكنك المغادرة."

أثارت نظرتها المتحدية والباردة استياء فارس الشديد، فهذه ليست المرأة الضعيفة التي تركها صباحاً. اشتدت قبضته على فكها، وقال بنبرة هديدة:

— "هذا منزلي، ما الذي يجعلكِ تظنين أن لديكِ الحق في إجباري على مغادرته أو توقيع الأوراق بشروطكِ؟"

تجمدت ليال قليلاً ثم قالت ببرود تام، وعيناها تشعان بقوة غامضة:

— "ليس لدي الحق، ولكن يا سيد فارس، لا داعي للقلق، بعد أن أحصل على توقيعك على شهادة الطلاق، سأغادر هذا المكان فوراً ولن تراني مجدداً."

أزاحت يد فارس عن وجهها بجرأة وجسارة لم يعهدها فيها من قبل، وحدقت في عينيه السوداوين بجسارة، وقالت بصوت بارد كالثلج:

— "يا سيد فارس، غداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، أحضر اتفاق الطلاق ولنلتقِ في مكتب السجل المدني لإنهاء كل شيء.. غداً، ستبدأ حياتك الجديدة، وسأبدأ أنا حساباتي."

استدارت وتركته واقفاً في وسط الصالة المظلمة، تعلو وجهه علامات الشك والذهول من هذه القوة المفاجئة، بينما كانت هي تصعد الدرج بخطوات ثابتة، تدرك أن الفصل الأول من كتاب حياتها القديم قد أُغلق، وأن غداً.. هو بداية أولى خطوات الجحيم الذي ستجلبه إلى عالمه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثمانون: إعلان فجر السلام

    كان عصف الرياح بداخل مقصورة الطائرة يحشرج بلغة الفناء الأخير، والعداد الرقمي للمحركات الملتهبة يهبط نحو الصفر بشراسة تكنولوجية كادت أن تعلن نثر أشلاء الإمبراطورية الموحدة وسط سحاب جبال الألب. غير أن "ليال" صاغت من شتات ذعرها المحبوس ملحمة إعجاز نبعت من ذروة نقائها العلمي؛ إذ بأصابع لم تعرف الشلل، لم تلمس محقنة الهواء الملعونة، بل غرزت نصل مشرطها الطبي في صمام التوزيع الهيدروليكي الملحق بمقعد القيادة، حاقنةً المصل الجيني المعدل مباشرة في شبكة التبريد ليعمل كـمضاد تفاعل كيميائي كسر جموح التدمير وأخرس عداد الموت في الثواني الثلاث الأخيرة. توازنت الطائرة بأعجوبة بفضل قبضة "فارس" الحديدية التي اعتلت مقود الطوارئ، لتنزلق الهيكل الفولاذي بنعومة فائقة فوق البساط الجليدي الناصع لقمم جبال الألب السويسرية، بالتزامن مع انقضاض صاعق لقوات النخبة والإنتربول الدولي بقيادة "سيلين" التي داهمت المخبأ السري لـ "طارق" و"صافي"، معلنةً تفكيك حلف مافيا الأدوية الدولية للأبد، ونقل "عاصم بك" إلى مشفى سويسري آمن طهر أوجاعه. فوق قمم جبال الألب، حيث الثلوج الناصعة تعكس ضياء شمس جديدة انبعثت لتمحو

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثامن والسبعون: الرماد المتحرك

