Home / الرومانسية / هوس العشق والانتقام / الفصل التاسع: باقة من الرماد الأسود

Share

الفصل التاسع: باقة من الرماد الأسود

last update publish date: 2026-06-27 06:03:09

في المساء، كان المطعم الفرنسي الفاخر الواقع في الطابق الأخير من أحد فنادق العاصمة الشاهقة يطفو فوق بحر من أضواء المدينة المتلألئة تحت عباءة الليل. الأجواء بالداخل كانت مفعمة بنوع من الفخامة المخملية؛ الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تنساب بوقار بين الموائد، وإضاءة الشموع الخافتة ترسم ظلالاً دافئة ومبهمة على الجدران الخشبية الداكنة. كان هذا العشاء عملاً رسمياً ضم كبار المستثمرين والمستشارين القانونيين لتثبيت أركان الشراكة الجديدة، لكن بالنسبة لفارس السيوفي، تحولت المأدبة إلى ساحة تعذيب نفسي مشحونة بأعلى درجات التوتر والشد والجذب العاطفي.

كانت تجلس أمامه مباشرة، تفصل بينهما طاولة مغطاة بمفرش حريري أبيض، تزدان بكؤوس الكريستال وأواني الفضة. كانت الدكتورة ماسة الهواري (ليال) تبدو كأيقونة من السحر الغامض؛ ترتدي فستاناً من الحرير القرمزي الداكن العاري الكتفين، يبرز عنقها العاجي الطويل، وتتدلى من أذنيها أقراط ماسية صغيرة تلمع مع كل حركة هادئة من رأسها. لم تكن تشاركه الحوار؛ بل كانت تدير النقاش مع المستثمرين الأجانب ببراعة ودبلوماسية بلغة إنجليزية متقنة، ونبرة صوتها المخملية الناعمة تسري في جوارحه كخمر معتق يذهب بوعيه.

انعزل فارس بكليته عن أحاديث الحاضرين، وغرق في دوامة من الهوس والشك الذي بدأ ينهش سويداء قلبه. كانت عيناه السوداوان تلاحقان أدق تفاصيل حركاتها وثنايا جسدها بظمأ مريض؛ يتأمل شفتيها الكرزيتين، وكيف تتحرك ملامح وجهها الشاحب والساحر ببرود قاتل. وفجأة، تجمد النبض في عروقه وتضاعفت دقات قلبه بعنف عندما رفعت ماسة يدها الرقيقة لتمسك بكوب الكريستال المليء بالماء.

راقب فارس حركة أناملها بدقة مجهرية؛ كانت تمسك الكوب بطريقة غريبة ومحددة جداً، حيث ترفع إصبعها الخنصر قليلاً إلى الأعلى، وتطبق بقية أصابعها بنعومة جراحية حول عنق الزجاج. هذه الحركة بالذات، هذا النمط الحركي الدقيق واللاواعي، كان هو البصمة السرية لـ "ليال" الراحلة! كانت تفعل ذلك دائمًا عندما تكون مستغرقة في التفكير أو تحت ضغط نفسي مكتوم.

شعر فارس بشرخ حاد يمزق أركان روحه، واجتاحه صراع نفسي رومانسي رهيب؛ امتدت البرودة إلى أطرافه واختنق أنفاسه وسط تلك القاعة الدافئة. هل هي حقاً ليال؟ هل يعقل أن البحر قد أعاد أمانته؟ أم أن هذه المرأة هي شبيهة شيطانية نُسخت من جحيم ندمه لتقضي على ما تبقى من عقله؟ الوجع والندم استعرا في صدره كجمر ملتهب؛ كان يتمنى في تلك اللحظة لو تذوب كل الفوارق والقوانين، لو يقفز فوق هذه الطاولة الفاخرة ليقبض على يدها الرقيقة، يتلمس دفء بشرتها، ويصرخ باسمها مستجدياً العفو عن خطايا ماضيه الأسود. لكن برود عينيها الجليديتين، وطريقتها المستخفة في النظر إليه كأنه مجرد بيدق مهزوم في مملكتها، كانا يضعان حائداً من نار لا يمكن عبوره.

