Mag-log in.
خرجت مريم من مكتبها في نهاية فترة العمل، وهي تضم الملف الرفيع إلى صدرها بيد أكثر توترًا مما أرادت أن تظهر. كان الممر قد بدأ يفرغ تدريجيًا؛ أبواب زجاجية تُغلق واحدًا بعد آخر، وأصوات الموظفين تتلاشى في اتجاه المصاعد، فيما بقيت أضواء المكاتب مضاءة فوق ممر طويل يزداد هدوءًا كل دقيقة.وبينما كانت تمر قرب مكتب آدم، التقطت أذنها صوته من الداخل.توقفت.لم تكن تنوي الاستماع، أو هكذا أقنعت نفسها، لكنها عندما سمعت اسم ليان، تباطأت خطواتها دون أن تشعر. اقترعاد آدم وليان إلى المنزل بعد العشاء، وكانت المدينة قد هدأت قليلًا خلف نوافذ السيارة، بينما بقيت أضواء الشوارع تنعكس على الزجاج في خطوط متقطعة، وكأن الليل نفسه كان ينسج حولهما ستارًا هادئًا يخفي ما حدث بينهما قبل ساعات. لم يتحدثا كثيرًا طوال الطريق، لكن الصمت هذه المرة لم يكن محرجًا، بل كان يحمل راحة مختلفة بعد الاعتراف الصادق الذي جمع قلبيهما، وكأن كل كلمة قيلت بينهما في ذلك المساء تركت أثرًا لا يحتاج إلى مزيد من الشرح. عندما وصلا إلى المنزل، ترجل آدم أولًا واتجه نحو باب ليان، ثم فتحه لها وانتظر حتى نزلت، قبل أن يمد يده إلى حقيبتها ويحملها عنها دون أن يسأل. نظرت ليان إلى يده التي سبقتها إلى الحقيبة، ثم تنهدت وهي تغلق باب السيارة خلفها وقالت بنبرة تحمل اعتراضًا خفيفًا: «آدم، أستطيع حمل حقيبتي، أنت تعرف ذلك جيدًا، أليس كذلك؟» التفت آدم إليها وهو يحمل الحقيبة بيد واحدة، ثم نظر إليها بنصف ابتسامة وقال: «أعرف، لكن اتركيها لي الليلة، فقد أمضيت وقتًا طويلًا أفكر كيف أجعلكِ تشعرين أنني سعيد بموافقتكِ، وهذه أسهل مهمة استطعت العثور عليها.» اتسعت عينا ليان قليلًا من طريقته، ثم ضربته بخ
دخل آدم وليان إلى المطعم ببطء، وكانت يدها لا تزال داخل يده. وما إن تجاوزا المدخل حتى توقفت ليان للحظة، فقد كان المكان مختلفًا تمامًا عما توقعته. كان المطعم واسعًا وفخمًا، لكن الهدوء الذي يملأه جعله يبدو وكأنه مغلق أمام الجميع باستثناءهما. لم تكن هناك سوى طاولات قليلة موزعة في المساحة الواسعة، ومعظمها خالية، بينما أضيئت المصابيح المعلقة فوقها بضوء دافئ وناعم انعكس على الأرضية اللامعة.في الخلفية، كان عازف يجلس بالقرب من نافذة كبيرة، يعزف ألحانًا هادئة على آلة موسيقية وترية، فتنساب الموسيقى في المكان دون أن تطغى على أصوات الحديث. أما الطاولة التي اختارها آدم، فكانت محاطة بترتيب أنيق من الورود البيضاء والوردية، بينما وُضعت شموع صغيرة بين الزهور، تهتز ألسنتها مع حركة الهواء الخفيفة. رفعت ليان عينيها نحو آدم، ثم أخذت تتأمل المكان بدهشة واضحة قبل أن تقول وهي تشير بعينيها إلى الطاولات الخالية: «أنت قلت إننا ذاهبان إلى مطعم.»ابتسم آدم وهو ينظر إلى وجهها، ثم أجابها بهدوء: «وهذا مطعم.»نظرت ليان حولها مرة أخرى، ثم عادت إليه وهي تض
ظل مالك واقفًا أمام مكتبه، والملف المفتوح بين يديه يحتوي على آخر المعلومات التي حصل عليها. لم يكن بحاجة إلى البحث عن الفاعل، فقد كان يعرف منذ فترة أن إبراهيم الراوي لعب الدور الأساسي في إسقاط عائلة بني سليمان وإيصال شركاتهم إلى الانهيار.لكن شيئًا جديدًا ظهر في الوثائق الأخيرة.لم يكن إبراهيم قد تحرك وحده تمامًا، بل استخدم خلال تلك الفترة مجموعة من الشركات والوسطاء لإتمام الصفقات التي أضعفت منافسيه تدريجيًا. بعض تلك الشركات كانت مرتبطة بشكل مباشر بشبكة أعمال عائلة الراوي، وبعضها الآخر كان يعمل لمصلحة إبراهيم دون أن يظهر اسمه بصورة واضحة.أعاد مالك قراءة أحد التقارير، ثم أغلق الملف ببطء.لم تكن المفاجأة في معرفة أن إبراهيم فعل ذلك، فقد عرف هذه الحقيقة سابقًا، وإنما في إدراكه أن العملية كانت أوسع مما ظن.وقف أمام النافذة الزجاجية، وكانت المدينة تمتد أسفل البرج كبحر من المباني والطرق المضيئة. بقي ينظر إليها دون أن يرى شيئًا منها، بينما كان سؤال واحد يضغط على أفكاره.كيف سيخبر شهد؟كانت شهد زوجته، وكانت عائلة بني سليمان عائلتها التي حاولت إنقاذها بكل ما تملك. أما عائلة الراوي، فكانت عائلة