    كان الأزيز الميكانيكي الحاد المتسارع، المنبعث من بين الشقوق المرمرية لزوايا المسبح الزجاجي، بمثابة الشهقة الأخيرة في صدر ليلٍ تآمرت عتمته مع دهاء "طارق" المشوه لإرساء قواعد الفناء الشامل. غير أن "ليال" صاغت من ذروة رعبها المحبوس معجزةً رقمية مباغتة؛ إذ لم يستسلم عقلها الطبي المشتعل لتهديدات شقيقها التوأم الغادر، بل اندفعت بكامل قوامها الأنثوي المبتل نحو لوحة التحكم الرئيسية المغمورة جزئياً، وغرزت المحقنة الكيميائية العكسية في قلب الصمام الكهرومغناطيسي، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية عبر الأقمار الصناعية لشرق أوروبا، مما أدى إلى شلّ صاعق "طارق" اللاسلكي وإخرس عداد الموت في الثواني الأخيرة، بالتزامن مع انتفاضة فدائية لرجال الإنتربول الدولي الذين اقتحموا المستشفى الملكي وحرروا والدها "عاصم بك" من مخالب صافي. انفرط عقد تلك المصيدة المائية المفخخة، وتراجعت خطوط الأعداء مجدداً نحو الظلال الدولية، لتستقر الأنفاس واجفةً بداخل الرواق الأرستقراطي لقصرهما القديم المسترد، حيث تحول مسار المواجهة من لجة الماء المستعر إلى حرب أنفاسٍ باردة، تكتظ سرادقها بأسرار مكتومة كادت أن تطيح بـعرش ثقتهما ال

  • هوس العشق والانتقام    الفصل التاسع والسبعون: الثغر المغترب

    كان فحيح غاز السيانيد، المنساب المرعبة من أسفل الجدران الخشبية للجناح الملكي، بمثابة شهقة العد التنازلي الأخيرة التي أطبقت على أنفاس الوجود في عتمة القصر الأرستقراطي. غير أن "ليال" صاغت من ذروة الرعب المحبوس في أحشائها ثورةً علمية خاطفة أذهلت روح الأقدار؛ إذ بلمسة عبقرية لم تعرف الشلل، اندفعت نحو حقيبتها الطبية المثبتة في زاوية الغرفة، وسحبت زجاجة الترياق الفسفوري المضاد، وقذفت بها في قلب صمام التهوية الرئيسي، مسببةً تفاعلاً كيميائياً فورياً حوّل الأبخرة السامة في غضون ثوانٍ معدودة إلى رذاذٍ بارد طهّر الهواء قبل أن يفتك بأوصالهما، بالتزامن مع تفعيل "فارس" لنظام التشويش النبضي العكسي الذي شلّ صاعق "طارق" الفضائي وأجبر طائرة الإخلاء الطبي في جنيف على الهبوط القسري تحت سيطرة الإنتربول الدولي، ليتحرر "عاصم بك" طاهراً من دنس المؤامرة. انفرط عقد تلك المصيدة الميكانيكية المروعة، وتراجعت خطوط الأعداء نحو الملاذات الأكثر غموضاً، لتستقر الأنفاس واجفةً داخل أروقة القصر، حيث تبدلت رقعة الشطرنج واستحالت عتمة الغسق إلى مسرح لإعداد خطوة الرد الح اسمة التي لا ترحم.لم تكن خيوط الفجر

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثامن والسبعون: هواجس المارد

    كان الأزيز الميكانيكي الحاد المتسارع، المنبعث من بين الشقوق المرمرية لزوايا المسبح الزجاجي، بمثابة الشهقة الأخيرة في صدر ليلٍ تآمرت عتمته مع دهاء "طارق" المشوه لإرساء قواعد الفناء الشامل. غير أن "ليال" صاغت من ذروة رعبها المحبوس معجزةً رقمية مباغتة؛ إذ لم يستسلم عقلها الطبي المشتعل لتهديدات شقيقها التوأم الغادر، بل اندفعت بكامل قوامها الأنثوي المبتل نحو لوحة التحكم الرئيسية المغمورة جزئياً، وغرزت المحقنة الكيميائية العكسية في قلب الصمام الكهرومغناطيسي، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية عبر الأقمار الصناعية لشرق أوروبا، مما أدى إلى شلّ صاعق "طارق" اللاسلكي وإخرس عداد الموت في الثواني الأخيرة، بالتزامن مع انتفاضة فدائية لرجال الإنتربول الدولي الذين اقتحموا المستشفى الملكي وحرروا والدها "عاصم بك" من مخالب صافي. انفرط عقد تلك المصيدة المائية المفخخة، وتراجعت خطوط الأعداء مجدداً نحو الظلال الدولية، لتستقر الأنفاس واجفةً بداخل الرواق الأرستقراطي لقصرهما القديم المسترد، حيث تحول مسار المواجهة من لجة الماء المستعر إلى حرب أنفاسٍ باردة، تكتظ سرادقها بأسرار مكتومة كادت أن تطيح بـعرش ثقتهما ال