لمحت ماسة نظراته المفضوحة والهائمة بها، فوضعت الكوب ببطء شديد أحدث رنيناً خفيفاً قطع حبل أفكاره. رفعت عينيها الجليديتين، والتقت نظرتهما في مواجهة صامتة تنفجر بالتوتر والعداء الممزوج بالجاذبية المحرمة؛ التمعت عيناها بنور داكن ساخر، ولسان حالها يقول إنها تعرف تماماً ما يدور في عقله المعذب، وتستمتع برؤيته يتآكل بين الشك واليقين. التفتت إليه وقالت بنبرة ناعمة، تقطر سماً زجلياً:

— "أراكَ سارحاً يا سيد فارس.. ولم تلمس طعامك بعد. هل أزعجتك بنود الشراكة في مناقصة الغد، أم أنك ما زلت مطارداً بأشباحك التي لا تتركك حتى في المحافل الرسمية؟"

ابتلع فارس الغصة التي وقفت في حلقه كشفرة حادة، وأمسك بكأسه بيد مرتعشة حاول جاهداً إخفاءها، وقال بصوت منخفض، أجش، يملؤه الضياع العاطفي:

— "الأشباح لا تطاردنا إلا إذا كانت تحمل وجوهاً نحبها.. وأنتِ يا دكتورة ماسة، تحملين وجهاً يجعلني أشك في أن الموت نفسه قد تراجع عن قبض روحٍ.. كانت هي حياتي بالكامل."

ابتسمت ماسة ابتسامة باهتة، مرعبة في جمودها، وقالت بصوت خافت لم يسمعه غيره وسط جلبة المائدة:

— "الحياة لا تمنح فرصاً ثانية للذين سحقوا قلوب الأبرياء بدم بارد يا سيد فارس.. ركز في أوراقك، فغداً سأجردك من آخر أسلحتك."

شعر فارس بطعنة نافذة في كبريائه، وتحول الصراع النفسي داخله إلى رغبة مجنونة في البقاء قريباً منها رغم عذاب الحصار. وبينما كان يستسلم لنظراتها الساحرة، اجتاحت عقل ماسة موجة عاتية من الماضي القاسي، ليعود بها الذاكرة إلى ليلة عاصفة تفتت فيها آخر أمل لها في رحمته.

*(فلاش باك - قبل عامين وثمانية أشهر)*

في ليلة شتوية عاصفة وظلماء، كانت الأمطار تضرب واجهات القصر الزجاجية بقسوة كأنه غضب السماء، بينما كانت ليال (ماسة الحالية) تقف في بهو الصالة الكبرى، وجسدها يرتجف بعنف ليس فقط من شدة الحمى والمرض النادر الذي نهش أحشاءها، بل من الرعب والوجع؛ فقد تلقت للتو اتصالاً من المستشفى يفيد بأن والدها قد تعرض لنوبة قلبية حادة تلت إفلاس شركته، وأنه بين الحياة والموت في غرفة العناية المركزة.

كانت ترتدي معطفاً خفيفاً مبللاً بدموعها، وهرعت نحو الباب الخارجي لتذهب إليه، لكن فارس وقف في منتصف البهو كجدار من حجر صلب. كان بطوله الفارع، وعينيه السوداوين الخاليتين من أي رحمة، يمنعها بجسده الفخم من العبور. قبض على ذراعها بقوة فولاذية جعلتها تطلق آهة ألم مكتومة، وجذبها إلى الخلف بعنف لتسقط أرضاً على الرخام البارد.

— "إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة في هذا الوقت وفي هذه العاصفة؟" صرخ بها بصوت كالرعد جردها من كل شجاعتها.

توسلت إليه ليال وهي تجثو على ركبتيها تحت قدميه، وتمسك بأطراف معطفه الفاخر بدموع حارقة تملأ وجهها الشاحب:

— "فارس.. أرجوك، اتركني أذهب! أبي يموت في المستشفى.. تعرض لنوبة قلبية بسبب الديون، الطبيب يقول إنه قد لا ينجو من هذه الليلة.. أحتاج أن أراه، أحتاج أن أكون بجانبه، أرجوك دعني أخرج، خذ سيارتي، خذ أموالي، لكن لا تحرمني من نظرة أخيرة عليه!"

نظر إليها فارس بنظرة تقطر كبراً وازدراءً، ولم يهتز قلبه لدموعها أو لضعف جسدها المريض؛ بل انحنى فوقها، وسحب أطراف معطفه من بين أصابعها المرتجفة بقسوة، وقال بنبرة جافة، جامدة، تقطر جفاءً:

— "لن تذهبي إلى أي مكان يا ليال. أنا قمت بإغلاق بوابات القصر وأمرت الحراس بمنعكِ من الخروج. عائلتكِ المنهارة لا تهمني، ووالدكِ الفاشل الذي أضاع ثروته في صفقات غبية لا يستحق أن أضيع وقتي أو اسم عائلتي في ملاحقة مشافيه. أنتم مزيج من الفاشلين والضعفاء، وأنا لا أسمح لزوجة فارس السيوفي أن تبكي خلف أبواب مستشفيات حكومية رخيصة! اذهبي إلى غرفتكِ، وانسي أمر عائلتكِ.. فهم ماتوا بالنسبة لي منذ اليوم الذي أفلست فيه شركاتهم."