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت الأخبار تنتشر داخل منزل عائلة بني سليمان بسرعة أكبر مما توقعه أحد، فقد وصلت التحويلات إلى الحسابات المطلوبة، وتغيرت الأرقام التي كانت قبل ساعات قليلة تبدو كأنها حكم نهائي على مستقبل العائلة. لم يكن أحد منهم يتساءل عن هوية الشخص الذي أرسل المال، لأن شهد كانت قد أخبرتهم بوضوح أنها ستتحمل الجزء الأكبر من الإنقاذ، لكن ما لم يعرفوه هو أن المال الذي قدمته لم يكن في الأصل من أموالها وحدها.جلس والد ليان في مكتبه القديم، وأمامه شاشة الحاسوب التي ظهرت عليها تفاصيل التحويلات البنكية. ظل صامتًا لوقت طويل، بينما كانت أصابعه تستقر فوق سطح المكتب دون حركة، وكأن عقله يحاول استيعاب حجم المبلغ الذي ظهر فجأة في حسابات المجموعة. كان يعرف ثقل الديون والالتزامات، ولذلك أدرك أن الأموال التي وصلت إليهم لم تكن مجرد مساعدة عابرة، بل كانت كافية لمنح العائلة فرصة جديدة للوقوف على أقدامها.دخل أنس إلى المكتب، وتوقف عند الباب عندما رأى والده يحدق في الشاشة بتلك الطريقة. اقترب ببطء، ثم نظر إلى الأرقام قبل أن يسأل: «هل وصل المال بالفعل، أم أننا نقرأ شيئًا لم يكتمل بعد؟»رفع والده
بقيت ليان صامتة للحظات، بينما كانت أصابعها لا تزال متشبثة بملابس آدم وكأنها تخشى أن يبتعد عنها فجأة. كان خوف الحلم لم يختفِ تمامًا من عينيها، رغم أن كلماته الأخيرة بددت جزءًا كبيرًا من الرعب الذي استيقظت عليه. نظر آدم إليها طويلًا، ثم رفع يده ومسح أثر الدموع عن خدها بحركة بطيئة وحانية. قال بصوت هادئ، بينما كانت عيناه تراقبان كل تغير صغير في ملامحها: «ليان، أريدك أن تنهضي قليلًا، لأنني أريد أن أريك شيئًا مهمًا.» نظرت إليه باستغراب، ثم تركت يده التي كانت تمسك بها، ومسحت عينيها قبل أن تقف أمامه بتردد واضح. مد آدم يده نحو جيب سترته، وأخرج بطاقتين سوداويتي اللون، ثم وضعهما أمامها فوق الطاولة القريبة. نظرت ليان إلى البطاقتين، ثم رفعت عينيها نحوه وهي لا تفهم سبب اهتمامه بهما. قال آدم وهو يشير إلى البطاقة الأولى: «أريدك أن تختاري بنفسك ما تريدينه من هاتين البطاقتين، دون أن تشعري بأنني أفرض عليك شيئًا.» مدت ليان يدها ببطء، ثم التقطت البطاقة الأولى وقلبتها بين أصابعها، قبل أن تنظر إلى الرقم المكتوب عليها. توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها عندما قرأت الرقم الموجود أمامها بوضوح شديد. قالت بده
ظل آدم واقفًا أمام ليان، يراقب ارتجاف كتفيها بصمت، بينما كانت الدموع تنزل من عينيها دون صوت. كانت تحاول السيطرة على أنفاسها، لكن الخوف الذي تركه الحلم داخلها جعل صدرها يرتفع وينخفض بصعوبة واضحة. اقترب آدم منها ببطء، ثم مد ذراعيه نحوها وضمها إلى صدره بقوة، وكأنه يريد أن يمنحها أمانًا لم تستطع كلماتها وحدها منحه. أخفت ليان وجهها عند صدره، وبقيت للحظات عاجزة عن الكلام، بينما كانت أصابعها تقبض على قماش سترته بتوتر شديد. مرر آدم يده على ظهرها ببطء، وشعر بارتجاف جسدها الصغير بين ذراعيه، فازداد احتضانه لها دون تردد. وبعد لحظات طويلة، رفعت ليان وجهها نحوه، وكانت عيناها اللامعتان تشبهان عيني قطة خائفة تبحث عن مكان آمن للاختباء. قالت بصوت مكسور، وهي تحاول ترتيب الكلمات وسط شهقاتها الهادئة: «وقعت أوراق الطلاق بالفعل، لكن ذلك الطلاق لن يصبح نافذًا قانونيًا إلا بعد خمس سنوات.» توقفت قليلًا، ثم مسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة، وكأنها تخجل من كشف جزء آخر من حياتها. «لم أخبرك لأنني خفت أن تنظر إليّ بالطريق