  • هوس العشق والانتقام   يتبع الفصل السابع والسبعون: البحث في الأعماق

    لم تكن قبلة حب عادية، بل كانت صراع أجساد عاشقة ونوايا مستعرة؛ طبع شفتيه الساخنتين على شفتيها الممتلئتين المرتجفتين بنهم وجوع فرّغ من خلاله كل عذابات الفراق والارتياب الكامن بداخلها. كانت تقبله بلهفة عمياء كأنها تريد غرز أظافرها في روحه لتمنعه من الغياب، وتارة تضمه برقة متناهية مستسلمة لسطوته المغناطيسية الشاعرة التي تملك شفرة أنثاها بالكامل.امتزجت دموعها الساخنة الحارة بـماء المسبح الدافئ وقبله الحارة التي انتقلت بلظاها من ثغرها لتسير فوق جفنيها الباكيين، يمسح بشفتيه آثار وعثاء السنين وعذاب الارتياب الكامن بداخل أحشائها.هبط بطبع قبلات بطيئة، عميقة، وحميمة للغاية على طول عنقها العاري وعظام ترقوتها البارزة الساحرة التي لمعت تحت وهج الضوء الأزرق كقطعة من المرمار الصافي المستعر تحت الماء، تاركاً علامات واشمة من الشوق والنار ألهبت مسامات جلدها وأثارت في كامل بدنها رغبة حارة لا ترحم. كان يتنفس عطرها الخاص بصدر يعلو ويهبط بعنف، ويداعب نحافة خصرها وسحر تضاريسها الأنثوية الطاغية برقة متناهية أذابت كل صمودها، ويهمس بين القبلة والأخرى بصوت مخنوق بحّه الوداد العارم وسط تلاطم مياه المسبح:

  • هوس العشق والانتقام   الفصل السابع والسبعون: طيف شاطئ الموت

    كان فحيح الغاز الحيوي، المنساب كالأفاعي من أسفل طاولة المكتب المرمري للبرج الموحد، بمثابة نذير فناءٍ آتٍ أوشك أن يطمر شفق تلك الإمبراطورية في الثواني الستين القاتلة. غير أن عبقرية "ليال" صاغت من ذروة رعبها ترياقاً إعجازياً مباغتاً؛ إذ لم تتردد ثانية واحدة، بل اندفعت بأصابعها المرتجفة نحو صمام التوزيع الرئيسي الملحق بلوحة التحكم، وحقنت فيه الشيفرة الجينية العكسية الكاسرة التي احتفظت بها في شفرة معصمها، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية شلّت نظام الصاعق التابع لـ "طارق" في الرمق الأخير، بالتزامن مع اقتحام فدائي لرجال الإنتربول لـطائرة الإخلاء الطبي وإنقاذ والدها "عاصم بك" طاهراً من دنس صواعق صافي. انفرط عقد ذلك الحصار الرقمي المروع، وتراجعت خطوط الأعداء نحو الملاذات الدولية البعيدة، لتستقر الأنفاس واجفة داخل أروقة قصرهما الأرستقراطي القديم المسترد، حيت عادت خطوط الحرب لتتخذ مسارات سريعة مغلفة بـالدهاء والغموض الكوني الكاسر.في الجناح الغربي المعتم للقصر، حيث كانت الأضواء الخافتة تضفي ظلالاً زرقاء شاعريّة على الأثاث الخشبي العتيق، وقفت ليال وحيدة أمام جدار الزجاج الكبير المطل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status