رفعت ليال عينيها الداميتين اللتين انطفأ بريقهما تماماً في تلك اللحظة، وشعرت بروحها تتفتت لتتحول إلى شظايا حادة من الكراهية الخالصة. تحجر الدمع في عينيها، ونظرت إلى وجهه الوسيم الذي تحول في نظرها إلى وحش كاسر، وقالت بصوت منخفض، متحشرج، يهز القلوب:

— "لقد منعتني من زيارة أبي وهو يموت يا فارس.. واعتبرتنا مزيجاً من الفاشلين. لكن أقسم لك بروح والدتي، ودموع عذابي في هذه الليلة، أن هذا الجدار الحجري الذي تحاصرني به سأهدمه فوق رأسك يوماً ما، وستتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتك قبل أن تحرمني من أبي.. غداً سيبدأ الحساب، ولن تجد مني سوى الجليد."

فتحت ماسة عينيها فجأة معلنة انتهاء الفلاش باك، وعادت بقوة إلى واقع طاولة العشاء الفاخرة. كان البرود الفولاذي قد أحكم إغلاقه على ملامحها بالكامل، ونظرت إلى فارس الذي كان ما زال ينظر إليها بعيون يملؤها الهوس والانتظار والوجع، ينتظر منها أي إشارة، أي حركة تعيد له الأمل.

أمسكت ماسة بكوب الكريستال مرة أخرى ببرود تام، ورفعت رأسها بكبرياء ونظرت في عمق عينيه الغائرتين بابتسامة باهتة مرعبة تملأ المساحة الفاصلة بينهما، وقالت بصوت ناعم، فيه نبرة وعيد زلزلت أنفاس المكان لتعلن عن نهاية مشوقة تفتح أبواب الجحيم الفعلي:

— "لقد انتهى وقت العشاء يا سيد فارس.. والآن حان وقت العمل الحقيقي. غداً صباحاً، ستصدر المحكمة أمر الاستحواذ النهائي التنفيذي على قصرك وموقع مشروعك الأكبر.. وأنت ستقف هناك لتشاهد بنفسك كيف سأقوم بطردك من أملاكك بذات البرود الذي طردت به الأبرياء يوماً ما.. ولتعلم أن شظايا الزجاج القديم.. قد تعود يوماً لتقطع أنفاس جلاديها."

استدارت ونهضت من المائدة بخطوات واثقة، تاركة إياه غارقاً في جوف الشك، والهوس، والوجع، يدرك أن رحلة عقابه السادي.. قد بلغت ذروتها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثمانون: إعلان فجر السلام

    كان عصف الرياح بداخل مقصورة الطائرة يحشرج بلغة الفناء الأخير، والعداد الرقمي للمحركات الملتهبة يهبط نحو الصفر بشراسة تكنولوجية كادت أن تعلن نثر أشلاء الإمبراطورية الموحدة وسط سحاب جبال الألب. غير أن "ليال" صاغت من شتات ذعرها المحبوس ملحمة إعجاز نبعت من ذروة نقائها العلمي؛ إذ بأصابع لم تعرف الشلل، لم تلمس محقنة الهواء الملعونة، بل غرزت نصل مشرطها الطبي في صمام التوزيع الهيدروليكي الملحق بمقعد القيادة، حاقنةً المصل الجيني المعدل مباشرة في شبكة التبريد ليعمل كـمضاد تفاعل كيميائي كسر جموح التدمير وأخرس عداد الموت في الثواني الثلاث الأخيرة. توازنت الطائرة بأعجوبة بفضل قبضة "فارس" الحديدية التي اعتلت مقود الطوارئ، لتنزلق الهيكل الفولاذي بنعومة فائقة فوق البساط الجليدي الناصع لقمم جبال الألب السويسرية، بالتزامن مع انقضاض صاعق لقوات النخبة والإنتربول الدولي بقيادة "سيلين" التي داهمت المخبأ السري لـ "طارق" و"صافي"، معلنةً تفكيك حلف مافيا الأدوية الدولية للأبد، ونقل "عاصم بك" إلى مشفى سويسري آمن طهر أوجاعه. فوق قمم جبال الألب، حيث الثلوج الناصعة تعكس ضياء شمس جديدة انبعثت لتمحو

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثامن والسبعون: الرماد المتحرك

    كان الأزيز الميكانيكي الحاد المتسارع، المنبعث من بين الشقوق المرمرية لزوايا المسبح الزجاجي، بمثابة الشهقة الأخيرة في صدر ليلٍ تآمرت عتمته مع دهاء "طارق" المشوه لإرساء قواعد الفناء الشامل. غير أن "ليال" صاغت من ذروة رعبها المحبوس معجزةً رقمية مباغتة؛ إذ لم يستسلم عقلها الطبي المشتعل لتهديدات شقيقها التوأم الغادر، بل اندفعت بكامل قوامها الأنثوي المبتل نحو لوحة التحكم الرئيسية المغمورة جزئياً، وغرزت المحقنة الكيميائية العكسية في قلب الصمام الكهرومغناطيسي، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية عبر الأقمار الصناعية لشرق أوروبا، مما أدى إلى شلّ صاعق "طارق" اللاسلكي وإخرس عداد الموت في الثواني الأخيرة، بالتزامن مع انتفاضة فدائية لرجال الإنتربول الدولي الذين اقتحموا المستشفى الملكي وحرروا والدها "عاصم بك" من مخالب صافي. انفرط عقد تلك المصيدة المائية المفخخة، وتراجعت خطوط الأعداء مجدداً نحو الظلال الدولية، لتستقر الأنفاس واجفةً بداخل الرواق الأرستقراطي لقصرهما القديم المسترد، حيث تحول مسار المواجهة من لجة الماء المستعر إلى حرب أنفاسٍ باردة، تكتظ سرادقها بأسرار مكتومة كادت أن تطيح بـعرش ثقتهما ال

  • هوس العشق والانتقام    الفصل التاسع والسبعون: الثغر المغترب

    كان فحيح غاز السيانيد، المنساب المرعبة من أسفل الجدران الخشبية للجناح الملكي، بمثابة شهقة العد التنازلي الأخيرة التي أطبقت على أنفاس الوجود في عتمة القصر الأرستقراطي. غير أن "ليال" صاغت من ذروة الرعب المحبوس في أحشائها ثورةً علمية خاطفة أذهلت روح الأقدار؛ إذ بلمسة عبقرية لم تعرف الشلل، اندفعت نحو حقيبتها الطبية المثبتة في زاوية الغرفة، وسحبت زجاجة الترياق الفسفوري المضاد، وقذفت بها في قلب صمام التهوية الرئيسي، مسببةً تفاعلاً كيميائياً فورياً حوّل الأبخرة السامة في غضون ثوانٍ معدودة إلى رذاذٍ بارد طهّر الهواء قبل أن يفتك بأوصالهما، بالتزامن مع تفعيل "فارس" لنظام التشويش النبضي العكسي الذي شلّ صاعق "طارق" الفضائي وأجبر طائرة الإخلاء الطبي في جنيف على الهبوط القسري تحت سيطرة الإنتربول الدولي، ليتحرر "عاصم بك" طاهراً من دنس المؤامرة. انفرط عقد تلك المصيدة الميكانيكية المروعة، وتراجعت خطوط الأعداء نحو الملاذات الأكثر غموضاً، لتستقر الأنفاس واجفةً داخل أروقة القصر، حيث تبدلت رقعة الشطرنج واستحالت عتمة الغسق إلى مسرح لإعداد خطوة الرد الح اسمة التي لا ترحم.لم تكن خيوط الفجر

  • هوس العشق والانتقام   الفصل الثامن والسبعون: هواجس المارد

    كان الأزيز الميكانيكي الحاد المتسارع، المنبعث من بين الشقوق المرمرية لزوايا المسبح الزجاجي، بمثابة الشهقة الأخيرة في صدر ليلٍ تآمرت عتمته مع دهاء "طارق" المشوه لإرساء قواعد الفناء الشامل. غير أن "ليال" صاغت من ذروة رعبها المحبوس معجزةً رقمية مباغتة؛ إذ لم يستسلم عقلها الطبي المشتعل لتهديدات شقيقها التوأم الغادر، بل اندفعت بكامل قوامها الأنثوي المبتل نحو لوحة التحكم الرئيسية المغمورة جزئياً، وغرزت المحقنة الكيميائية العكسية في قلب الصمام الكهرومغناطيسي، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية عبر الأقمار الصناعية لشرق أوروبا، مما أدى إلى شلّ صاعق "طارق" اللاسلكي وإخرس عداد الموت في الثواني الأخيرة، بالتزامن مع انتفاضة فدائية لرجال الإنتربول الدولي الذين اقتحموا المستشفى الملكي وحرروا والدها "عاصم بك" من مخالب صافي. انفرط عقد تلك المصيدة المائية المفخخة، وتراجعت خطوط الأعداء مجدداً نحو الظلال الدولية، لتستقر الأنفاس واجفةً بداخل الرواق الأرستقراطي لقصرهما القديم المسترد، حيث تحول مسار المواجهة من لجة الماء المستعر إلى حرب أنفاسٍ باردة، تكتظ سرادقها بأسرار مكتومة كادت أن تطيح بـعرش ثقتهما ال

  • هوس العشق والانتقام   يتبع الفصل السابع والسبعون: البحث في الأعماق

    لم تكن قبلة حب عادية، بل كانت صراع أجساد عاشقة ونوايا مستعرة؛ طبع شفتيه الساخنتين على شفتيها الممتلئتين المرتجفتين بنهم وجوع فرّغ من خلاله كل عذابات الفراق والارتياب الكامن بداخلها. كانت تقبله بلهفة عمياء كأنها تريد غرز أظافرها في روحه لتمنعه من الغياب، وتارة تضمه برقة متناهية مستسلمة لسطوته المغناطيسية الشاعرة التي تملك شفرة أنثاها بالكامل.امتزجت دموعها الساخنة الحارة بـماء المسبح الدافئ وقبله الحارة التي انتقلت بلظاها من ثغرها لتسير فوق جفنيها الباكيين، يمسح بشفتيه آثار وعثاء السنين وعذاب الارتياب الكامن بداخل أحشائها.هبط بطبع قبلات بطيئة، عميقة، وحميمة للغاية على طول عنقها العاري وعظام ترقوتها البارزة الساحرة التي لمعت تحت وهج الضوء الأزرق كقطعة من المرمار الصافي المستعر تحت الماء، تاركاً علامات واشمة من الشوق والنار ألهبت مسامات جلدها وأثارت في كامل بدنها رغبة حارة لا ترحم. كان يتنفس عطرها الخاص بصدر يعلو ويهبط بعنف، ويداعب نحافة خصرها وسحر تضاريسها الأنثوية الطاغية برقة متناهية أذابت كل صمودها، ويهمس بين القبلة والأخرى بصوت مخنوق بحّه الوداد العارم وسط تلاطم مياه المسبح:

  • هوس العشق والانتقام   الفصل السابع والسبعون: طيف شاطئ الموت

    كان فحيح الغاز الحيوي، المنساب كالأفاعي من أسفل طاولة المكتب المرمري للبرج الموحد، بمثابة نذير فناءٍ آتٍ أوشك أن يطمر شفق تلك الإمبراطورية في الثواني الستين القاتلة. غير أن عبقرية "ليال" صاغت من ذروة رعبها ترياقاً إعجازياً مباغتاً؛ إذ لم تتردد ثانية واحدة، بل اندفعت بأصابعها المرتجفة نحو صمام التوزيع الرئيسي الملحق بلوحة التحكم، وحقنت فيه الشيفرة الجينية العكسية الكاسرة التي احتفظت بها في شفرة معصمها، مرسلةً نبضة تشويش هيدروليكية شلّت نظام الصاعق التابع لـ "طارق" في الرمق الأخير، بالتزامن مع اقتحام فدائي لرجال الإنتربول لـطائرة الإخلاء الطبي وإنقاذ والدها "عاصم بك" طاهراً من دنس صواعق صافي. انفرط عقد ذلك الحصار الرقمي المروع، وتراجعت خطوط الأعداء نحو الملاذات الدولية البعيدة، لتستقر الأنفاس واجفة داخل أروقة قصرهما الأرستقراطي القديم المسترد، حيت عادت خطوط الحرب لتتخذ مسارات سريعة مغلفة بـالدهاء والغموض الكوني الكاسر.في الجناح الغربي المعتم للقصر، حيث كانت الأضواء الخافتة تضفي ظلالاً زرقاء شاعريّة على الأثاث الخشبي العتيق، وقفت ليال وحيدة أمام جدار الزجاج الكبير المطل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status